الإبادةُ الجماعية وحقيقةُ مزاعم الإدارة الأمريكية

 

د. عبدالرحمن المختار

كثيرة جِـدًّا هي المزاعم والتعبيرات الزائفة للإدارة الأمريكية سواء عن القلق الذي يساورها على ما تسميه سقوط ضحايا مدنيين نتيجة للحرب في قطاع غزة! وهل كانت الجريمة إلا ضد المدنيين أيتها الإدارة القلقة؟ فأين هي الدولة، وأين هو الجيش المنظم الذي تحاربونه؟ إنكم تواجهون المدنيين أيها القلقون! إنكم تواجهون شعباً محتلّة أرضه منذ ما يقارب من ثمانية عقود من الزمن! إنها جريمة إبادة بحق شعب محتلّ أيها القلقون! هدئوا من روعكم، لا تسوقوا لنا قلقكم كما سبق أن سوقتم لنا “ديماغوجيتكم”!

تبدي الإدارة الأمريكية قلقها أَيْـضاً من عنف المستوطنين في الضفة الغربية ضد المدنيين الفلسطينيين، وهي تعلن في المقابل معاتبتهم بلطف، وتؤخر عنهم مصاريف القتل، بالطبع فالمصاريف منها! ودائماً تعلن الإدارة الأمريكية حرصها الشديد على زيادة المساعدات وضرورة تدفقها بشكل سلسل ومُستمرّ لإغاثة المدنيين في قطاع غزة، وإبعاد شبح المجاعة عنهم، وهي لأجل هذا الزيف والتضليل أقامت ميناء عائماً قبالة قطاع غزة لغاية معلنة وهي إدخَال مزيد من المساعدات للقطاع المحاصر، وهي عملت ذلك رغم أن المنافذ البرية على أتم الاستعداد لاستقبال وإدخَال المساعدات الإغاثية، لكن الأمر الخفي للميناء العائم هو تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة لإخلاء القطاع من سكانه؛ مِن أجلِ تنفيذ المشروع الصهيوأمريكي الجاري العمل على تنفيذه قناة بن قوريون، فلا يمكن أن يكون هذا المشروع آمناً إلَّا بإخلاء القطاع من سكانه (الإرهابيين) حسب وصفهم.

كما أن الإدارة تقدم نفسها أَيْـضاً كوسيط حريص على إيجاد حَـلّ دائم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي حسب زعمها، وأن ذلك يتحقّق إلَّا بوهم الدولتين، هذا الوهم الذي سوقته وتسوقه للعرب عُمُـومًا وللفلسطينيين خُصُوصاً وعلى مدى عقود مضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة دونما خشية من انكشاف للزيف والتضليل والخداع، أَو عمل اعتبار للحقيقة الماثلة على أرض الواقع وهي أن الطائرات والقنابل التي تدمّـر المباني في غزة وتسويها بالأرض وتفتك بالأطفال والنساء والشيوخ وتمزقهم أشلاء، الطائرات أمريكية والقنابل أمريكية وهي من أحدث وأفتك ما أنتجته مصانع الآلة الحربية الأمريكية.

وكذلك الأموال التي تتدفق على الكيان الصهيوني بالمليارات هي أموال تدفعها الإدارة الأمريكية، والمواقف السياسية التي تغطي جريمة الإبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة هي مواقف أمريكية، وهي تحول دون تحَرّك دولي فاعل ليس لمعاقبة الكيان الصهيوني، ولكن فقط لوقف الإبادة التي يرتكبها هذا الكيان المجرم بدعم وإسناد وحماية وتغطية من جانب الإدارة الأمريكية التي لا تفوت فرصة للتأكيد على حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها ووقفها جنباً إلى جنب مع “إسرائيل” للتأكّـد من قدرتها على ذلك، وتأكيدها بشكل مُستمرّ على التزامها بأمن “إسرائيل”.

الإدارة الأمريكية القلقة لا تقبل بوقف الإبادة بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وتعمل بكل الوسائل على استمرارها، ومع هذا الوضوح والانكشاف السافر للموقف الأمريكي، إلا أن الأنظمة العربية العميلة لا ترى الموقف الأمريكي على حقيقته، وأغلب الشعوب العربية مع الأسف الشديد لا تزال تغط في سبات عميق.

إن معرفة حقيقة الموقف الأمريكي لا يحتاج إلى جهد وإلى كثير عناء، لا يحتاج أبداً إلى حصر صفقات الطائرات والقنابل والصواريخ والمعدات العسكرية التي قدمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدى العقود الماضية، ولا يحتاج أبداً إلى تتبع مواقف الإدارة الأمريكية السياسية خلال العقود الماضية، لاستخلاص ما هو سلبي وما هو إيجابي منها، لا يحتاج الأمر أبداً إلى إرهاق الذاكرة باستدعاء تصريحات الرؤساء الأمريكيين وأقطاب الإدارات الأمريكية بشأن وهم حَـلّ الدولتين ودعم الفلسطينيين!

يكفي لمعرفة حقيقة موقف الإدارة الأمريكية النظر إلى موقفها في آخر اجتماعين لأهم مجلسين في العالم وفي الولايات المتحدة الأمريكية، مجلس الأمن الدولي، ومجلس النواب الأمريكي، ففي الوقت الذي صدعت أمريكا رؤوسنا بترويجها لوهم حَـلّ الدولتين وقفت في مجلس الأمن الدولي ضد هذا الوهم واستخدمت في مواجهة مشروعه حق الرفض (الفيتو) حين ناقش هذا المجلس مشروع القرار الذي يقر بحق الشعب الفلسطيني في دولة كاملة العضوية في منظمة الأمم المتحدة، وذلك رغم الترويج الأمريكي لحل الدولتين، مع ذلك رفضت الإدارة الأمريكية أن تقر للفلسطينيين والعرب حتى بالوهم.

ورغم قلق الإدارة الأمريكية العميق، وأسفها الشديد لسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين نتيجة للحرب في غزة، وإدانتها لعنف المستوطنين المتصاعد في الضفة الغربية كما تزعم إلا أنها مع ذلك أقرت مؤخّراً دعماً مالياً سخياً للكيان الصهيوني وبأغلبية ساحقة في مجلس النواب، وبهذا الدعم المالي الكبير المقدم من الإدارة الأمريكية يستطيع الكيان الصهيوني مواصلة أفعال جريمة الإبادة بحق الشعب الفلسطيني وهو مطمئن على مركزه المالي، واستقراره الداخلي الناتج عن تكلفة عملياته العسكرية، وعن تأثر وارداته التجارية؛ نتيجةً للإجراءات الضاغطة التي واجه بها شعبنا اليمن هذا الكيان المجرم وداعميه.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com