الرسالة في ذكرى مولد الرسول الأكرم

 

المسيرة| د. محـــمد البحيصي*

في ذكرى مولد سيد ولد آدم نبينا محمد -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ- نحاولُ تجاوُزَ الحديثِ عن شخصه الأعظم وكونه الرسول والنبي الخاتم، لنتناول بإيجاز الحديث عن الرسالة التي بُعث بها، وإن كنّا نؤمن بعدم التفريق بين الرسول والرسالة، ولكن ما دعانا لهذا الأمر إلا ذلك التشويه الذي تتعرّض له الرسالة التي بُعث بها رسولنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي قضى عمره الشريف في سبيل بذرها في نفوس الناس ليعمّ النور هذه المعمورة.

وأما الرسالة: فهي الإسلام، دين الله الذي بُعث به محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمةً للعالمين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليقوّم الناس بالقسط.

وقد استهدف الإسلام قبل كُـلّ شيء ربط الإنسان بربه ومعاده.

– فمن الناحية الأولى: ربط الإنسان بالإله الواحد الحق الذي تشير إليه الفطرة والموجودات، وقد أكّـد على وحدانية الإله الحق وشدّد عل ذلك لكي ينفي كُـلّ ألوان التألّه المصطنع، حتى جعل من كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” شعاراً له.

ولمّا كانت النبوة هي الوسيط الوحيد المباشر بين الخلق والخالق، فشهادة هذه النبوة بوحدة الإله وَالخالق وارتباطها بالإله الواحد الحق تعتبر أَسَاساً كافياً لإثبات التوحيد.

– ومن الناحية الثانية: ربط الإنسان بالمعاد، لكي تكتمل بذلك الصيغة الوحيدة القادرة على علاج التناقض والاختلاف، والتي تحقّق العدل الإلهي المطلق.

 

خصائصُ الرسالة الإسلامية

وللرسالة الإسلامية خصائصها التي تميزها عن سائر رسالات السماء، وهو ما جعل منها حدثاً فريداً في التاريخ، ونذكر بعضاً من هذه الخصائص والسّمات:

1) سلامة هذه الرسالة ضمن النص القرآني دون أن تتعرض لأي تحريف، بينما تعرضّت الكتب السماوية السابقة للتحريف واللّي، قال تعالى: {إنّا نحن نزلنا الذّكر وإنّا له لحافظون} الحجر9.

وهذا يعني احتفاظَ الرسالة بمحتواها العقائدي والتشريعي الذي يمكنّها من مواصلة وظيفتها التربوية، وكل رسالة تُفرّغ من محتواها بالتحريف والضياع لا تصلح أن تكون أدَاة ربط بين الإنسان وربّه؛ لأَنَّ هذا الربط لا يتحقّق بمُجَـرّد الانتماء الاسمي بل بالتفاعل مع محتوى الرسالة وتجسيدها فكراً وسلوكاً، ومن أجل ذلك كانت سلامة الرسالة الإسلامية بسلامة النص القرآني الشرط الضروري لقدرة هذه الرسالة على مواصلة أهدافها..

2) إنّ بقاء القرآن نصّاً وروحاً يعني أنّ نبوّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم احتفظت بأهم وسيلة من وسائل إثباتها؛ لأَنَّ القرآن هو الدليل الاستقرائي على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ وكونه رسولاً، وهذا الدليل مُستمرّ ما دام القرآن باقياً، بخلاف النبوات التي ارتبط إثباتها بآيات انقضت بانقضاء زمانها مثل عصا موسى (عليه السلام)، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأعمى لعيسى (عليه السلام)… إلخ، ونحن لم نؤمن بنبوّة ورسالة هؤلاء الرّسل الكرام إلا من خلال القرآن الذي أثبت لهم هذا المقام.

3) ربط القرآن الأدلة على الصانع الحكيم (الله) بدراسة الكون والنظر فيه، وهذا ما منح القرآن مصداقية ظلّت تزيد كلما تطورت المعرفة البشرية من خلال العلم والتجربة.. وكل آيات الأنفس والآفاق التي وردت في القرآن تذكّر بهذه الحقيقة، وتؤكّـد على الخاصية القرآنية:

{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحق} فصلت53.

4) شمولية الرسالة لكل جوانب الحياة، وقدرتها على التوازن بين تلك الجوانب المختلفة، بحيث لا تترك الإنسان منشطراً بين حياته الروحية وحياته الدنيوية.

5) هذه الرسالة السماوية هي الوحيدة التي تحقّقت على يد الرسول الذي جاء بها، وسجّلت في مجال التحقيق أعلى درجة من النجاح، واستطاعت ترجمة (شعاراتها) إلى حقائق في حياة الناس.

6) نزول هذه الرسالة في ساحات العمل والواقع أدخلها التاريخ الذي ساهمت في صنعه، إذ كانت هي حجر الزاوية في عملية بناء أُمَّـة حملت تلك الرسالة، واستنارت بهداها، ومن هنا جاء ارتباط تاريخ هذه الأُمَّــة وعزتها بهذه الرسالة التي أعطت العامل الغيبي قيمة كبرى في نفس الوقت الذي لم تغفل فيه عن الحسابات المادية.. فالحضارة التي أرستها هذه الرسالة كانت حضارة جامعة للبعدين المادي والمعنوي، وما لم نستوعب هذا الأمر فَـإنَّنا لن نفهم تاريخ هذه الأُمَّــة حاملة الرسالة.

7) لم يقتصر أثر هذه الرسالة الخالدة على بناء (الأمة الإسلامية) بل امتد من خلالها إلى كُـلّ العالم وكل الأمم والشعوب، والمنصفون من الباحثين يعترفون بأن الدفعة الحضارية للإسلام هي التي حرّكت شعوب أُورُوبا النائمة وأيقظتها ونبهتها ودلّتها على الطريق الذي أوصلها إلى هذا الحال.

8) اختصّ الله تعالى هذه الرسالة لتكون خاتمة الرسالات، واختصّ نبيّها ليكون خاتم النبيين.

وفكرة الرسالة الخاتمة لها مدلول يؤكّـد على خلودها، ودائمية صلاحيتها وشمولية خطابها، وقدرتها على تلبية حاجات الناس في معاشهم ومعادهم، واستعدادها لاستيعاب كُـلّ الناس والأخذ بأيديهم إلى السعادة.

 

كما أنّ فكرةَ النبوّة الخاتمة لها مدلولان:

  • الأول: (سلبي) وهو المدلول الذي ينفي ظهور نبوة أُخرى على مسرح الحياة.
  • الآخر: (إيجابي) وهو الذي يؤكّـد استمرار فاعلية النبوة الخاتمة وامتدادها مع العصور، والواقع يشهد بذلك، وسيظلّ الزمان يشهد بهذا.. فنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تتخلى عن دورها كأَسَاس لحضارة هذه الأُمَّــة، ونهضتها، وعن مخزونها من القيم والمبادئ المشتملة على كُـلّ ما في الرسالات والنبوّات السابقة من قيم ومبادئ ومُثل عليا دون ما لابسها من قيم مرحلية، وبهذا كانت هي الرسالة المهيمنة القادرة على الاستمرار مع الزمن ومع كُـلّ ما يحمله من عوامل التطور والتجديد..

{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} المائدة 48.

وأخيرًا.. فما من كتاب حضّ على الخير والبر والتقوى كما حضّ القرآن.

وما سمّا كتاب بالنفس الإنسانية كما سما بها القرآن.

وما تحدّث كتاب عن الإخاء والمودّة، وعن التعاون والوفاق، وعن الوفاء والأمانة، وعن سلامة القلب وحسن الخلق، وعن التواضع واللّين، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما تحدّث القرآن.

وما نهى كتاب عن البغض والظلم، وعن الأثرة والحسد، وعن الضعف والجبن، وعن الخيانة والغدر، وعن الاعتداء والإفساد، وعن كُـلّ منكر ورذيلة ما نهى القرآن.. مع كُـلّ الإقناع والإعجاز الذي نزل به الوحي على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

* كاتب وباحث، رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com