مدير وحدة الحراثة المجتمعية المهندس محمد القديمي في حوار لصحيفة “المسيرة”: إنتاجُ بلادنا لكميات كبيرة من الحبوب سيجنّبُها أيَّ استهداف للأمن الغذائي

 

المسيرة: حاوره محمد ناصر حتروش

دعا مديرُ وحدة الحراثة والشق المجتمعية في مؤسّسة تنمية وإنتاج الحبوب، المهندس محمد القديمي، إلى المزيدِ من التكاتف نحو زراعة القمح، وُصُـولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، داعياً إلى إنشاء الشركة الوطنية للحبوب والبقوليات على غرار شركة النفط تماماً، لتنظم العلاقة بين المستورد والاستهلاك الداخلي.

وأشَارَ المهندسُ القديمي إلى أن بلادنا تستورد ما يقارب 3 ملايين و200 ألف طن سنويًّا من القمح بفاتورة تصل إلى مليار و300 مليون دولار سنويًّا، مؤكّـداً أن بلادنا إذَا وصلت إلى إنتاج كميات كبيرة من الحبوب فسنتجنب أي استهداف للأمن الغذائي من جانب العدوّ.

إلى نص الحوار:

– بداية ماذا عن الاكتفاء الذاتي لبلادنا، وهل نمتلك المقومات التي تؤهلنا لتحقيق ذلك؟

الاكتفاءُ الذاتيُّ لا يتحقّقُ إلَّا بكل أبناء الوطن، الذين هم المزارعون الحقيقيون وهم أَسَاسُ النهضة الزراعية وركنُ الأَسَاس وعنصرُ النجاح لهذه العملية، والموارد الطبيعية التي يمتلكها هؤلاء المزارعون هي العمودُ الاقتصادي لهذه الانطلاقة، فإذا ما حصلت هذه الأشياءُ بصورة مرنة وواقعية من واقعٍ ميداني، فَـإنَّنا سنستطيعُ أن نصلَ إلى الاكتفاء الذاتي.

– ولكن هل يمكنُ أن توجزَ لنا بالأرقام أين نحن من تحقيق الاكتفاء الذاتي فيما يخص محاصيل الحبوب وعلى وجه الخصوص محصول القمح؟

لنصلَ إلى الاكتفاء الذاتي نحن بحاجة إلى ما يقارب 500 ألف هكتار من القمح الذي يعتبر الأَسَاس في السلسلة الغذائية، والركيزة الأَسَاسية في الغذاء في الوقت الحالي، وهو الذي يُمَثِّلُ الرقمَ الأكبرَ من بين المحاصيل الزراعية استيراداً من الخارج، فنحن نستورد ما يقارب 3 ملايين و200 ألف طن سنويًّا ما يعادل مليار و300 مليون دولار سنويًّا، وهذه هي فاتورة استيراد القمح، وَهذه الأرقام يمكن إنتاجها في اليمن محلياً، بل وأضعافها عن طريق تنفيذ جملة من الخطوات والتي أدركنا من خلال عملنا في وحدة الحراثة المجتمعية وتنمية المجتمعات المنتجة وإنشاء جمعيات منتجي الحبوب ونزولنا واحتكاكنا الكبير بالمجتمع الزراعي بصورة يومية وسلسة ومتابعة حثيثة بشكل دائم وجدنا أن الناسَ هم من يريدون تحقيق الاكتفاء الذاتي، وأننا في الجانب الرسمي -بدون قصد- من نعيق تحقيقَ ذلك؛ بسَببِ الآلية الغامِضة التي نتَّبِعُها لعدم وجود القدرة على الفَهْمِ الحقيقي للهدف الذي نسعى إلى تحقيقه، فعندما نأتي ونقولُ: إننا سنحقّق الاكتفاء الذاتي من خلال مجموعة من المؤسّسات التي لا تعرفُ معنى الميدان، ولا أهميّة العمل في الميدان الزراعي، هذه هي الكارثة الحقيقية، حَيثُ يعتمدُ عملُ تلك المؤسّسات على روتين ممل، وتنظيرٍ من المكاتب فقط، وأما أننا نخرُجُ إلى أبناء الجوف، وإلى أبناء تهامة، ونخرُجُ إلى أبناء المحافظات الأُخرى، ونعود إلى مكاتبنا، فهذا أشبهُ بزيارة ترفيهية وسياحية.

– إذاً ما هي الخطوةُ الأولى التي يمكن أن ننطلق منها لتحقيق الاكتفاء؟

الخطوة الأولى لتحقيقِ الاكتفاء الذاتي هي الخروجُ من هذا الروتين وننطلق بهبة شعبيّة نحو الاكتفاء الذاتي، ونستخدم العصف الذهني للمجتمع في كيفية السير نحو الاكتفاء الذاتي بصورة مرنة وواضحة وبسيطة.

كان بيننا وبين الاكتفاء الذاتي ما يقارب 57 عاماً، والآن أصبحنا نستورد 68 مليون كيس من القمح في العام الواحد، وهذه أرقام مخيفة جِـدًّا، لذلك لا بُـدَّ من اتِّخاذ عدد من الخطوات يتم بناؤها وننطلق من خلالها، والتي لمسانا لها أثراً كَبيراً من خلال عملنا في وحدة الحراثة التي استطعنا أن نحقّق إنجازاً ملموساً على أرض الواقع.

اليمنُ قبل 57 سنة كان مكتفياً ذاتياً بنسبة 120 %، مكتفياً ذاتياً ويصدر، الآن أصبح اليمنُ مستورداً بنسبة 97 %، ومؤشِرُ الاكتفاء الذاتي من القمح أصبح 3 %، وهذا أمرٌ مخيفٌ جِـدًّا، وهذه كارثةٌ بكل المقاييس في جانب الأمن الغذائي، فعلينا أن نفكِّرَ بالطريقة المُثلى لتحقيق الاكتفاء الذاتي دون التنظير، ولا نحتاج لا إلى البنك الدولي، ولا إلى دعم من هنا أَو هناك، فمواردنا تكفينا.

– ما أبرزُ ملامح هذه الرؤية التي تتحدث عنها؟

وجدنا أننا في الجمهورية اليمنية بحاجة إلى أن نبنيَ 150 مديريةً أَو 100 مديرية على الأقل كمرحلة أولى، والبناء هذا يتمثل في توفير مستلزمات الإنتاج في هذه المديريات، فقط نكثّـف جهودنا في كيفية اختيار 100 مديرية من المديريات التي باستطاعة مزارعيها أن يزرعوا لنا المساحةَ المطلوبة، المزارعون أنفسهم، وليس الدولة هي من تزرع؛ لأَنَّ الدولة إذَا تدخلت للزراعة هي فهذا هو الفشل بعينه، ونستشهدُ بذلك من خلال المَزارِع التي تبنَّتها بعضُ المؤسّسات العاملة في جانب تنمية إنتاج الحبوب، كلها فشلٌ في فشل، وأنا مسؤولٌ على كلامي هذا.

– وَما هو سبب هذا الإخفاق في جانب الإنتاج كمؤسّسات برأيكم؟

السببُ سوءُ الإدارة، والشيءُ الآخر لا يُعنَى الشخص المكلف بالعمل برقابة شديدة، وخطة استراتيجية للعمل، وأيضاً أن مسألةَ الاكتفاء الذاتي أمرٌ لا يعنيه، وهَمُّهم فقط هو جمع رأس المال، أَو مبالغ مالية معينة يمشّي أمورَه في جوانب معينة فقط.

كانت بلادنا قبل 57 سنة تعيش مرحلة الاكتفاء الذاتي، وكانت تصدر إلى الخارج، ومن عام إلى عام تركنا الاكتفاء الذاتي وراء ظهورنا، حتى تباعدت المسافة بيننا وبين الاكتفاء الذاتي، فهل كانت في فترة الاكتفاء الذاتي في عهد الإمام الدولةُ هي مَن تشتغلُ في الزراعة أم كان الاعتمادُ على المزارع نفسه؟!

هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحَه على أنفسنا، وهذا هو المحور الأهم، إذاً علينا أن نعتمدَ على المزارع نفسه، لا أن تتدخل الدولة وتزرع بنفسها، علينا فقط أن نفكر كيف ندعم المزارع وكيف نعينه على الإنتاج.

– ما هي أهم مرتكزات انطلاق الجبهة الزراعية التي نصل من خلالها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من وجهة نظركم؟

عندما أتحدث عن الجبهة الزراعية، فأنا أتحدث عن جانبين اثنين هو إنتاج وتسويق، وهذا الشيء هو الذي يؤمن ويجمع عليه جميع الناس، وَإذَا ما أتينا إلى البحث عن كيفية توفير مستلزمات الإنتاج، وكيف نضمن عملية التسويق، وهذا يمكن تحقيقه في خطوتين، وهذه الخطوتان تحتاج إلى قرار شجاع فقط، أما الإمْكَانيات فهي موجودة، ولا نحتاج من الدولة أي شيء، نحتاجُ منها قرارات شجاعة في هذا الموضوع، حَيثُ أن الموارد الطبيعية متاحة ومتوفرة، فعلى سبيل المثال نحن في وحدة الحراثة باستطاعتنا تحريك ما يقارب 3200 منسق متطوعين لا يحتاجون من الدولة إلى ريال واحد، لتحريك الحراثات في كُـلّ المديريات وبآلية مرتبة ودقيقة للغاية ومجرّبة، فنحن من خلال ما نطرح لا نبحث عن مناصبَ أَو مكانة في المجتمع، نحن نبحث عن طريق نخرج منها البلاد من هذا المأزق الخطير الذي نمر به، والمتمثلُ في عدم امتلاكنا لقوتنا، وهذا هو حبلُ المشنقة الذي يحاولُ من خلاله أعداؤنا خنقنا به متى شاءوا.

– ما هي رؤية مؤسّسات القطاع الزراعي حول الأمن الغذائي؟ وأين موقعها من ذلك؟

نحن الآن فيما يخُصُّ اكتفاءنا الذاتي، لا يوجد لدينا الآن أمنٌ غذائي نهائيًّا وهذه حقيقة، الأمن الغذائي القائم الآن تحت رحمة التجار، ولا للدولة أي تدخل حتى الآن في ذلك، وهذه مشكلة خطيرة وخطيرة جِـدًّا، كيف أنت دولة ولديك استراتيجية ورؤية وطنية واضحة وفي الأخير لا تملك قراراتٍ في الأمن الغذائي، فماذا نسمي ذلك؟

إذاً فنحن بحاجة إلى قرار شجاع يتخذ، يجب علينا أن لا نعيدَ تكرارَ تجربة مؤسّسة الحبوب الخارجية، وفشلها ولكن نريد أن نعيد آلية ترتب ما فشلت فيه المؤسّسة الخارجية للحبوب وقرار إنشائها.

– كيف يمكن ذلك؟ هل يمكن التوضيح لنا أكثر؟

هناك نموذجٌ ناجحٌ وهي شركة النفط اليمنية، نحن بحاجة إلى إنشاء الشركة الوطنية للحبوب والبقوليات على غرار شركة النفط تماماً لا تستورد هي، فقط هي تنظم بين المستورد وبين الاستهلاك الداخلي، وتكون لها فروع في كُـلّ محافظة تعنى بشراء المحاصيل اليمنية “المنتج المحلي” بدرجة أَسَاسية، ورأس مال هذه الشركة 500 ريال من كُـلّ كيس مستورد، لتغطية فارق السعر ما بين المستورد والمحلي.

وعندما تأتي في المحافظة وقد توفر لديك سوق تجاري، فَـإنَّ المزارع سيزرع؛ لأَنَّنا وفّرنا له السوقَ الحقيقي وشجّعناه في السعر، فَـإنَّ المزارع سيزرع، وهذا هو أكبرُ إنجاز، وبذلك لا تتدخل الدولة في عملية الزراعة، كذلك لا يخسر التاجر شيئاً، وكذلك المواطن لم يخسر شيئاً، فقط أننا أنجحنا دور الجميع عن طريق تنظيم عملية التسويق الزراعي، وهذه هي الآلية التي نحاول تحقيقها وهي مهمة للغاية جِـدًّا.

فالشركة التي تكلّمنا عنها الآن هي المسار الطبيعي والبديل لهذا الموضوع، يمكن من خلالها أن لا يتمَّ الاعتمادُ على التاجر ليغطي لك جزءًا من فاتورة الاستيراد.. أنت منظم فقط للعملية مثل عمل شركة النفط تماماً، تنظيم الخروج والدخول، وفي نفس الوقت تلزم التاجر ليس ببناء صوامع غلال ولا مخازن؛ لأَنَّنا في فرع الشركة التي تكلمنا عنها “الشركة الوطنية للحبوب والبقوليات” سيكون لدينا عملاء من التجار الداخليين، نقوم نحن بشراء المحاصيل من المزارعين عبر إدارة تعنى بشراء المحاصيل اليمنية بأسعار معقولة ونبيعها للتاجر في نفس الوقت ليبيعها بالسعر الرسمي.

العمليةُ سهلةٌ جِـدًّا وبسيطة.. الانطلاقُ لتحقيق الاكتفاء الذاتي بجهد مجتمعي، وفق رؤية يجد المزارع من خلالها سوقاً لمحاصيله الزراعية، عبر فروعها في المديريات، وتكون العملية مرضية للمزارع والمستهلك والمزارع في وقت واحد، وفي نفس الوقت لدى فرع الشركة في المحافظة إدارة تعنى بالمستلزمات الزراعية، فالعملية برمتها كيف نقوم بعملية تنسيق ما بين التجار والمزارع وبين مختلف الجهات ذات العلاقة؛ مِن أجلِ أن نوفر للمزارع مستلزمات الإنتاج من بذور وطاقات شمية “بالآجل” تقسَّطُ على المزارع فيما بعد الحصاد بضمانة الشركة نفسها؛ لأَنَّ المزارع لن يبيع محصوله إلَّا لهذه الشركة بالسعر الوحيد والمرضي، فهذه الشركة نحن بحاجة إليها في أسرع وقت وتحتاج فقط إلى قرار شجاع يُتخذ في هذا الموضوع.

– هل سيكون لهذه الشركة أثر أَو انعكاس مباشر وإيجابي على مسألة تحقيق بلادنا للأمن الغذائي؟

الجانبُ المهم في هذا الموضوع أنك أنشأت كياناً خاصاً بالأمن الغذائي، فأنت كشركة قادر على توجيه التاجر من أين يشتري وقادر على معرفة كم لديك مخزون استراتيجي من الحبوب داخل البلاد وتوزعه بالصورة المثلى، أَيْـضاً سنتجنب أي استهداف للأمن الغذائي من جانب العدوّ في حال إذَا وصلت اليمن إلى إنتاج كميات كبيرة من الحبوب وحاول استهداف أمننا الغذائي عن طريق التقليل في السعر العالمي للحبوب وإدخَالها إلى البلاد عن طريق التجار المستوردين لمدة عام مثلاً والتي سيتضرر من خلالها المنتج المحلي بشكل كبير وسيوجه ضربة قاصمة للمنتج المحلي، عند ذلك سيكون للشركة دور في الحيلولة دون أن يحصل ذلك، وهذا هو الحل الأمثل الذي إذَا ما تحقّق سنتجنَّبُ كُـلَّ ذلك، وهذا موضوع مهم للغاية جِـدًّا وحسّاس ولا تهاون فيه.

– هل يمكن توضيحُ الرؤية التي انطلقتم أنتم في رسم مسار عمل هذه الشركة إذَا ما تم اعتمادها؟

تتركز الرؤية على زراعة 4 – 6 آلاف هكتار في كُـلّ مديرية عدد 100 مديرية زراعية يتم اختيارها بعناية، وعلى أَسَاس إن قمنا بزراعة 4 آلاف هكتار في كُـلّ مديرية مع توفير مستلزمات الإنتاج والحراثة والبذور المحسنة والأسمدة والري، وبعد كُـلّ ذلك تقوم الشركة بشراء المحصول بالسعر المناسب من المزارع، فلو زرعنا 100 مديرية في أقل مستويات كُـلّ مديرية 4 آلاف هكتار سنزرع ما يقارب 400 ألف هكتار، الـ 400 ألف هكتار بعد التجارب التي وجدت في هذه المرحلة نجد أنه إذَا ما أعطيت الأرض حقَّها من العمليات الزراعية والبذور المحسنة والمخصبات الزراعية كاملة فَـإنَّ إنتاج الهكتار سيصل إلى 5 أَو 6 أطنان، ونحن لا نفرض قياسنا على 4 أطنان للهكتار، الــ 4 أطنان في 400 ألف هكتار فَـإنَّنا سنزرع مليوناً و600 ألف طن، يعنى ما يقارب 60 % من الاكتفاء الذاتي.

ما الذي يمثله لنا هذا الرقم، هذا الرقم قيمته 260 مليار ريال يمني، بينما لو توجّـهنا في الجوف لزراعة 50 ألف هكتار واستصلاحها بما يقارب 385 مليار ريال، فهذه مشكلة كبيرة أنت تعرض من خلالها مشروعك لخطر، فلماذا لا أبدأ ببناء جزء من الأمن الغذائي بالأراضي المستصلحة حَـاليًّا، كيف أطورها، كيف أقدم للمزارع الحراثة بــ 7000 ريال، والدولة تقدم عنه 5 ألف والمزارع لا يدفع إلَّا ألفين ريال فقط، كيف أقدم له 2 أكياس بذور مجاناً، كيف أقدم له 3 أكياس أسمدة مجاناً، كيف أقدم له لـ كُـلّ 10 هكتارات منظومة شمسية بـ 3 ملايين ريال، واشتري منه الكيس من 6 آلاف ريال وهو راضٍ وهو كسبان ورابح في هذه الحالة، وأنت كدولة رابحة والتاجر رابح، وهذه العملية محسوبة بشكل دقيق وجاهزة.

مثلاً مشروع الجوف على سبيل المثال مسألة استصلاح أراضي جديدة سيكلفنا عمالة ومهندسين وبنية تحتية واستصلاح لسنوات لنصل إلى 50 ألف هكتار ولو فرضنا الإنتاج للهكتار 5 أطنان، سننتج 250 ألف طن، وهي لا تمثل شيئاً بالنسبة للاكتفاء الذاتي، بينما سنحرك مشروعنا من واقع ميداني ونستطيع تطبقه في أي وقت وبجهود المجتمع، أنت فقط تنظّم العملية وترسم المسار الصحيح لها، وتستطيع الوصول إليها في أسرع وقت؛ لأَنَّك لا تستصلح أراضيَ ولا تبحث عن أراضٍ ولا عمالة ولا مهندسين ولا معدات زراعية ولا غير ذلك، معك معطيات وبيانات ومؤشرات جاهزة والمزارع هو الذي سيزرع، فاذا ما تم بناء هذه الخطوتين سنصل إلى الاكتفاء الذاتي.

– ماذا عن عملية التسويق للمنتج المحلي؛ باعتبَاره المعضلة الأهم والبوابة التي قد تهدم ما تم بناءه في الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي؟ وهل تمتلك الرؤية جانباً خاصاً بذلك؟

موضوعُ التسويق عملنا على إيجاد آليةٍ منظِّمةٍ؛ لكي يصلَ المنتجُ إلى المستهلك، لا يتم تخزينُه في مخازن الدولة ولدينا تجربة مع مؤسّسة إنتاج الحبوب اشترت 18 ألف كيس العام الماضي من الجوف بينما كان المفترض أن تشتري 100 ألف كيس، وتكدست إلى الآن في مخازن المؤسّسة؛ لأَنَّ العمل هنا مركزي يقوم به مجموعة أشخاص على مستوى بلد بكله، وهذا خطاء، نحن نحتاج إلى مجتمع مترابط يسوق للمنتج المحلي.

فالرؤيةُ التي نحاولُ أن نربطَها بالواقع هي رؤية حقيقة من الواقع وضمان نجاحها بإذن الله 98 %، ونسأل من الله التوفيق فيها، ونحن جاهزون لمناقشتها مع من يريد ونعين من تريد القيادة السياسية أن يمثلها في الميدان ونحن سنعينها، ونكون عوناً لمن يريد تنفيذها على أرض الواقع؛ لأَنَّنا مسؤولون جميعاً ونتحمل ألمَ وجوعَ كُـلّ جائع أَو من لا يجد لقمة عيش داخل الجمهورية اليمنية.

– هل لديكم دارسة متكاملة لهذه الرؤية؟

لدينا دراسة متكاملة من الألف إلى الياء، بلادُنا تمتلك الأرض بمواردها الطبيعية التي لا توجد مثلها أي أرض ومناخ ومقومات والكادر البشري من المزارعين لا يوجد مثلهم في العالم، وبينما المعدات التي كان لدينا مشكلة عملاقة فيها نحن نمتلك اليوم 4 آلاف حراثة ومعدات زراعية إلى الآن، ولو استطعنا تغطية كميات الديزل اللازمة وفي الوقت المناسب لحركنا ما يقارب 7 آلاف حراثة، لكن في ظل الحصار والعدوان لم نستطع ذلك.

فالحمد لله وبفضل الله وبفضل التجربة التي مررنا بها في الفترة السابقة وجدنا أن الميدان جاهزٌ فقط يحتاج من يديره بالشكل المطلوب وبطريقة صادقة وشفافة لا أكثر، فقط إدارة الموارد المتاحة بالشكل المطلوب، كما قال السيد القائد -حفظه الله– وأشَارَ إليها في أكثر من خطاب، بأن الموارد الموجودة في البلاد موارد عملاقة فقط تحتاج إلى إدارة، أن نرى ببصيرة وبتمعن وبتفنن في الرؤيا لا يجب أن نظل سطحيين وعشوائيين يجب أن تكونَ نظرتنا عميقة ولها بُعْدٌ طويل وواسع.

ويمكن من خلال الشركة والرؤية أن نضع قدمنا على أول خطوة في الاكتفاء الذاتي في فترة وجيزة لا تتجاوز الـ 4 أشهر تبدأ بتحقيق الأثر وبعدها بـ 6 أشهر نكونُ قد بدأنا الإنتاجَ الفعلي، فقط نقوم بتبني هذه الرؤية وننطلق بها.

– في دعاء مكارم الأخلاق يقول الشهيد القائد -سلام الله عليه-: إن “الاكتفاء الذاتي من كمال الايمان” هل وصلنا بمجتمعنا إلى أن يدرك أهميّة ذلك كواجب ايماني؟

الشهيدُ القائدُ -رضوان الله عليه- انطلق من واقع بؤس وعناء كان يرى الأُمَّــةُ فيه، وكانت نظرته إلى مدى بعيد ويرى ما الأُمَّــة مُقْدِمَةٌ عليه ويحذر من ضرورة الاتّجاه نحو الاكتفاء الذاتي للأُمَّـة، وما زلنا اليوم نعايش ما كان يطرحه الشهيد القائد وكأنه موجود بيننا، فكان -سلامُ الله عليه- يمتلك النظرة الثاقبة وشخص الموضوع تشخيصاً دقيقاً أكثر مما شخّصه الحاضرون والمنظرون الموجودون حَـاليًّا وبشكل كبير ودقيق، وكان ينظر إلى المستقبل بنظرة واقعية وشفافة، لكن كنا في تلك الفترة مدجنين من قبل أعدائنا، ومن خلال ما طرح الشهيد القائد -سلام الله عليه- وضعنا أمام المعوقات ومن خلالها وجدنا الحلول والمعالجات، وهي نظرة ثاقبة إذَا ما أخذنا بها ضمنا النجاح بإذن الله، وما علينا إلَّا أن ننطلق على خُطَى الشهيد القائد ووفق توجيهات السيد القائد -حفظه الله-، وهذا ما وجدناه حقاً في الميدان، من واقع الميدان وهو ما نحتاجه اليوم ونحن في أَمَسِّ الحاجة إليه الآن؛ لأَنَّنا بهدى الله وبإكمال حلقة الاكتفاء الذاتي مع ما يحقّقه أبطال الجيش واللجان الشعبيّة في الميدان نكون قد ملكنا سر القوة الكاملة التي تمكّنا من أن نكون بمستوى المواجهة مع أعداء الله ونحقّق للأُمَّـة النصر والتمكين الذي وعدنا الله به.

– السيد القائد أكّـد في أكثر من خطاب على أهميّة الالتفات إلى استغلال الموارد الطبيعية والانطلاق من خلالها في الجبهة الزراعية لإحداث نهضة زراعية شاملة، ماذا عن ذلك؟

السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- أعطى الجبهةَ الزراعية بعد الجبهة العسكرية جُلَّ اهتمامه، وحدّد العام 2022م عامَ النهضة الزراعية، فكيف سنصل إلى النهضة الزراعية ونحن الآن على مشارفِ العام 2022م ولم يتحقّق شيء وما زلنا نفكر كيف نعد للاستصلاح، علينا أن نستصلحَ الموجودَ وكيف أصلُ إلى الاكتفاء الذاتي عبر التوسع الرأسي عن طريقِ المدخلات الزراعية وجَودتها، أي كيف أجعلُ من الهكتار الواحد بدلاً عن أن ينتجَ طناً واحداً ينتج لي 5 أطنان، وهذا موضوع مهم وهذه أراضٍ زراعية موجودة وموزعة على أنحاء الجمهورية كاملة، لا تضع كُـلّ بيضك في سلة واحدة، نحن في مرحلة حرب، والشيء الآخر وجود إقبال واستعداد من قبل المزارعين على الزراعة فقط نوفر لهم الإمْكَانيات وإدارة الموارد الطبيعية الموجودة بصورة نموذجية، إذَا كان لديهم لهفة للزراعة واستعداد وإقبال، وساعة الحراثة بـ 7 آلاف ريال، فما بالُك إذَا كانت الساعة بـ 2000 ريال، كيف سيكون الوضع، سيكون الإقبالُ والاستعدادُ أضعافاً مضاعفة.

– إذاً لماذا التأخيرُ في بدء نهضة زراعية شاملة إذَا كنا نمتلك كُـلّ المقومات التي تؤهلنا لذلك؟

هناك من يفكّر أنه لا يوجد إلَّا بابٌ واحدٌ وعقلٌ واحدٌ يمكن من خلاله الدخول للاكتفاء الذاتي، ولا يؤمن بأن لدينا ملايين العقول، وألف باب يمكنُ أن ندخُلَ منه للاكتفاء الذاتي، الاكتفاء الذاتي لا ينحصر بباب واحد ولا بتفكير شخص واحد، والتأخير السائد في عملية الوصول لتحقيق المطلوب هو أن هناك من يرى نفسَه أنه الوصيُّ على الاكتفاء الذاتي وليس في الجانب الزراعي فقط بل في كُـلّ الجوانب، ما زال البعضُ يحملُ بعضَ العقليات المريضة “المركَزية المطلقة”، عندما أتكلم الآن عن تسويق زراعي هل هو موجود، لا، وهو أهم عنصر في الجانب الزراعي، فمحصول القات مثلاً لماذا هذا الإقبال عليه ولماذا يصل إلى كُـلّ مكان، ويذهب المشتري للمزارع ليشتري منه، السبب هو نجاح التسويق، ونحن عجزنا عن تسويق الحبوب، المزارع يعاني الأمرَّين؛ مِن أجلِ أن ينقل محصوله إلى صنعاء ليبيع محصوله إذَا باعه، فهذه الأمور كلها تحتاج إلى انطلاقة حقيقية وتنظيم وترتيب حقيقي وناجح.

– رسالتكم التي تحبون توجيهها للقطاع الزراعي؟

نحن في مرحلة قدمت فيها أغلى الدماء الزكية؛ دفاعاً عن عزة وشرف وكرامة الأُمَّــة، وواجهت مِن أجلِ ذلك أعتى وأشرس عدوان على مر التاريخ، ومن أجل أن نحافظَ على ذلك يجب أن نبذُلَ أرواحنا ودماءَنا في الجبهة الزراعية؛ مِن أجلِ أن نحقّقَ للأُمَّـة ما تسعى إليه، والحمدُ لله أن مَنَّ الله علينا بقيادة مؤمنة ربانية حكيمة وما علينا إلَّا أن نكون عند حُسنِ الثقة التي أعطتها لنا وأن نكونَ على بصيرة ووعي في جبهتنا الزراعية لنضع أقدامنا على المكان الصحيح خطوةً بخطوة نحو الاكتفاء الذاتي وفق رؤية واضحة وشفافة وبصورة دقيقة جِـدًّا جداً، وأن نقول للفاسد أنت فاسد “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ”، هو انطلاقٌ نحو الاكتفاء الذاتي وفق رؤية منبثقة من هدى الله وهي الضمانة الأكيدة للنجاح.

علينا أن نبنيَ المزارِعَ بناءً صحيحاً وأن نعودَ به إلى ثقافة الاكتفاء الذاتي التي كان عليها قبل 57 سنة ونطوِّرها نحو الأفضل، ولدينا بيئةٌ مناسبةٌ وعقولٌ قابلة للتطور والابتكار في توفير متطلبات النهضة الزراعية.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com