بعد سبع سنوات من انقطاع المرتبات.. الحرب الاقتصادية مراهنة فاشلة

المسيرة: عباس القاعدي

تواصلُ دولُ العدوان الأمريكي السعوديّ الإماراتي ومرتزِقتها، في ظل المعاناة التي يعيشها الشعب اليمني، الحربَ الاقتصاديةَ التي تمارسُها على الشعب من خلال نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن المحتلّة، وقطع مرتبات موظفي الدولة، ونهب الثروات النفطية والغازية التي كانت كفيلة بصرف كُـلّ المرتبات طوال أكثر من سبع سنوات، ورغم ذلك ما زالت دول العدوان تحاول تحميل صنعاء المسؤولية، بعد أن استهدفت كُـلّ مقومات الاقتصاد الوطني.

 

كانت تُصرَفُ في موعدِها

وفي هذا الشأن، يتحدث الدكتور إبراهيم عبد القدوس مفضل –أُستاذ محاسبة– كلية التجارة والاقتصاد جامعة صنعاء في تصريح خاص لصحيفة “المسيرة” قائلاً: عزز العدوان الأمريكي حربه وعدوانه العسكري التدميري بعدوان اقتصادي في نهاية 2016، حَيثُ بدأ بنقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، وإغلاق الموانئ والمطارات، وهو ما تسبب في تجفيف الموارد المتدفقة إلى البنك المركزي في صنعاء، خُصُوصاً موارد النفط والغاز التي كانت تشكل أكثر من 70 % من موارد الموازنة العامة، وتبع ذلك عجز الحكومة في صنعاء عن الوفاء بنفقات الموازنة وفي مقدمتها مرتبات موظفي الدولة التي تشكل حوالي 80 % من نفقات الموازنة العامة، مؤكّـداً أن الحرب الاقتصادية التي يمارسها العدوان أَدَّت إلى استمرار انقطاع المرتبات منذ ست سنوات وإلى اليوم، بعد أن كانت تصرف في موعدها نهاية كُـلّ شهر وللموظفين جميعاً بما فيهم الملتحقين بقوى العدوان والارتزاق، عدا صرف أنصاف مرتبات كُـلّ فترة وأُخرى.

 

ارتفاعُ معدَّل البطالة والمجاعة

وَلأَنَّ استمرارَ انقطاع المرتبات مع استمرار العدوان الذي يعتبر جرماً عظيماً لا يقل فداحة عن سفك الدماء، يؤكّـد مفضل، أن استمرار انقطاع المرتبات أحد صور العدوان الذي وضعته وخططت له أمريكا عبر سفيرها بعد أن عجزت أسلحتها ومرتزِقتها وأدواتها عن تحقيق أهدافها المرسومة؛ كون انقطاع المرتبات عملية لها تداعيات خطيرة وأبعاد كثيرة اقتصادية واجتماعية.

وحول تداعيات استمرار انقطاع المرتبات وأبعادها، يقول الدكتور إبراهيم عبد القدوس: إن قطع المرتبات لها أبعاد كثيرة وتسعى دول العدوان ومرتزِقتها إلى تحقيقها منها اقتصادية واجتماعية، الاقتصادية وتشمل على سبيل المثال لا الحصر الآتي: تعطيل الأعمال الحكومية والافتقاد للكوادر الكفؤة والقادرة على الإنتاج، ارتفاع معدل البطالة وزيادة الفقر في أوساط المجتمع وانتشار المجاعة، وتوقف الاستثمار وعجلة النمو.

ومن الأبعاد الاجتماعية التي يتسبب بها انقطاع المرتبات وبحسب الدكتور عبدالقدوس ارتفاع معدل الجرائم، وكثافة الهجرة الداخلية والخارجية، فالهجرة الداخلية تتسبب في زيادة الأعباء التي تتحملها المدن الرئيسية والحاجة إلى تلبية احتياجات السكان للخدمات المختلفة التي تتحملها الدولة، كما تؤدّي إلى التخلي عن الأنشطة الاقتصادية في الأرياف وأهمها الزراعة وما يترتب على ذلك من إضافة عاطلين جدد وإهمال الأراضي الزراعية وانخفاض الإنتاج وغير ذلك من الإشكالات، أما الهجرة الخارجية فهي غالبًا ما تفرغ البلاد من الكوادر الكفؤة والمنتجة التي يحتاج إليها البلد.

 

تدهور التعليم والصحة

ولهذا فَـإنَّ التداعيات الاقتصادية والاجتماعية تبرز في أهم وظيفتين من وظائف الدولة والتي يريد العدوان إفقارها بشكل مُستمرّ؛ كونها من الأَسَاسيات، هما “التعليم والصحة”، حَيثُ نجد أن الكثير من أساتذة المدارس والجامعات وَأَيْـضاً الأطباء ومساعديهم قد تركوا أعمالهم الحكومية والتحقوا بالقطاع الخاص أَو غادروا البلاد، وهكذا تظهر النتيجة التي يسعى لها العدوان والتي تتمثل في رداءة الخدمات المقدمة بالشكل المطلوب للمجتمع؛ مِن أجلِ ضعف ثقة المجتمع بحكومته.

كما تظهر التداعيات الاقتصادية والاجتماعية وبحسب الدكتور إبراهيم عبد القدوس مفضل -أُستاذ محاسبة – كلية التجارة والاقتصاد جامعة صنعاء، في الجانب العسكري والأمني، الذي يعتبر من ضمن الأهداف الرئيسية التي يسعى العدوان لتحقيقها من خلال جريمته بقطع المرتبات، حَيثُ أن الموظف والعامل والجندي والضابط لن يكون أمامه من بديل لتوفير لقمة العيش سوى الالتحاق بقوى العدوان التي تتكفل بإعطائه راتباً شهرياً ولو زهيداً، مقابل استغلال طاقته وصحته في مساعدة العدوان على بلاده، ولا يمكن تبرير ذلك، حَيثُ أن الناس يختلفون في المبادئ التي يحملونها، لكن تظل المادة الدافع الرئيسي لدى الكثير من البشر.

ويوضح أُستاذ المحاسبة في كلية التجارة جامعة صنعاء عبدالقدوس، أن الحرب الاقتصادية التي يمارسها دول العدوان الأمريكي تودي إلى استمرار تدفق عناصر الارتزاق من أبناء اليمن إلى حضن العدوان، وهذا ما يحدث حتى اللحظة، حَيثُ يجد العديد من عناصر الارتزاق مع توفر الإغراءات وأكاذيب الإعلام الفرصة للالتحاق بقوى العدوان، خُصُوصاً في ظل انعدام الوظائف وانخفاض الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية واستمرار الحصار، وبالتالي فَـإنَّ استمرار انقطاع المرتبات مع تواصل العدوان سوف يؤدي إلى استنزاف الشباب في صفوف العدوان واستغلال طاقتهم في صالحه وصالح المخطّط الأمريكي والإسرائيلي.

وفي المحصلة نجد أن انقطاع المرتبات هو أحد آثار تجفيف الموارد العامة التي قام بها العدوان من خلال نقل البنك المركزي إلى عدن وإغلاق الموانئ والمطارات والسيطرة على حقول النفط والغاز، ولهذا يدعو الدكتور عبد القدوس القيادة الثورية والسياسية في حكومة الإنقاذ إلى مواجهة العدوان ومرتزِقته والتركيز على هذا الأمر وتضعه في رأس سلم أولويات المواجهة، وذلك من خلال الإجراءات السياسية أَو العسكرية.

 

المرتبات والثروة المنهوبة

وللحديث عن حجم عائدات النفط الخام المنهوب من قبل دول العدوان ومرتزِقتها والتي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً لتصل نحو المليار ونصف المليار دولار سنوياً، والتي يتم وضعها في البنك الأهلي السعوديّ، يقول وكيل وزارة المالية في حكومة الإنقاذ، الدكتور أحمد حجر، في تصريح لصحيفة “المسيرة”: إن تلك الإيرادات كفيلة لوحدها فقط بصرف مرتبات جميع موظفي الدولة في الجمهورية اليمنية، بما فيها المحافظات المحتلّة، حَيثُ كان إجمالي مرتبات الموظفين قبل العدوان في حدود 900 مليار و45 مليون ريال سنوياً، مُشيراً إلى أن عائدات النفط والغاز كانت تفوق إجمالي ما يُنفق على المرتبات والأجور وهي كفيلة لوحدها بأن تصرف كافة مستحقات موظفي الدولة.

ولمزيد من التفاصيل يوضح الدكتور حجر أن وحدات الخدمة العامة تستوعب نحو مليون وخمسمِئة في كافة الأجهزة (مدني وعسكري وامن) ويمثلون نحو (٣٤ %) من إجمالي القوى العاملة وبحسب المؤشرات الإحصائية يقدر معدل الإعالة الاقتصادية إلى أكثر من (٦٠٠ %) ما يعني أن عدد الموظفين في الدولة بحسب تقديرات عدد السكان عام ٢٠٢٢ والمقدر بنحو (٣٤) مليوناً يصل إلى أحد عشر مليوناً وخمسمِئة وستين ألفاً، وبالتالي فقطع المرتبات يجعل هذا الحجم من السكان يصل إلى حافة الفقر والعوز، وهذا ما يسعى إليه العدوان؛ بهَدفِ الضغط على المواطن وتوليد سخط شعبي على حكومة الإنقاذ، وبالأخص في ظل الحملة الإعلامية لقوى العدوان وعملائها لإثارة المجتمع بدعوى تحميل أنصار الله والقوى السياسية والاجتماعية المناهضة للعدوان مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، خُصُوصاً بعد صول عدد من السفن النفطية إلى ميناء الحديدة، مع تجاهل مليارات الدولارات التي يتم نهبها من النفط والغاز من قبل العدوان ومرتزِقته التي تتهرب من صرف المرتبات.

ويشير وكيل وزارة المالية حجر إلى أن العدوان يتهرب من صرف المرتبات رغم أن هناك ودائع من عائدات النفط والغاز المنهوبة لدى البنك الأهلي السعوديّ تفوق 6 مليارات دولار، وجميعها تخضع لتصرفات العدوان ومرتزِقته، وفي المقابل فَـإنَّ حكومة الإنقاذ ورغم شحة الإيرادات والضرر الكبير الذي لحق بالجهات الإرادية بفعل الحصار، استطاعت أن تصرف نصف راتب لشهرين متتاليين مؤخّراً.

ولأن أجهزة الدولة هي من تقدم أهم الخدمات التي يحتاجها المجتمع وبالأخص خدمات الدفاع عن حرية واستقلال المجتمع وتحقيق الأمن وتوفير خدمات الصحة والبيئة وغيرها من الخدمات الضرورية، يؤكّـد حجر أن العدوان ومرتزِقته قطعوا المرتبات؛ مِن أجلِ التأثير على شمول وكفاءة هذه الخدمات، وهذا ما يثبت كفاءة عمل جهاز الدولة ورضا المجتمع، بالإضافة إلى أن دفع المرتبات يوفر موارد ماليه تنعش الاقتصاد، وبالتالي توفر موارد لخزينة الدولة.

 

مراهنةٌ فاشلة

ولهذا وبعد فشل دول العدوان العسكري والسياسي والإعلامي والأخلاقي، وبحسب الدكتور أحمد حجر، فَـإنَّ العدوان جعل من الحرب الاقتصادية التي يمارسها ضد الشعب اليمني، وبكل مجالاتها هي الورقة الأَسَاسية الرابحة والأقل كُلفةً التي تراهن عليها دول العدوان وبالأخص في ظل وجود أقذر وأحط مجموعة عملاء ومرتزِقه عرفها التاريخ الإنساني واليمني.

ووفقاً للأبعاد السياسية من قطع المرتبات، يوضح حجر أن دول العدوان تسعى إلى استخدام كافة الأدوات الاقتصادية وبالأخص قطع المرتبات لتحقيق أقصى الضغوط على الشعب لإثارته، وبالتالي يصبح عامل ضغط على متخذ القرار في حالة استمر العدوان أَو حدوث مفاوضات كما قد يساعد على إحداث خلخلة للجبهة الداخلية بل ويشكل ضغوط على قدرة الدولة القيام بمهامها، وهذا ما يضع حكومة الإنقاذ أمام خيارات محدودة لتخطي أزمة الرواتب وإعادة النظر في البنية الاقتصادية المتضررة.

ولهذا ولكي تستطيع حكومة الإنقاذ الوطني أن تحقّق الهدف الرئيسي وهو عدم إيجاد أية فرصة لتحقيق أهداف العدوان في بلدنا الكريم اليمن، يجب الوفاء بالتزاماتها بصرف المرتبات عند نقل مهام واختصاصات البنك المركزي من عدن المحتلّة إلى مركزه الرئيسي في العاصمة صنعاء.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com