الباحثُ والناشطُ الثقافي الأُستاذ يحيى قاسم أبو عواضة في حوار خاص لـ “المسيرة”: المسيرةُ القرآنية المباركة هي الامتدادُ الحقيقي للمنهج الذي سار عليه الإمامُ الهادي وسار عليه أعلامُ الهدى من العترة الطاهرة

المسيرة | حاوره أيمن قائد:

قال الناشطُ والباحثُ الثقافيُّ الأُستاذ يحيى قاسم أبو عواضة إنه ومنذُ دخول الإمام الهادي عليه السلام إلى اليمن عمل على إنهاءِ النزاعات بين القبائل اليمنية، ورَكَّزَ على نشر العدالة بين الأرجاء، وإصلاح ذات البَين.

وأكّـد في حوار خاص لصحيفة “المسيرة” أن “الشهيد القائد -رضوان الله عليه- أحيا القيمَ والمبادئَ التي تحَرَّكَ عليها الإمامُ الهادي -عليه السلام-، والتي كانت قد غيّبتها الثقافاتُ المغلوطةُ والعقائدُ الباطلة، وعلى رأس ما غُيِّبَ هو الجهاد في سبيل الله.

إلى نص الحوار:

 

– ما هي العلاقةُ التي تربط أهلُ اليمن ببيت أهل النبوة -عليهم السلام-؟

شعبُنا اليمنيُّ العظيمُ الذي له خصوصيةٌ في علاقته الحميمية بأهل البيت، بدءاً بالإمام علي ‹عليه السلام› الذي اختاره الرسولُ ‹صلواتُ الله عليه وعلى آله وسلم› ليكونَ مبعوثَه إلى اليمن لدعوة أهل اليمن إلى الإسلام كمهمة خَاصَّةٍ، اختار النبيُّ فيها تلميذَه العظيمَ والمتميّز، وجندي الإسلام العظيم، هذا الرجل العظيم الإمام علي ‹عليه السلام› ليكون هو بالتحديد – كمهمة استثنائية – مبعوثه إلى اليمن؛ إعزازاً لأهل اليمن؛ وأملاً في أهل اليمن؛ وإكراماً لأهل اليمن؛ وأملاً عظيماً في أهل اليمن، أن يكون لهم دورٌ متميزٌ وعظيمٌ في نصرة الإسلام، وإعلاء قِيَم الإسلام، والتمسُّك بالإسلام.

وقد شكَّلَ خروجُ الإمام الهادي ‹عليه السلام› إلى اليمن، وما حصل على يديه من إصلاح لمشاكلهم وأحوالهم، وبجهوده التي بلّغها فيهم، وبما كان عليه هو ‹عليه السلام› من مؤهلات إيمانية، وأخلاقية، ومعرفية مؤثرة جسّد فيها قِيَمَ الإسلام على أرقى مستوى، فرأى اليمنيون آنذاك في الإمام الهادي ‹عليه السلام› -في أخلاقه، في قِيَمِه، في قدرته على التبليغ للرسالة الإلهية وهو يدعو إليها- قِيَم الإسلام، وأخلاق الإسلام، ومبادئ الإسلام.

ورأوا فيه أَيْـضاً وسمعوا منه معارف الإسلام نقيَّةً أصيلة؛ فكان أن عَظُمَ ارتباطُهم بالإسلام، وبالنبي، وبالقرآن، وبأهل البيت ‹عليهم السلام› وبقي هذا الارتباط الوثيق والصادق بالإسلام -رسالة ومنهجاً ونبيّاً- وبأعلام الهدى من أهل بيته، بقي ثابتاً وأصيلاً تتوارثه الأجيال في بلدنا اليمن جيلاً إثر جيل، لم تستطع أية عوامل، أَو مؤثرات خارجية أَو طارئة أن تمحوَ من الوسط اليمني هذا الارتباط المبدئي، والفكري، والثقافي، والقِيَمِي، والأخلاقي بالإسلام العظيم، وبرموزه العظماء، وبالنبي الخاتم محمد ‹صلوات الله عليه وعلى آله وسلم› بالرغم من المحاولات الحثيثة من قبل التيار الوهَّـابي التكفيري لفصل اليمنيين عن أهل بيت رسول الله ‹صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ وَسَلَّـمَ› إلا أن محاولاته فشلت أمام هذا الارتباط القوي والمتأصل؛ ولهذا كان لليمنيين دورٌ متميّز عبر التاريخ، وكان لهذا الارتباط المبدئي، والثقافي، والفكري، والوجداني أثرٌ عظيمٌ وطيبٌ في نفوس أهل اليمن في أخلاقهم في قِيَمِهِم، في ثباتهم على المبادئ، وكان له أثره الكبير في وفائهم لهذه المبادئ ولهذه القِيَم عبر التاريخ إلى يومنا هذا.

 

– ونحن في ذكرى قدوم الإمام الهادي -عليه السلام- إلى اليمن.. حبذا أُستاذ يحيى لو قدمت لنا نبذةً عن الإمام الهادي إلى الحق، وبالأخص لمن لا يعرفُ عنه شيئاً؟

هو الإمامُ الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ‹عليهم السلام›.

وُلد ‹عليه السلام› بالمدينة المنورة سنة (245 هـ)، ونشأ وتعلَّم وتربى في أحضان نجوم الهدى، وبدور الدُّجَى، أمثال: جده (نجم آل محمد) الإمام القاسم بن إبراهيم، وعمه (ووارث علم آل محمد وعابدهم) محمد بن القاسم وأبيه (الحافظ الزاهد) الحسين بن القاسم، وبقية آبائه وأعمامه ‹عليهم السلام›، ونشأ وترعرع وسط تلك البادية التي أكسبته الفصاحة والشجاعة.

وفي ذلك البيت – الذي تمثلت فيه أنصع صور الطهر والعبادة والعلم – تعلم الإمام الهادي ‹عليه السلام› ودماء النبوة تجري في عروقه، منحه الله بسطةً في العلم والجسم؛ فحاز على مراتبِ العلم وبرز فيها، ولم يدركْه أحد، وعرف آباؤه وأعمامه فضلَه على ما هم عليه من العلم؛ فقدموه عليهم وبايعوه بالإمامة وعمره خمسٌ وثلاثون سنة.

 

– هل لك أن تخبرنا عن الأسباب والدوافع لقدوم الإمام الهادي من المدينة المنورة إلى اليمن؟

لقد كان اليمنُ محطَّ استهداف من قبل طواغيت بني أمية لعلاقتهم بأهل بيت النبي -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ وَسَلَّـمَ- وتمسكهم بهم، ولم يكن بنو العباس بأقل حقداً على اليمنيين من بني أمية؛ للسبب نفسه؛ فظلموا اليمنيين أشدَّ الظلم، وارتكبوا بحقهم أبشع المجازر وعملوا على تفريق اليمن إلى قبائلَ متناحرة متنافرة فيما بينها، كَثُرَ الصراع والحروب والفتن بين القبائل اليمنية حتى ضاق بهم الحال فشدوا الرحال إلى المدينة يطلبون من أهل البيت ‹عليهم السلام› الذين تشربت قلوبهم بحبهم أن ينقذوهم من هذه الوضعية، وخُصُوصاً أنهم قد سمعوا بصيت الإمام الهادي ‹عليه السلام› وعلمه وشجاعته.

كان ‹عليه السلام› قد بايعه أعمامُه وآباؤه بالإمامة لما رأوا من علمه وورعه وتقواه وخشيته من الله -سبحانه وتعالى- وتواضعه وكرمه وأخلاقه، وتوجّـهوا جميعاً إلى طبرستان، ثم عادوا إلى الرس؛ فجاءه وفد من علماء اليمن وقبائلهم يطلبونه الخروج وألزموه أمام خالق السماوات والأرض القيام بأمر الله -سبحانه وتعالى-.

وكان ذلك في عهدِ الدولة العباسية سنة 280 هجرية أَيَّـام المعتضد العباسي، وكان عمره ‹عليه السلام› حين ظهوره 35 سنة؛ فاستجاب ‹عليه السلام› لذلك استجابة لأمر الله سبحانه وقد قال ‹عليه السلام›: «واللهِ الذي لا إله إلا هو وحَقِّ محمد ما طلبت هذا الأمر، وما خرجت اختياراً وما خرجت إلا اضطراراً؛ لقيام الحجّـة علَيَّ، ولوددت أنه كان لي سعة في الجلوس، وكيف لي بأن يسعني الجلوس عن هذا الأمر الذي أنا فيه مزمومٌ بزمام، أنا والله إذَا جنَّني الليل أفكِّرُ فيما عملت وما كان مني في يومي؛ فأناظر نفسي في ذلك فأردّد على نفسي وأقول: فعلت كذا، وكان كذا أصلح، ولو لم أكن في هذا الأمر لم يمنعني ترك الفكر في هذا الأمر حتى ناظرتُ نفسي فيه طويلاً فما وجدتُ إلا الخروجَ أَو الكُفرَ بما أنزل اللهُ على محمدٍ ‹صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ وَسَلَّـمَ›».

وقال ‹عليه السلام›: «واللهِ لولا كرامةُ الله ما نظرت في هذا الأمر».

 

– ما هي أبرزُ جهود الإمام الهادي إلى الحق -عليه السلام- بعد دخوله لليمن؟

أول ما وصل الإمام الهادي -عليه السلام- ورفاقه مدينةَ صعدة في اليوم السادس من صفر سنة 284 هجرية، ضرب خيامَه على مقرُبة منها؛ فخرج إليه أهل صعدة من قبيلتَي سعد والربيعة من خولان الذين كانت بينهم فتنة عظيمة أتت على الكثير من رجالهم وأموالهم، وابتدأ الإمام الهادي ‹عليه السلام› فخطبهم خطبةً بليغةً ذكَّرهم فيها بالله ووعظهم، يقول أحد الحاضرين: (فرأيت الناسُ وبهم رجة وهم يبكون مما سمعوا من كلامه ومواعظه).

ثم أمر بمصحف فاستحلف بعضهم لبعض بترك الفتنة والعداوة، كما استحلفهم لنفسه على أن يطيعوه ويناصروه، ويقوموا بأمر الله معه، فبايعوه في موضعه ذاك واختلط الفريقان، وارتفعت أصواتهم بالتكبير ودخلوا بأجمعهم صعدة إخوةً متحابين كأن لم يكن بينهم شيء).

وجعل من صعدة عاصمةً لدولته، وخلال فترة وجيزة تمكّن الإمام الهادي ‹عليه السلام› أن يكتسحَ اليمن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ووزع رجالَه في طول البلاد وعرضها؛ ينشرون الدعوة ويقيمون حكمَ الله، وكان يتوجّـه إلى الله –سُبحانَهُ- بهذا الدعاء: «اللهم ألهمنا الصبرَ، وأعظم لنا الأجر، وتقبل منا عملنا، واجعله خالصاً لك لا يشوبه عملٌ لغيرك يا أرحم الراحمين» ثم يقول: «حسبُنا الله ونعم الوكيل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».

وبعد أن استقر في صعدة اتجه إلى أمرَينِ:

أحدهما: جمع اليمن وما جاورها على حكم واحد، والقضاء على التفرق بها، وقد جاهد في ذلك جهاداً شديداً وحارب المبتدعين وأهل الأهواءَ حتى استقر لحكمه أكثرُها.

والأمر الثاني: توزيع العدالة الحقيقية بين ربوع اليمن؛ ليكون الاطمئنان والاستقرار؛ فلا يطمئن الناس إلا إلى حكم عادل يشعرون فيه بالعدالة، وقد عمل على نشر العدالة بكل شعبها وعلى رأسها العدالة الاجتماعية.

وكان يقول ‹عليه السلام›: «واللهِ لوددت أن اللهَ أصلح الإسلامَ بي وأن يدي معلقة بالثريا ثم أهوي إلى الأرض فلا أصلُ إلا قطعاً».

لقد عمل الإمامُ الهادي ‹عليه السلام› منذ لحظة وصوله على إنهاء النزاع الدائم بين القبائل اليمنية، وركَّز جهودَه على إنهاء حالة التوتر القائمة في البلاد والتمزق الاجتماعي والسياسي؛ فأوقف النزاع القائم بين (الأكيليين والفاطميين) وأصلح بين القبائل المتقاتلة في نجران وهمدان وغيرها من القبائل، وكان نجاح الهادي في الإصلاح بين القبائل يزيد من شعبيته ورصيده السياسي، وحقّق تقدُّماً لافتاً في صعدة ونجران وما حولهما.

وقد شجَّعه هذا على المضي قُدُماً في مشروعه السياسي وضم المناطقَ الأُخرى التي لم تكن تبدي مقاومة تُذكر أَو يفتحها فتحاً سياسيًّا؛ فدخل شبام عاصمة اليعفريين بدون قتال، ومنها تحَرّك إلى صنعاء التي سلَّمت له راضية، ولم يكن يقيم الهادي في أية منطقة يدخلها إلا ريثما يرتب أوضاعها ويعالج ما يحتاجُ منها لمعالجة شرعية وقانونية؛ ولذلك لم يتأخر في صنعاء ليتحَرَّكَ جنوباً إلى ذمار التي بايعت الهادي وفي غضون أربعة أعوام حقّق الهادي إنجازاً سياسيًّا يعد قياسياً بلحظ ظروف اليمن الاجتماعية والاقتصادية وأصبحت دولتُه تضم الجزءَ الأكبر من اليمن وتمتدُّ من نجران شمالاً إلى عدن جنوباً كما جاء في بعض الروايات.

 

– ماذا عن علاقةِ المشروع القرآني للشهيد القائد بالإمام الهادي -عليه السلام-؟

نستطيع القول بأن الشهيد القائد (رضوان الله عليه) جسّد هذا النهجَ الذي سار عليه الإمام الهادي ‹عليه السلام› من خلال هذه المسيرة القرآنية المباركة التي هي الامتداد الحقيقي والصحيح للمنهج الذي سار عليه الإمام الهادي وسار عليه أعلام الهدى من العترة الطاهرة، لقد ارتبط بهذا الينبوع المتدفق بالخير والعطاء؛ ليقتبس من الأنوار المحمدية العلوية التي ورثها الإمام الهادي عن آبائه وأجداده إلى رسول الله محمد ‹صلوات الله عليه وعلى آله وسلم›.

فعمل الشهيد القائد (رضوان الله عليه) على إحياء النهج الذي تحَرّك به الإمام الهادي ‹عليه السلام› وتركه لأولاده وشيعته من بعده، وجسَّد من خلال المسيرة القرآنية القيمَ والمبادئَ التي على أَسَاسها تحَرّك الإمام الهادي، والتي كانت قد غيَّبتها الثقافاتُ المغلوطة والعقائد الباطلة، وعلى رأس ما غُيِّبَ هو الجهاد في سبيل الله ورفع راية الحق والعدالة، وإعادة الدور الحقيقي لأهل البيت ‹عليهم السلام› في هداية الأُمَّــة والعمل على إنقاذها كقرناء للقرآن الكريم (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف:159].

 

– ما الذي تميَّزَ به الإمام الهادي؟ وما السماتُ التي اتصف بها؟

كان ‹عليه السلام› موصوفاً من أَيَّـام صباه بفضلِ القوةِ والشدةِ والبأسِ والشجاعةِ؛ فقد آتاه الله بسطةً في العلم والجسم.

أما تقدُّمُه في العلم فاشتهاره ومؤلفاته تغني عن تقصيه، ومن أحب أن يعرف ذلك فلينظر في كتبه وأجوبته عن المسائل التي كان يُسأل عنها حتى حدث أبو العباس الحسني ‹رحمه الله› عن الفضل بن عباس أنه سمع محمد بن يحيى المرتضى ‹رضي الله عنه› يقول: (إن يحيى بن الحسين ‹عليه السلام› بلغ من العلم مبلغًا يختار عنده ويصنّف وله سبعَ عشرةَ سنة).

لقد كان الإمامُ الهادي ‹عليه السلام› -إلى جانب ما يحمله من علم- مجاهداً طوال حياته، والياً عدلاً، يتابع أحوال رعيته ومظالمهم، معلماً ومرشداً لأصحابه، يجيب عن مسائلهم وأسئلتهم حتى وإن كان في حال المعركة، وقد تتلمذ وتخرج على يديه ما لا يُحصى من العلماء والفضلاء الذين حملوا فكره وعلمه إلى جميع أصقاع الأرض، ومنهم على سبيل الاختصار: ولداه محمد وأحمد، وأخوه عبدالله بن الحسين، وعلي بن محمد العلوي، مؤلف سيرة الإمام ‹عليه السلام› ووالده، ومحمد بن سليمان الكوفي وأخوه علي، وعلي بن العباس الحسني، وغيرهم الكثير.

وكان ‹عليه السلام› شديدَ التواضع: يعود المريض، ويكلِّمُ الصغير، ويسلّم على كُـلّ من مر به؛ يقول مؤلف سيرته علي بن محمد العلوي: (رأيت من يحيى بن الحسين ما لا أُحصِيه: يخرج إلى المسجد يصلي أَو لحاجة فيكلمه الصبي أَو المرأة الكبيرة أَو الرجل؛ فرأيته يقف معهم طويلاً والناس قيام حتى يسألوا حوائجهم فيقضيها لهم).

وكان يدني الأيتام والمساكين من مجلسه ولا يأكل طعاماً حتى يطعمَهم منه، وكان يفُتُّ الطعام للأيتام ثم يأمر بإدخَالهم عليه فيأكلون ويأكُلُ معهم.

كان ‹عليه السلام› ينطلق في عبادته وفي سلوكه كله من منطلق فهمه العميق الواسع لمعين العبادة لله، وأن كُـلّ عمل يأتيه الإنسان في حياته يكون عبادة وجهاداً إذَا قصد به وجه الله، وكان يقول لأصحابه: «اتقوا الله في سركم وعلانيتكم وعاملوا الله تعالى، وإن فعلتم شيئاً فاجعلوه خالصاً، إن أصلحتم سلاحاً فتكون نيتكم أنه لله، وإن علفتم دابة تقدموا النية في ذلك أنه لله، وإن مشى أحد منكم في جهة من الجهات فقدموا النية في ذلك لله، فَــإنَّما أنتم في جميع ما فعلتم في جميع الأمور في صلاح الإسلام».

وكان ينصح أصحابه بمجاهدة أنفسهم ومحاسبتها؛ فكان يقول لهم: «وعليكم بتأديب أنفسكم؛ فلو وعظتكم ثلاث سنين ثم فارقتكم ساعة لنسيتم ما وعظتكم به إذَا لم تناظروا أنفسكم في خلواتكم؛ فعليكم بجهاد أنفسكم في الخلوات، وعليكم بترك الغضب حتى تذلوا أنفسكم لله وإنما أقول لكم هذا؛ لأَنَّي أمسيت مؤتمناً على هذه الأُمَّــة أفكر في صلاحها ومن أين تصلح».

أما عندما نتحدث عن جهاده ‹عليه السلام› فَــإنَّه باختصار: رجل باع نفسه لله؛ لم يعد له من مطمع ولا من غاية سوى أن يفيَ ببيعته في الدنيا، على أمل أن يقبض الثمن في الآخرة، كان كُـلُّ هَمِّه الآخرةُ والجنة وما فيها من حياة أبدية ونعيم مقيم ورضوان من الله أكبر، وعند قراءته لقول الله سبحانه: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنفسهُمْ وَأموالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:111] قال معلقاً على ذلك: «فيا لها من تجارة ما أربحها ويا لها من دعوة ما أرفعها، دنيا يسيرة فانية وآخرة كبيرة باقية، وحياة أَيَّـام تزول بحياة أَيَّـام أبداً لا تحول، والنكد والنصب والشدة والتعب بالراحة والسرور والغبطة له في كُـلّ الأمور، فاز والله من بادر فاشترى الجنة بأيام حياته، وخاب من تخلف عن متابعة الله وسوَّف».

وكان “عليه السلام” يرى السلطة وينظر إليها على أَسَاس أنها تكليف ومسؤولية وخدمة للناس.

فكان ‹عليه السلام› يطعم الفقراء والمساكين ويأمر بإدخَال الأيتام والمساكين عليه فيفت لهم الطعام بيده ويأكل معهم، أمر صاحب بيت المال أن يطعم الطوافين عليه من الفقراء والمساكين في الصباح والمساء، وأمر لهم بكسوة من بيت المال شتاء وصيفاً.

وكان يخرج إلى المسجد فيدور في الأسواق والطرقات، فإن وجد جداراً مائلاً أمر بإصلاحه أَو طريقاً فاسداً أمر بتنظيفه وتعبيده، وإن وجد زقاقاً مظلماً أمر أهله أن يضيئوا فيه بالليل للمارة والسالك إلى المسجد، ولما بلغه أن نساء البوادي يدخلن الأسواق مكشفات الوجوه، أمرهن بالحجاب واتِّخاذ البراقع، كما كان يراقب البائعين في السوق ويدخل يده في الطعام للتأكّـد من عدم غشه ويراقب الأسعار وينهى البائعين عن ظلم الناس وغشهم.

وكان ‹عليه السلام› يزور السجون ويستمع إلى ظُلامات المساجين، ويراقب نظافته ويأمر من كان يعرف القراءة من المساجين أن يعلم من لا يعرف ذلك ويسأل كُـلّ مسجون عن سبب سجنه، وينظر فيه.

كما أنه قدَّمَ أعظمَ صور العدل بين الناس، ومن كلامه ‹عليه السلام›: «واللهِ لَئِنْ أطعتموني لما فقدتم من رسول الله إلا شخصَه إن شاء الله».

 

– وماذا عن مواقفِه في مواجهة الظالمين؟

لقد كان الإمامُ الهادي ‹عليه السلام› بقدر حرصِه على إقامة العدل؛ فقد كان يكره الظلم والظالمين ولا يجيز التعامل معهم بأي حال، ومن تصريحاته القوية: «لا تحل مكاتبة الظالمين ولا تحل مؤانستهم بكتاب ولا غيره للمؤمنين؛ لأَنَّ في المكاتبة لهم تطميناً وتحنناً إليهم وما تدعو المودة بينهم، وقد قال الله سبحانه: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة:22] إلى آخر السورة… ولا يركن إليه بمكاتبته في شيء من أمره، فَــإنَّ الله يقول: (وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أولياء ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ) [هود:113]»، قال يحيى بن الحسين ‹رضي الله عنه›: «من أخاف ظالماً جائراً غاشماً في دنياه أمَّنه اللهُ يومَ الروع في آخرته»، قال: «والذي نفسُ يحيى بن الحسين بيده ما يسرني أني أمَّنت الظالمين وأمنوني ليلةً واحدة، وأن لي ما طلعت عليه الشمس؛ لأَنَّ ذلك – لو كان – ركونٌ إليهم وموالاة لهم وقد حرم اللهُ ذلك على المؤمنين»، قال: «وبلغنا عن بعض السلف أنه قال: من بات منهم خائفاً وباتوا منه خائفين وجبت له الجنة».

وقال ‹عليه السلام›: «من أعان ظالماً ولو بخَطِّ حرف أَو برفع دواة ووضعها، ولم يكن اضطرته على ذلك مخافةٌ على نفسه، لقي اللهَ يومَ القيامة وهو معرِضٌ عنه غضبانُ عليه، ومن غضب الله عليه فالنارُ مأواه والجحيم مثواه، بل أقول: إنه لا يجوزُ معاونةُ ظالم، ولا معاضدته، ولا منفعته ولا خدمته كائناً من كان، من آل رسول الله أَو من غيرهم، كُـلُّ ظالم ملعون، وكل مُعينٍ لظالم ملعون، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله ‹صلى الله عليه وآله وسلم› أنه قال: «من جبى درهماً لإمامٍ جائرٍ كبَّه الله في النار على منخريه» وفي ذلك ما يقال: «إن المُعينَ للظالم كالمُعين لفرعون على موسى… إلخ».

لقد واجه المنحرفين من القرامطة وحرّر صنعاءَ منهم وبقي في صراع معهم نحو من خمس سنين مجاهداً في سبيل الله؛ لإرساء قيم الحق والعدالة، وقد نصره الله عليهم في جميع المعارك الحربية التي خاضها رغم قلة أصحابه في أكثر المواطن وبذل حياتَه في سبيل تحقيق تلك الغاية في العشرين من ذي الحجّـة سنة 298 للهجرة بعد عمر حافل بالجهاد والدعوة إلى الله، حَيثُ لم يترك ناحيةً من نواحي الجهاد إلا وسار فيها.

 

– كلمة أخيرة تحبون إضافتها؟

في هذه المناسبة أدعو أبناءَ شعبنا وأمتنا بأن يستذكروا هذه النعمةَ التي مَنَّ الله بها على شعبنا اليمني العظيم بخروج الإمام الهادي -عليه السلام- إليهم وما تحقّق لهم؛ بسَببِ ذلك من النِّعَمِ الماديةِ والمعنويةِ، وأن يلتفوا اليوم حول السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي وهذه المسيرة القرآنية، وأن يتمسكوا بها؛ لأَنَّها طوق النجاة الوحيد، وهي الامتداد الأصيل لخط الأنبياء والرسل وأعلام الهدى من أهل بيت النبي -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ وَسَلَّـمَ- عبر التاريخ بكله إلى يومنا هذا.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com