الإمام زيد بن علي.. قدوةُ الثائرين (2-2)

إعداد: عبدالرحمن محمد حميد الدين

 

نبذةٌ موجزةٌ عن إرهاصات الثورة وتداعياتها:

عندما علم والي الكوفة [يوسف بن عمر الثقفي] أن زيد بن علي بن الحسين مقيم بالكوفة جعل يستحثه بالخروج ولما خرج وأتى القادسية أرسل إليه وجهاء الكوفة وأشرافها وقالوا له: أين تخرج عنا – رحمك الله – ومعك مِئة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بني أمية بها دونك، وليس قبلنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة.

فأبى عليهم، وقال لهم: لست آمن غدركم كفعلكم بجدي الحسين وجد أبي، وغدركم بعمي الحسن واختياركم عليه معاوية، فقالوا: لن نفعل، أنفسنا دون نفسك، فما زالوا يناشدونه حتى رجع بعد أن أعطوه العهود والمواثيق.

بعد ذلك رجع (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة، وأقبل أهل الكوفة وغيرهم يختلفون إليه يبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجلًا من أهل الكوفة خَاصَّة، ثم قدموا إليه بالآلاف يبايعونه ويقسمون بين يديه بالقتال حتى الموت ويحُضُّونه على الخروج، حتى اجتمع عنده ديوانٌ به أسماء أربعين ألف مقاتل، وأرسل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) دعاته إلى الآفاق يدعون الناس إلى بيعته، فبايعه الآلاف من الرقة، والمدائن، والبصرة، وواسط، والموصل، وخراسان، والري، وجرجان.

بعد ذلك طارت الأخبار ووصلت لهشام بن عَبدالملك، فأرسل ليوسف بن عمر يوبخه ويعلمه بحركة زيد بن علي، فأخذ يوسف في البحث عن الإمام زيد ومحاولة تقويض ثورته.

وكتب زيد (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى هلال بن خباب بن الأرت -وهو يومئذ قاضي المدائن- فأجابه وبايع له أهل المدائن، ودعا أبا حنفية فأجابه، وكان مريضًا، وكان رسوله إليه زياد بن المنذر، والفضيل بن الزبير فقال: هو والله صاحب الحق، وهو أعلم من نعرفه في هذا الزمان، وأنفذ إليه ثلاثين ألف درهم، وقال: استعن بها على حرب عدوك، وحثَّ الناس على الخروج معه. وقال: إن شُفيتُ لأخرجنَّ معه.

وحضر معه من أهله الوقعة: محمد بن عَبدالله بن الحسن بن الحسن (النفس الزكية)، وعبدُالله بن علي بن الحسين، وابنه يحيى بن زيد، والعباس بن ربيعة من بني عَبدالمطلب، وغيرهم. فجرح محمد بن عَبدالله وعبد الله بن علي.

ولما علم يوسف بن عمر الثقفي بخروج الإمام زيد بن علي (عليهما السلام) بعثَ في طلبه ليلًا فلم يجده، فتخوف الإمام زيد أن تؤخذ عليه الطريق، فتعجل الخروج قبل الأجل الذي ضرب بينه وبين الذين بايعوه، وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء، أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومِئة، فخرج قبل الأجل، وبلغ ذلك يوسف بن عمر فبعث الحكم بن الصَّلت يأمره أن يجمع أهل الكوفة إلى المسجد الأعظم يحصرهم فيه!!

فلما أصبح الإمام زيد في يوم المعركة ولم يوافه من أصحابه إلا مئتان وثمانية عشر رجلًا، قال: سبحان الله، أين من بايعنا؟! أخاف أن يكونوا قد فعلوها حسينية! والله لأقاتلنّ حتى أموتَ. فقيل له: إنهم محتبسون في المسجد الأعظم، فنادى الإمام زيد: معاشر المسلمين أجيبوا دعوة ابن نبيكم ولا تنقضوا بيعتكم. فسمع يوسف بن عمر ذلك، فأخذ أبواب الأزقة وأفواه السكك، والتأم إلى زيد خمس مِئة رجل، وخرج إليهم (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومما قاله في ذلك اليوم:

((الحمد لله الذي أكمل لي ديني، إني لأستحيي من جدي أن ألقاه ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنهَ عن منكر. أيها الناس أعينوني على أنباط أهل الشام، فواللهِ لا يعينني عليهم أحد إلا جاء يوم القيامة آمنا حتى يجوز الصراط)).

ولما خفقت الراية على رأسه قال: اللهم لك خرجت، وإياك أردت، ورضوانك طلبت، ولعدوك نصبت، فانتصر لدينك، ولكتابك ولنبيك، ولأهل بيت نبيك، ولأوليائك من المؤمنين، اللهم هذا الجهد مني، وأنت المستعان.

وقال (عَلَيْهِ السَّلَامُ): سلوني قبل أن تفقدوني، فإنكم لن تسألوا مثلي، والله لا تسألوني عن آية من كتاب الله إلا أنبأتكم بها، ولا تسألوني عن حرف من سنة رسول الله إلا أنبأتكم به، ولكنكم زدتم ونقصتم وقدمتم وأخرتم فاشتبهت عليكم الأحاديث».

وروي أنه لما خفقت راياته رفع يديه إلى السماء، ثم قال: “الحمد لله الذي أكمل لي ديني والله ما يسرني أني لقيت محمدًا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ) ولم آمر في أمته بالمعروف، ولم أنههم عن المنكر، والله ما أبالي إن أقمت كتاب الله وسنة رسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ) أنه تأججت لي نار ثم قُذفتُ فيها، ثم صرتُ بعد ذلك إلى رحمة الله، والله لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق الأعلى مع محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم، جاء به محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ) ونحن بنوّه”.

قال بعض أصحابه: “فرأيته (عَلَيْهِ السَّلَامُ) شدَّ عليهم كأنه الليث حتى قتلنا منهم أكثر من ألفي رجل ما بين الحيرة والكوفة، وتفرقنا فرقتين، فكنا من أهل الكوفة أشد خوفًا”.

قال أبو معمر: فلما كان يوم الخميس قتلنا منهم أكثر من مائتي رجل، فلما جنَّ علينا الليل، ليلة الجمعة، كثر فينا الجراح واستبان فينا الفشل، وجعل زيد (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يدعو، وقال: اللهم إن هؤلاء يقاتلون عدوك وعدو رسولك ودينك الذي ارتضيته لعبادك، فاجزهم أفضلَ ما جازيت أحدًا من عبادك المؤمنين. ثم قال لنا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): “أحيوا ليلتكم هذه بقراءة القرآن والدعاء والتهجد، والتضرع إلى الله تعالى، فلا أعلم والله أنه أمسى على الأرض عصابة أنصح لله ولرسوله وللإسلام منكم”.

 

بعضُ وصاياه (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لأصحابه في ساحِ القتال:

((إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم، فلئن يستجيب لكم رجل واحد خير لكم مما طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة، وعليكم بسيرة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بالبصرة والشام: لا تتبعوا مدبرًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تفتحوا بابًا مغلقًا، والله على ما أقول وكيل. عبادَ الله لا تقاتلوا عدوَّكم على الشك فتضلوا عن سبيل الله، ولكن البصيرةَ ثم القتال، فإن اللهَ يُجازي عن اليقين أفضلَ جزاء يجزي به على حَقٍّ، إنه من قتل نفسًا يشك في ضلالتها كمن قتل نفسًا بغير حق، عباد الله البصيرةَ البصيرةَ)).

 

استشهادُ الإمام زيد (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

وقال أبو معمر في حديثه: فشددنا على الصف الأول حتى فضضناه، ثم على الثاني، ثم على الثالث، وهزمناهم، وجعل زيد بن علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يقول: ولئن متم أَو قتلتم لإلَى الله تُحشرون. وجعلوا يرمونه فأصابته ثلاث عشرة نشابة.

قال: فبينا نحن نكارهم إذ رماه داود بن كيسان من أصحاب يوسف بن عمر بسهم في جبينه الأيسر، فخالط دماغه حتى خرج من قفاه. فقال (عَلَيْهِ السَّلَامُ): الشهادة في الله والحمد لله الذي رزقنيها. ثم قال: ادْعُ لي يحيى، فدعوه، فلما دخل قال: أبشر يا ابنَ رسول الله، تقدم على رسول الله، وعلي، والحسن والحسين، وخديجة وفاطمة وهم عنك راضون. فعهد (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عهده وأوصى وصيته، وكان من وصيته إلى ابنه يحيى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أن قال: يا بني جاهدهم فوالله إنك لعلَى الحق وإنهم لعلى الباطل، وإن قتلاك لفي الجنة وإن قتلاهم لفي النار، ثم نُزعَ السهم منه فقضى من حينه سلام الله عليه. واستُشهِدَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام سنة مِئة واثنين وعشرين للهجرة، وله من العمر ست وأربعون سنة.

 

ما صُنِعَ بالجسم والرأس الشريفين بعد استشهاده:

بعد استشهاده (عَلَيْهِ السَّلَامُ) احتار أصحابه أين يدفنوّه؛ خوفًا من عيون بني أمية، ثم اتفقوا على أن يعدلوا نهرًا عن مجراه، ثم حفروا له ودفنوّه وأجروا الماء على ذلك الموضع، وكان معهم في تلك الحال غلام سندي، فلما أصبح نادى منادي يوسف بن عمر: من دلَّ على قبر زيد بن علي كان له من المال كذا وكذا، فدلَّهم عليه ذلك الغلام فاستخرجوه (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من قبره، ثم احتزوا رأسَه الشريف فوجهوا به إلى هشام بن عَبدالملك وصلبوا جثته بالكناسة مع جثامين بعض حوارييه وهما: نصر بن خزيمة، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري.

ولما وجه برأس زيد بن علي (عليهما السلام) إلى هشام بن عَبدالملك بعث به إلى مدينة الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ)، إلى إبراهيم بن هاشم المخزومي، فنَصَبَ رأسه فتكلم أناسٌ من أهل المدينة وقالوا لإبراهيم: لا تنصب رأسه فأبى، وضجَّت المدينة بالبكاء، وكان هشام “لعنه الله” لما أتي إليه برأس الإمام زيد ألقاه بين الدجاج، فقال بعض أهل الشام: اطردوا الديك عن ذؤابة زيد، فلقد كان لا تطأه الدجاج، وافتخر شاعر بني أميه بقتله وصلبه فقال:

صلبنا لكم زيدًا على جذع نخلة… ولم نرَ مهديًّا على الجذع يُصلبُ

وكانت خشبة الإمام زيد بن علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يحرسها أربعون رجلًا، وكان زهير بن معاوية الجعفي الفقيه وسفيان الثوري ممن كان يحرسها!! وقد مكث مصلوبًا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى أيام الوليد بن يزيد، فلما خرجَ الإمام يحيى بن زيد بن علي بثورته كتب الوليد إلى يوسف أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عِجْل أهل العراق فأحرقه وانسفه في اليمّ نسفًا، فأمر به يوسف عند ذلك خراش بن حوشب فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار، ثم جعله في قواصر، ثم حمله في سفينة، ثم ذراه في الفرات، سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.

 

شيءٌ من كراماته (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

وله كرامات جمّة، حال قتله وصلبه وتحريقه، منها: ظهور رائحة المسك منه بعد صلبه، ومنها: أن الله تعالى سخَّر ما يمنع من كشفه عند صلبه، فكانت العنكبوت تأتي في العشية وتنسج خيوطها على عورته الشريفة، فكان الحراس يأتون في الصباح ويزيلون النسيج بالرماح، فلما أزالوه استرخى من جسده من السرة إلى الركبة ما سَتَرَ جميع ذلك.

فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آبائه الطاهرين.

ورضوان الله على أصحابه الباذلين أنفسهم في رضا الله.

 

المراجع:

–        القرآن الكريم.

–        في ظلال دعاء مكارم الأخلاق – الدرس الأول – الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه).

–        المصابيح في السيرة – أبو العباس الحسني.

–        مقاتل الطالبيين – أبو الفرج الأصفهاني.

–        الحدائق الوردية – الشهيد حميد المحلي.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com