رمضانُ والوحدةُ الإسلامية

 

القاضي/ حسين بن محمد المهدي

شهر رمضان يرمز إلى وحدة الأُمَّــة الإسلامية واتّفاقها وإلى تهذيب النفوس وائتلافها وإلى تقريب الشعوب واجتماعها.

فهو موسم اجتماعي يعمر فيه المساجد بذكر الله وتلاوة كتابه وإقامة الصلاة وطهارة الأبدان والقلوب.

وتكثر فيه مجالس الخلطاء والخلصاء والنصحاء والأصدقاء وتسمو فيه أرواحهم.

شهر رمضان توصل فيه الأرحام، ويتزاور فيه الإخوان والجيران والاصدقاء زرافات ووحدانا، ويتعاونون فيه على البر والتقوى.

فهو شهر ميلاد الإسلام الذي يدعو إلى التوحيد وإلى المحبة والألفة والعطف والرأفة واليسر؛ فهو دين التوحيد والوحدة وحدة الدولة ووحدة العقيدة التي ترفع شان الأُمَّــة وتعلي مكانتها.

شهر رمضان يشعر المسلمين جميعاً بأنهم أُمَّـة واحدة ذات عقيدة واحدة ورسالة واحدة تبعث في الإنسان القوة والعزيمة والثبات

الإسلام الذي بعث به محمد عليه الصلاة والسلام في شهر الصيام دعا إلى الوحدة؛ لأَنَّها طبيعته وركنه الذي تقوم عليه (وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّـة واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).

لقد ألّف الإسلام منذ ظهوره بين قلوب من اتبعه واتخذه دينا، وامرهم بالاعتصام بحبله (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جميعاً وَلا تَفَرَّقُوا).

فمنذ فتح الإسلام باب الوحدة دخل الناس في دين الله أفواجا.

إن الوحدة التي تجمع الناس ولا تفرقهم هي الوحدة الإسلامية؛ لأَنَّها تقوم على العدل ولا تفرق بين جنس وجنس ولون ولون.

فقيام المجتمع الدولي على أَسَاس إسلامي يقوم على مبادئ الفضيلة هو أمثل الطرق لتكوين الجماعات الدولية، ولا يعد الاجتماع العنصري أَو الاقتصادي من أمثل الاجتماعات لعدم اتّحاد المشاعر وتضارب المصالح.

فما أسرع زوال التجمعات التي تحكمها الأهواء وتتبدل فيها المصالح الاقتصادية.

أما الاتّحاد الإسلامي فَــإنَّه يقوم على اتّحاد المشاعر والعقيدة والفضيلة والمثل العليا؛ فإذا قامت وحدة إسلامية بين شعوب الأُمَّــة انتفع المسلمون بكل ما لديهم من ينابيع الثروة الزراعية والصناعية والمعدنية فتعمر أرضهم بالخير؛ لأَنَّها تقوم على البر والتقوى الذي أمر الله به في محكم كتابه (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى‏ وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ).

إن قوة المسلمين وعزتهم في وحدتهم

فالوحدة الحقيقية هي تلك التي تجمع الأُمَّــة كلها.

فوحدتهم الثقافية تعتبر أَسَاساً لجمع كلمتهم.

فَــإنَّ الانضواءَ تحت لواء القرآن وقائد مسيرة القرآن يجعل الأُمَّــة تحرصُ على وحدتها السياسية والأخلاقية والفكرية والفقهية.

فما من سبيل للاختلاف والقرآن يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).

أما الخلاف في فهم النصوص فَــإنَّ ذلك مما لا يؤثر على جوهر الاجتماع والوحدة.

فقد كان أصحاب رسول الله يختلفون في فهم النص فيجتهدون ويقرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اجتهادهم.

فحين جاء في الحديث (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي… وعَدَّ منها: وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا؛ فأيُّما رجل أدركته الصلاة فليصل) اختلف رجلان من الأنصار كانا في سفر فأدركتهم الصلاة ولم يكن لديهم ماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء بعد ذلك ولم يزل وقت الصلاة فيه فسحة فاختلفا، فأعاد أحدهم الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقصَّا عليه ما حصل من خلاف بينهما، فقال للذي أعاد الوضوء والصلاة لك الأجر مرتان، وقال للآخر أصبت السُّنة وأجزأتك الصلاة.

وهو ما يدل على أن الخلاف في فهم النصوص يأخذ كُـلّ على مستوى مراتب افهامهم وقرائحهم.

ولكن تؤخذ الافهام منه على قدر القرائح والفهوم، هذا هو نهج أصحاب الإيمان.

والأولى بالجميع الاتِّباع؛ فمنهج المسلمين واحد، وكتابهم واحد، ولو أن المسلمين أخذوا بالوحدة الإسلامية لما فرطوا في أي شبر من أرض الإسلام.

ولو أقاموا وحدة عسكرية بين شعوب الأُمَّــة لكانت قوة لا يقهرها الأعداء، فالخطاب بالإعداد للقوة موجه إلى الأُمَّــة كلها (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ).

ولو اعدوا القوة مجتمعين لما تجرأت الصهيوني اليهودية على احتلال أرض العرب والمسلمين في فلسطين وسفك دمائهم واحتلال مقدساتهم.

فكيف يتراخ المسلمون عن تنفيذ أمر ربهم في الاعتصام بحبل الله والجهاد في سبيل الله بل كيف يسعون إلى شن الحروب على بعضهم لمطامع أَو أسباب اقتصادية يمكن حلها عبر التفاهم بالعدل.

ولو كان هناك وحدة جامعة لما حصل شيء من ذلك.

فالثروة ثروة الجميع اقتصاديًّا وثقافيًّا وعسكريًّا تحكم الجميع.

ففي شهر رمضان يجب على الغافلين إن ينتبهوا.

وعلى المسلمين أن يتحدوا ففلسطين تنزف دما، والمسلمون عدا محور المقاومة -اليمن لبنان العراق وسوريا وإيران- في غفلتهم يعمهون، وكأن الأمر لا يعنيهم.

فما من سبيل للمداجاة والنفاق ما لم يعودوا هؤلاء عن غيهم، فَــإنَّ كلمة العذاب ستحق عليهم.

فالشكر والثناء الجليل على المجاهدين في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوري وإيران الذين يلقنون الصهيونية في البر والبحر دروسا عسكرية ستذيق الأعداء أشد العذاب، وأن النصر سيكون بفضل الله حليفهم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ).

العزة لله ولرسوله وللمؤمنين والخزي والهزيمة للكافرين والمنافقين.

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com