كسر الحصانة وَمؤشرات الزوال

 

دينا الرميمة

أثبتت أشهر الحرب الخمسة على غزة وَعدد الضحايا الكبير الذي تجاوز المِئة ألف بين شهيد وجريح، وحجم ما أسقط على غزة من متفجرات طمست معالمها حتى أصبح أهلها تائهين أمام بقايا حواريهم يبحثون عن أثر لمنازلهم التي لم يبق منها إلا رائحة الذكريات، أنها ليست حرباً لاستعادة الرهائن كما يدعي نتنياهو؛ إذ كان بإمْكَان المفاوضات إعادتهم سالمين دون نقصان أَو خسارة، حَيثُ وَتكلفة السلام أقل بكثير من تكلفة الحرب، التي سقط خلالها عدد من الرهائن قتلى برصاص وغارات الجيش الصهيوني.

وهذا ما يثبت أن ما يحدث في غزة ليس إلا حرب تحدٍّ لصوت الإنسانية التي تجوب شوارع العالم مندّدة بالحرب، وفي ذات الوقت هي تحدٍّ لصوت أسر الرهائن المطالبين بمفاوضات تعيد إليهم أبنائهم أحياء وليس في توابيت، لا سيَّما وقد قوبلت مظاهراتهم بالقمع.

ومع أن هذه الحرب لم تقترب بعد من تحقيق أهدافها وباعتراف أجهزة الاستخبارات الصهيونية والأمريكية ممن أقروا أن تقويض حماس أمر غير ممكن، غير أنهم لا يزالون يصرون عليها بحثاً عن صورة نصر تغفر لهم أخطاء الماضي وتشفع لهم عند شعبهم خسارة الأرواح التي أزهقت في سبيل حرب جلّ ما حقّقته ليس إلا نصراً على المدنيين وخبزهم، وَنصراً على المنازل والبنية التحتية لغزة، التي لم تكن يوماً جنة إنما كانت أشبه بسجن مفتوح منذ 17 عاماً ويلفحها سعير حقدهم على الدوام؛ ما جعل الكثير يتساءل حول ماذا بقي في غزة من حرمات لم تطلها أذية الكيان الصهيوني؟ وماذا بقي فيها من محرمات لم تقترفها أيديهم الأثمة بجرم الاحتلال والاستيطان منذ ستة وسبعين عاماً.

السؤال الأهم والذي يطرح نفسه اليوم هو ما نسمعه يوميًّا من سكان غزة “أين أنتم يا عرب؟!” الذين بعد أن عجزت آلة الحرب الصهيونية عن إخضاع مقاومتهم أطلقوا عليهم سكاكين الجوع؛ بهَدفِ كسر معنوياتهم وتحطيمهم نفسياً وجسدياً فرحل الكثير منهم شهداء وشاهدين على نفاق العالم وازدواجية معاييره.

وربما أن هذا السؤال لا يأتي في إطار الاستغاثة بالعرب، حَيثُ وقد أخبرتهم سنوات الاحتلال أن الأنظمة العربية قد نأت بنفسِها عن فلسطينَ، وتلحَّفت بلحافِ الصهيونية وألجمتهم “إسرائيل” بلِجامِ الصمت وقيَّدت أياديهم بقيد التطبيع إلى الحد الذي استنكر فيه البعض على المقاومة طوفانها واستهجن مواقف محور المقاومة الداعمة لغزة ووصفوها بأنها لا تضر إلا بغزة، مع أن تأثيرها كان شديداً على “إسرائيل”؛ ما جعل أمريكا تأتي بنفسها لإنقاذهم منها، وبالأخص عمليات القوات المسلحة اليمنية التي أثرت بدرجة كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي وعطلت ميناء إيلات عن العمل؛ ما جعل اليمن تقصف بنفس الصواريخ التي تقصف بها غزة!!

وهنا يكون سؤالهم بمثابة تحذير من أن الدور ربما قد يأتي على مصر أَو الأردن أَو حتى الرياض في حال تمكّن الصهاينة من غزة، وهذا ما يجرح الروح العربية ويصيب العروبة في مقتل، لا سيَّما وقد رأينا الشعوب الغربية لا تتوقف مظاهراتها الداعمة لغزة وعلى رأسهم الشعب الأمريكي الذي رحل من بينهم الطيار في الجيش الأمريكي آرون بوشنيل بعد أن أحرق نفسه خارج سفارة “إسرائيل” في واشنطن؛ احتجاجًا على حرب الإبادة في غزة ليكون شاهداً على تورط بلده في حرب الإبادة.

أضف إلى ذلك أن بعض الأنظمة الغربية ممن مسبقًا أيدوا حق الصهاينة في دولة تضمهم على أرض فلسطين أدانوا الجرائم في غزة وَسحبوا سفراء دولهم من تل أبيب كبلجيكا وَفنزويلا، وَليس آخرهم البرازيل التي وصف رئيسها لولا داسلفيا العدوان على غزة بحرب الإبادة التي لا يشبهها إلَّا ما فعله هتلر باليهود، يأتي هذا إلى جانب موقف دولة جنوب إفريقيا التي جرت “إسرائيل” إلى محكمة العدل الدولية، وفيها تعاضدت المواقف التي أدانت الحرب على غزة وأقر خلالها ممثلو الدول بأن احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين غير شرعي بمرافعات في جلسات الاستماع المتتالية، التي تعقدها محكمة العدل الدولية لنظر طلب الفتوى المقدّم من الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الآثار القانونية الناشئة عن سياسات “إسرائيل” وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلّة بما فيها القدس الشرقية.

وقد لا يكون الحكم الذي يرقبه الجميع من المحكمة مرضياً، إلا أن مثل هذه المواقف تمثل دفعة قوية للقضية الفلسطينية وكسرت حرمة المساس بـ “إسرائيل” وحصانتها، وتعتبر نقطة تحول في تأريخها كما تؤشر عن قرب زوال الصهاينة بعد أن كفر العالم بدولتهم التي أقاموها على أنقاض دولة عمرها آلاف السنين.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com