المبيداتُ الكيماوية الزراعية “لا غنى عنها”.. خُرافة

يمكن الاستفادةُ من البيئة بتصنيع وإنتاج مبيدات حيوية ستعطي مفعولَ المبيدات الكيماوية نفسها في حين ليس لها تأثيرٌ على الصحة والبيئة العامة

ضمن الحلول تفعيلُ البحث العلمي وتطوير مبيدات أقلَّ سُميةً وضررًا على صحة الإنسان والبيئة

يرتبط استخدامُ المبيدات بأمراض كالسرطان والزهايمر وباركينسون والاضطرابات الهرمونية واضطرابات النمو والعُقم ولها آثارٌ على الجهاز العصبي كفقدان الذاكرة وفقدان التنسيق وانخفاض القدرة على الإبصار

 

صارت مشكلةً وتشكل خطورةً على الزراعة والمزارع والمستهلك أكثرَ بكثير من الآفات والأمراض النباتية

 

المسيرة| هلال محمد الجشاري:

يرى الجميعُ أن الأصلَ في استخدام المبيدات الكيماوية الزراعية هو إبادة الآفات الزراعية ولكن على أرض الواقع يرى متخصِّصون أنها تبيدُ الإنسانَ المستهلِكَ لهذه المنتجات وصارت هي نفسها المشكلة وتشكل خطورة على الزراعة والمزارع والمستهلك أكثر بكثير من الآفات والأمراض النباتية، حَيثُ إن سوء الاستخدام وسوء الاختيار والإفراط بالمبيدات واستخداماتها وعدم مراعات فترات الأمان والحماية من هذا المبيدات واستخدام مبيدات واسعة الطيف أَدَّت إلى انتشار الآفات الزراعية بشكلٍ عام؛ لأَنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- خلق اتِّزاناً بيئياً، وهذا الاتِّزان البيئي كائنات تسيطر على كائنات.

فبسبب استخدام مبيدات بشكلٍ واسع ذات الطيف المتعدد قتلت هذه الأعداء الحيوية فصار انفلات بهذه الآفات الزراعية فأدى بالمزارعين إلى استمرار استخدام المبيدات بشكلٍ أكبر وأوسع مما يؤدي إلى مضاعفة المشاكل والكوارث الصحية والبيئية، وتفاقم المشكلة باليمن حَيثُ أثبتت دراسات أن نسبة 85 ‎ %‎ من المبيدات الكيماوية التي يتم استيرادها تُستخدمُ على شجرة القات، وللعلم يتم استيراد مبيدات إلى اليمن أكثر من 6 ملايين لتر.

 

المبيدات الكيماوية مشكلة وأكثر خطورة من الأمراض النباتية

خلال لقائنا بعدد من المزارعين وجدنا أغلبهم يتحدثون عن عدم جدوى رش محاصيلهم بالمبيدات فالحشرات والأمراض تتوسع أكثر وَكما أن مزارعين آخرين يشبهون المبيدات الزراعية الكيماوية بالأدوية والمهدئات التي يشترونها من الصيدليات ومفعولها مؤقت في حين تأثيرها خطير على صحة وسلامة الإنسان ومثلها المبيدات الزراعية كمن يرش الماء ويغسل النبات لا أكثر وغيرهم تحدثوا عن ضرر حصل جراء استخدامهم تراكيب غريبة من المبيدات وغيرهم تحدثوا عن انتشار الأمراض بشكلٍ كبير في الحقول التي تم رشها بالمبيدات بالموسم السابق وغير ذلك من اللقاءات التي رصدناها خلال نزول للتحقّق متكرّر… وكلها تؤكّـد أنها المبيدات الكيماوية صارت هي نفسها المشكلة وتشكل خطورة على الزراعة والمزارع والمستهلك أكثر بكثير من الآفات والأمراض النباتية.

 

استيرادٌ من شركات دولية معترَف بها

أكّـدت جهاتٌ رسميةٌ متخصِّصةٌ خلال العام 2020م إيقافَ أكثرَ من 300 مكتب استيراد في الخارج كان يتم استيراد المبيدات منها إلى اليمن في مخالفةٍ واضحة للقانون الذي يشترط الاستيراد من شركات دولية معترف بها ولها شهادة بلد منشأ، وكذلك التعديلات المُستمرّة في قائمة المبيدات المقيدة والمحظورة وتكييفها حسب مصلحة التجار النافذين دون أية دراسات وتجارب على البيئة اليمنية إضافةً إلى دخول شحنات مبيدات لمواد غير مطابقة للمواصفات، حَيثُ تم استبدال الفحص المخبري بتجارب حقلية، كذلك الكميات الكبيرة من المبيدات التي يتم ضبطها من مواد مهربة وممنوعة ومجهولة وكذلك مبيدات ذات سمية عالية منها مسجلة بقائمة المبيدات ومنها غير مسجلة، وغير ذلك بالإضافة إلى تداول المبيدات في أغلب المحلات بشكلٍ عشوائي وبدون مهندسين مشرفين ومنهم من يقوم بتجزئة المبيدات وخلطها وبيعها، وكما وجدت مبيدات في عبواتٍ بلاستيكية سعة ٢٠ لتراً مجهولة ولا يوجد عليها أية بيانات وثبت أنها منتهية ومخلوطة وتباع وتقسم في عبوات صغيرة مختلفة وغير ذلك كثير من المخالفات، حَيثُ تكمن خطورة ذلك بعدم وثوقية المواد الفعالة المستخدمة واحتوائها على تراكيب سامة وتراكيز عالية لم تخضع للفحص المخبري وغير مجربة علمياً من قبل أخصائيين ولأكثر من دورة زراعية.

 

آثارٌ وخيمة لرش المبيدات

على الرغم من أن استهلاكَ الدول النامية من مبيدات الآفات التي منها اليمن لا يتجاوز ربع الإنتاج العالمي منها، إلا أن الضرر الأكبر يقع عليها كما ذكرت العديد من التقارير والدراسات، في الوقت الذي يرتبط استخدام المبيدات بعدد من الأمراض مثل السرطان، والزهايمر، ومرض باركينسون، والاضطرابات الهرمونية، واضطرابات النمو والعُقم، كما يقول التقرير، هذا إلى جانب العديد من الآثار على الجهاز العصبي مثل فقدان الذاكرة، وفقدان التنسيق، وانخفاض القدرة على الإبصار، بخلاف الأنواع المختلفة من الحساسية كالربو وغيره، وَكما أنها تعرض المزارع للضرر عند التماس المباشر معها سواءً بالأمراض التنفسية والهضمية والعينية والجلدية على المدى القريب أَو السرطانات وضعف المناعة والفشل الكلوي وضعف الإنجاب على المدى البعيد لاستخدام هذه المواد.

هذا الأثر تم تحديده من خلال العديد من الدراسات؛ بهَدفِ إجراء تقييم لمسببات السرطان المحيطة بالعاملين في مجال الفلاحة وأسرهم، وخلق بيئة عمل آمنة لهم، ومن خلال جمع بيانات آلاف من المزارعين لاحظ الفريق العلمي أنه بالرغم من تمتع سكان المناطق الريفية حول العالم بصحةٍ جيدة، إلا أن معدلات الإصابة بأمراض مثل سرطان الدم والغدد الليمفاوية، والورم النخاعي المتعدد، وسرطانات الجلد والشفة والمعدة والدماغ والبروستاتا ارتفعت بشكلٍ ملحوظ بين العاملين في الزراعة، وهذا ما جعل الاتّجاهاتِ الحديثةَ في إنتاج المحاصيل تدعم فكرة استخدام غذاءٍ خالٍ من الأسمدة والمبيدات ومعتمد على نظم زراعة صديقة للبيئة، من خلال عمل شراكة مع الحكومات ومجتمع المزارعين والمؤسّسات البحثية والجمعيات التعاونية؛ بهَدفِ رفع الوعي حول أهميّة الحد من استخدام المبيدات السامة في الزراعة أَو منعها ووضع ضوابط لاستخدام المبيدات والتي في كثيرٍ من الأحيان لا تكون هناك ضرورة لاستخدامها.

 

العودةُ أم اللا عودة

بالتحول التام إلى الزراعة العضوية سنواجهُ حَـاليًّا صعوبات خَاصَّة في ظل تزايُد احتياج الإنسان للغذاء كما أنه خلال الفترة الماضية والاستخدام العشوائي للمبيدات الكيماوية قد سبب في موت الأعداء الحيوية للآفات.

وفي المقابل هناك أعدادٌ كبيرة من الآفات الزراعية من الصعب الاعتماد على المقاومة اليدوية واتباع العمليات الزراعية الصحيحة والمكافحة المتكاملة خُصُوصاً في بعض المحاصيل فمن خلال العودة لسجلات الآفات الزراعية في بلادنا نلاحظ أنه منذُ إدخَال استخدام المبيدات الكيماوية هناك آفات وسعت عوائلها وأُخرى ظهرت لأول مرة في البلاد وهناك آفات زراعية تحولت من آفاتٍ ثانوية إلى آفاتٍ رئيسية تهدّد زراعة كثير من المحاصيل في البلاد.

وبعد البحث والدراسة عن الأسباب اتضح أن ذلك بسَببِ المبيدات الكيماوية الذي عملت على قتل الأعداء الحيوية فأحدثت خللاً في التوازن البيئي وهذا بدوره سبب تحول الآفات الثانوية إلى آفاتٍ رئيسية بالإضافة إلى الاستخدام العشوائي للمبيدات وكذلك تكرار استخدام المبيد أكثر من اللازم من الأسباب التي تؤدي إلى تطور ظاهرة «مقاومة المبيدات»، وبالتالي ظهور أجيال مقاومة من الآفات ومن هذا المنطلق سميت المبيدات “مخدرات إيكولوجية”؛ بسَببِ تأثيرها في قمع المشكلات مؤقتًا.

 

الضوابطُ والقوانين

مهمٌّ جِـدًّا عملُ تعديل أَو إلغاء قانون المبيدات وعمل قوانين وتشريعات صارمة وضوابط تنظم تدريجيًّا وتحد من استيراد المبيدات الكيماوية ويتم التركيز على المبيدات الحيوية، العضوية صديقة البيئة وحصر وحظر استخدام المبيدات الكيماوية واسعة النطاق ذات السمية العالية التي تمتلئ الأسواق اليمنية منها، كما أنه من المهم إعادة تشكيل لجنة تسجيل مبيدات وطنية محايدة تعين بقرار من رئيس مجلس الوزراء أَو رئيس الجمهورية، كما أنه يجب الأخذ بمفهوم “الأمان” ويعني أمان المبيد على صحة الإنسان والبيئة وسلامة المحاصيل والمنتجات الزراعية.

 

مقترحاتٌ وحلول

وهنا يتطلب الحد من استيراد المبيدات الكيماوية ومنع تداولها وفي المقابل إنشاء الشركات الوطنية وتشجيع التصنيع المحلي فبيئتنا اليمنية حباها الله بتنوع بيئي ومناخي وبها ملايين من الأشجار والشجيرات والأعشاب التي يمكن الاستفادة منها وتصنيع وإنتاج مبيدات حيوية والتي ستعطي مفعولَ المبيدات الكيماوية نفسها في حين أن ليس لها تأثير على الصحة والبيئة وهناك تجارب ومبيدات حيوية محلية تم إنتاجها ولكنها بشكلٍ محدود وتواجه بمحاربةٍ كبيرة من تجار السموم والمبيدات الذي همهم الاستيراد والربح السريع، والذين أصبحوا عُملاءَ لشركات خارجية تصدر لليمن نفاياتها وسمومها، كما أنه ضمن الحلول أهميّة تفعيل البحث العلمي وإجراء تعاون بين الباحثين للعمل على تطوير مبيدات أقلَّ سُميةً وضررًا على صحة الإنسان والبيئة العامة وهناك اتّجاه عالمي للبحث عن بدائل للمبيدات الكيماوية ومنها المبيدات البيولوجية التي هي أَسَاس الزراعة المستدامة وهي عبارة عن كائنات حية دقيقة ممرضة للحشرات فقط وليس لها أي تأثير على الإنسان.

كما أن هناك أَيْـضاً نوعاً من المبيدات يتم استخراجه من نواتج تلك الميكروبات الدقيقة وهي عبارة عن مواد أيضية تنتج من تكاثر تلك الكائنات ويتم استخدامها كمبيداتٍ قاتلة للآفات، كذلك من أهم الحلول للحد من استخدام المبيدات الكيماوية هو العودة إلى الوسائل التقليدية التي اتبعها المزارع اليمني قديماً في مكافحة الآفات قبل ظهور المبيدات، حَيثُ يعتبر اليمنيون من أوائل الأمم التي استخدمت الأعداء الحيوية والطبيعية في مكافحة الآفات الزراعية، كما أن أكثر الطرق شيوعاً في المكافحة التقليدية هو السيطرة النباتية إما كمصائد أَو قتل الآفات باستخدام مدى واسع من النباتات السامة أو الطاردة ومن هذه النباتات اللبخ، البصل، الثوم، نبات الخردل، هندال، سباستان، السرو، الشعير، الترمس، ميرتل، الدفلة، الرجلة، نبات الخروع، الزعتر البري، الخرباق، الصمغ العربي، السمر، الفلفل الحار، التبغ، البابايا، البقدونس، الرمان، أفريكانا، الحلبة، الملفوف، خزام، سوماق، الشذاب، الزيوت والدخاخين، الإزالة اليدوية، والأهم من كُـلّ ذلك تفعيل الإرشاد الزراعي والإرشاد الوقائي واتباع عمليات زراعية صحيحة تبدأ من انتخاب واختيار البذور السليمة الخالية من الأمراض والأصناف المناسبة والحراثة الجيدة المتعامدة والالتزام بالمسافات المناسبة وتنظيم الري وتجنب الكثافة الزراعية لتوفير أجواء غير مناسبة لتطور ونمو الآفات واتباع الدورة الزراعية وإزالة الحشائش والأعشاب الضارة أولاً بأول.

وجميع هذه الوسائل التي اتبعها أجدادنا سابقًا تمثل بما يسمى حَـاليًّا بالإدارة المتكاملة للآفات الزراعية، والتي نسعى نحن إلى تطبيقها حَـاليًّا، حَيثُ لا يمكن لنا أن نضع برامج المكافحة المتكاملة للآفات في اليمن دون العودة إلى تلك الطرق والأساليب التي كانت تمارس من قبل المزارع اليمني وإحياء ما استطعنا منها خاصةً وأن هناك طرقاً تقليديةً ما زالت تستخدم حتى اليوم وهناك طرق أُخرى اندثرت وحل محلها للأسف استخدام المبيدات الكيماوية.

كُـلّ هذا وغيره يؤكّـد لنا أن مقولة المبيدات الزراعية لا غنى عنها.. خرافة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com