حربُ الأفواه ومقوماتُ الصمود

 

جميل المقرمي

لطالما عَلّمَ التاريخُ الشعوبَ جميعَها هذا الدرسَ البليغَ ومَفادُهُ: أنَّ الغزاةَ إذَا أرادوا احتلال بَلَدٍ قتلوا حُماتَهُ واستهدفوا أُباتَهُ.. وبأنَّ الغزاةَ إذَا أرادوا استمرار احتلالهِم لذلك البلدْ فهم يقتلون هُوِيَّتَهْ ويستهدفون أصالتَهْ.. وكل مقومات ووسائل البقاء والصمود فيه، فهل نسيَ اليمنيون هذا الدرس؟!

سؤال سوف نحاول الإجَابَة عليه بهذه الأسطر القليلة القادمة..

مما لا شك فيه عند المتابع المنصف، أن المرتزِقة نسوا الدرسَ وانسلخوا من التاريخ وتنكروا للهُــوِيَّة حين وصل الاحتلال بواقعهم الي مرحلة خطيرة ومنزلق؛ وهو ما يؤكّـد أنهم في مرحلة صعبة وخطيرة؛ فبعد أن استهدفوا الشعب اليمني في هُــوِيَّته وأصالته وقيمه وإرثه التاريخي خدمة للمشروع الصهيوني الأمريكي، الذي يسعي إلى احتلال الأرض وانتهاك كرامة الإنسان وهذا لن يتأتى له إلَّا باستهدافه في سر قوته وصموده قيمته المعنوية.

بيد أن عمق ارتباطه الثقافي وجذور انتمائه الأصيل للإيمَـان والإسلام حال دون محاولاتهم الممنهجة في محو ذاكرته الثقافية وَبكل الطرق والوسائل سواء بتفجير القباب والأضرحة التي تمثل أعلامًا ثقافية متصلة عبر الأجيال تصلهم بأعلام الأُمَّــة وهداته في كُـلّ عصر أَو من خلال نشر الرذيلة واستهداف الأخلاق عبر الحرب الناعمة التي تضرب زكاءَ النفوس وتضر بقيم الإنسان ليصبحَ لقمة صائغه للشيطان وقبيلِه بعد أن فقد معيةَ الله وعونَه وتوفيقَه بارتكابه مثل هذه الأفعال التي دنست روحه… وهي الأُخرى فشلت فشلًا ذريعًا أمام وعي الشعب اليمني وتاريخه المحافظ على القيم والفضائل التي شكلت ملامحه الاصيلة أمام كُـلّ شعوب الأرض.

بالتوازي مع ذلك وعلى حقيقة أن الحروبَ لا تنتهي أشكالها ومجالاتها، هذا الحقائق تلقي بآثارها أَيْـضاً على بقية المجالات التي يسعى العدوّ من استهدافها إلى إلحاق الضرر بأبناء هذا الشعب، ففي الوقت الذي اتخذ الشعب اليمن من شعار “يدٌ تبني ويدٌ تحمي” منطلقا نحو الاكتفاء الذاتي في الجانب الزراعي، وبدأ الناس يتوجّـهون نحو الزراعة وبدأت الأسواق اليمنية تُغطَّى بالمنتجات الزراعية بوتيرة متصاعدة وصلت فيها بعض المنتجات إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي بجودة جيدة وبأصناف متنوعة وأسعار مناسبة رافقتها إجراءات حكومية ضابطة عجز معها العدوان عن إدخَال المنتجات المستوردة وَالتي عادة ما كان يغرق بها الأسواق للهيمنة عليها مدمّـرا روح الإنتاج الداخلي مع كُـلّ الموسم الإنتاجية؛ إلَّا أن هذه الإجراءات شكلت سياجا فعالا هيأ الأرضية المستقرة أمام المستثمرين والمزارعين لتقديم منتجاتهم إلى المستهلكين بشكل أمثل؛ وهو ما شكل ولا بُـدَّ واقعًا مقارنًا في الوعي المجتمعي أمام أكوام المنتجات المهجنة التي تعتمد كليًّا على كُـلّ طرق التهجين والإكثار والكربونات التي تعجّل من إنضاج هذه المنتجات دونما النظر إلى القيمة الغذائية أَو المراعاة للأمن الغذائي للمجتمع.

أمام هذه العجز في الاستحواذ على الأسواق الإنتاجية انتهجت تلك القوى مسارا مغايرا ليس في شكله بل بمضامينه؛ فعمدت إلى أبواقها الدعائي لتشويه هذه المنتجات وضرب جودتها عبر ذبابها الكرتوني في مواقع السوشيل ميديا قاطبة، للأسف الشديد ودون وعي بطبيعة الصراع انجرَّ الكثيرُ من الناس حول شائعات هذه الذباب الذي من خصائصه إنكار الجميل والتجمُّع حول كُـلّ قبيح؛ خدمةً لأعداء هذا البلد الطيب الجميل.

وتناسوا أن العدوّ لا يالو جُهدًا في استهداف مقومات هذا الشعب وأن أبواقه لم تستثنِ تشويه أي شيء فيه حتى الدين والقيم والكرامة..

فمن لم يعجب الله ورسالته وكلماته العُلَى ولم يضع قيمة لكل تلك القداسة أنَّى له أن يجعل لما دونها قيمة وقدرًا؛ ومن هنا يدرك شعب اليمني أن الحل الأكيد هو بعدم الالتفات إلى مثل هذه الأمور المعروفة منابع أسبابها ونتائجها سلفا..

ويَجب على الجانب الرسمي الاهتمام بشكل أكبر في تثمير هذه الجوانب من خلال بناء المزيد من مصانع لتعليب والتغليف والتسويق لهذه المنتجات وتجفيفها؛ حفاظًا على جهود المزارعين من الخسائر الفادحة التي تلحق بهم جراء السياسات المغلوطة في الإنتاج فتجعلهم يعزفون عن مزارعهم والعودة إلى ممارسة أعمال غير إيجابية أعلاها يجعلهم بين التسول والارتزاق.

العدوّ ينتهج حربَ المصطلحات -التي حوّل فيها مفاهيم المقاومة إلى احتلال والمحتلّين إلى مقاومة والخيانة إلى حرية- لن يالوَ جُهدًا في تشويه ما عداها منتجًا أكان أَو موقفًا.

فهل سينساق البعض وراء هؤلاء الذباب الذين لا يجيدون إلَّا تشويه الوطن إرضاءً لأسيادهم؟

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com