“وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ”.. من ألاعيبِ الدعاية السياسية

المسيرة| دراسة: محمد حسن زيد

يقولُ الحَقُّ -تبارك وتعالى- موجِّهاً الخطابَ لنبيِّه الكريم حين كان يسمعُ كلاماً مؤلماً ينشُرُه أهلُ الباطل: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}.

{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}.

فقد كانت الدعايةُ السياسيةُ تُستخدَمُ في مواجهة الأنبياء، بينها الاستهزاءُ والسُّخرية والتُّهَمُ الباطلة كرجمهم بالسحر والشِعر والسعي للاستحواذ على السلطة والفشل والتسبب بمقتل المستضعفين..

“وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ”.

“وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ”.

“قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِي الْأَرْضِ”.

“قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا”.

“قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا، فَاذْهَبْ أنت وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ”.

التوجيهُ القرآنيُّ للنبي في هذه الحالات هو الصبرُ على ما يقولون والتسبيح والهجر الجميل والإعراض، مع الاستمرار في العمل والبيان والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لأَنَّ هذا هو جوهر وظيفة الأنبياءِ.

واليوم في عالَمِ السوشيال ميديا معركةُ الدعاية السياسية هي معركة مصيرية حاسمة، بل يمكن اعتبارُها “معركةَ الوعي” التي هي مفتاح كُـلّ نصر، وَعلةُ أية هزيمة؛ فـفي المجال السياسي والاجتماعي الكلمة كالرصاصة تقتل، لكنها تستهدفُ قتلَ الحقيقة لا قتل الأشخاص، حَيثُ ما زالت الأساليب القديمة شائعة الاستخدام لكن بحِيَلٍ عَصريةٍ مُطوّرة؛ فالسخرية مثلاً هي أحدُ أهم الأدوات الإعلامية المعاصرة المستخدمة في الدعاية السياسية لإبراز المفارقات وإظهار التناقضات لدى الطرف المُستهزأ به؛ لصَدِّ المجتمعِ عن الالتفافِ حوله والإيمان بقضيته، ومن ينسى تأثيرَ الكوميديان باسم يوسف، بعد انتخاب الرئيس المصري محمد مرسي، حتى قيل آنذاك إنه كان سبباً رئيسياً في حشد الشارع ضد “الإخوان المسلمين”؛ تمهيداً للانقلاب عليهم.

طبعاً إبراز المفارقات وإظهار التناقضات شيءٌ والافتراءُ شيءٌ آخر؛ فالأول هو كوميديا بينما الثاني هو “مكايدة”.

فمثلاً (١) صنعت السعوديّةُ ومرتزِقتُها مشكلةَ “المرتبات” في اليمن؛ لذلك تفشل الدعاية السياسية دائماً في تحميل “أنصار الله” مسؤولية هذه المشكلة..

كذلك (٢) سيفشلُ من يقاتلون؛ مِن أجلِ “استعادة النظام الجمهوري” بينما هم يعملون تحت وصاية أنظمة خليجية ملكية..

كذلك (٣) سيفشل من يُناضلون ضد “السُّلالية” وهم لا يستطيعون تجاوز “سلالة عفاش”..

كذلك (٤) سيفشل من يصرخون من هيمنة إيران وهم أصلًا أذلاء تحت هيمنة الأعراب..

كذلك (٥) سيفشل من يُدينون “نظرية الحق الإلهي” بينما أصولهم العقائدية تقرّر حصرَ السلطة الشرعية في قبيلة قريش فقط..

كذلك (٦) سيفشل من يتهمون حماسَ بالتسبب في مقتل المدنيين، بينما “إسرائيل” تقتل المدنيين من قبل ظهور حماس وفي أماكنَ أُخرى لا توجد فيها حماس.. وهكذا.

 

بعضُ ألاعيب الدعاية السياسية:

١- “التركيز على زاوية معينة من القصة” يمكن لوسائل الإعلام المحترفة أن تقومَ بعرض قصة واحدة للحصول على نتيجتَين مختلفتين متناقضتين، فمثلاً لو كانت القصة هي “أن رجلاً تزوَّج على زوجته”؛ فبإمْكَان الوسيلة الإعلامية (أ) أن تُبرز في هذه القصة جانبَ ألم الزوجة الأولى وتركّز عليه ليخرجَ المشاهدُ بحصيلة معينة وهي اعتبار زواج الرجل بالثانية عملاً غيرَ إنساني..

بينما يمكن لوسيلة إعلامية أُخرى (ب) أن تقدِّمَ نفسَ القصة لكن تُبرز فيها جانب الزوجة الثانية التي كادت لولا هذا الزواج أن تنزلقَ إلى مستنقع الرذيلة أَو تبقى محرومةً من حاجتها للزوج والإنجاب حتى تموت بصمت ليخرج المُشاهد بحصيلة معينة أُخرى وهي اعتبار زواجِ الرجل بالثانية عملاً إنسانياً وحلّاً شرعياً، وهذه كما تلاحظون حصيلة مناقضة تماماً للحصيلة السابقة.. وذلك يبين مدى خطورة ألاعيب الإعلام المحترف.

٢- “دَسُّ السُّمِّ في العسل” يقال إن: على وسيلةِ الإعلام الذكية التي تريدُ النجاحَ أن تتجنَّبَ الأُسلُـوبَ الفَجَّ؛ لأَنَّه يُولّد ردَّ فعلٍ عند المُشاهد ويخلق مناعةً من التقبل ويؤثر على مصداقية الوسيلة الإعلامية.. لذلك فالأُسلُـوب الذي ينبغي استخدامه هو قَولُ الحقيقة بنسبة 99٪ ثم تمرير الكذبة التي يُراد ترويجُها في 1٪ فقط..

هُنا يتمُّ دَسُّ السمّ في العسل؛ كي يستسيغَ المشاهدُ شُربَه دون أن يشعر به، ومع مرور الوقت وتراكم الـ1 ٪ تتراكم الأكاذيب لتصبح كتلة ضخمة متماسكة متجانسة في عقلية المشاهد تُشكل جزءاً لا يتجزأ من وعيه وإدراكه يعتبرها حقائق قاطعة لا شك فيها ولا ريب.

فمثلاً وسائلُ الإعلام الصهيونية الذكية من الممكن أن تتبنَّى مظلومية الفلسطينيين وتدافع عنهم وتبكي عليهم وتُهاجم وحشية إسرائيل لكن على أن يكون كُـلّ ما سبق مصحوباً بتسويق كلمة واحدة فقط وهي “حل الدولتين”!

لأن حَـلَّ الدولتين معناه “تكريسُ وجود إسرائيل”، وبالتالي هو اعترافٌ ضمني بحقها في الدفاع عن نفسها، وهو الثمرة المراد قطفها والهدف الاستراتيجي الذي تسعى الصهيونية لتحقيقه، وشيئاً فشيئاً إذَا تحقّق هذا الهدفُ “تكريس وجود إسرائيل” فَــإنَّ الصهيونيةَ قادرةٌ على أن تحكم العالم العربي والإسلامي عبر النفوذ فقط دون الحاجة لاحتلال عسكري مباشر، بل إنها قادرة الآن أن تحكُمَ معظم الدول العربية والإسلامية حتى قبل تحقيق “حل الدولتين” لولا خط المقاومة المزعج.

٣- الإيحاءُ بالأفكار أَو “الوسوسة” وهي قدرةُ البعض على “توجيه الناس دون إجبارهم” على ذلك إجباراً، بل يُزيّن لهم أموراً ويصرفُهم عن أمورٍ بموهبته الفائقة على تدوير الزوايا والتبرير والتلاعب بالحقائق والمعطيات، ثم يكون لسان حاله هو “وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ”.. لكن وسوسة محترفي الإعلام المعاصر وهي وسوسة إنسانية تظافرت باحترافيتها وتَراكُمِ تجاربِها مع إمْكَانات شياطين الجن يُوحي بعضُهم إلى بعض فنونَ التضليل وأساليب الخداع، يصفهم الحقُّ جل وعلا قائلا: “شَیَـٰطِینَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا”، ومن أمثلة ذلك تزيين الشذوذ الجنسي في الأفلام بإظهار الشواذ لطفاء مُبدِعين طيبين.. كذلك تزيين المرأة المتهتكة المُستباحة وإظهار ذلك ثقة بالنفس وقوة في الشخصية وسعادة في الحياة.

٤- “اكذِبْ حتى يُصدِّقَك الناس” هذه فلسفةُ وزير الدعاية في ألمانيا النازية (يوزيف غوبلز) لكن البعض في العالم الثالث تمادى في استخدامها فأصبح يكذب ويكذب حتى يُصدّق هو نفسَهُ، ولعل أبرز الأمثلة على هذا النوع من ألاعيب الدعاية هو “ترويج الإنجازات الوهمية” التي تنفخ وتخلق “الفرعنة”، كذلك “شيطنة الخصوم بالأكاذيب”.. والمفارقة أن النازيين بعد سقوطهم أصبحوا أبرز ضحايا الشيطنة الدعائية.

٥- “التعتيمُ الإعلامي” لعله أكثرُ الألاعيب شيوعاً ويكون بتجاهل بعض الوقائع تجاهلاً تامّاً أَو التقليل جِـدًّا من شأنها وحجمها مثل تعاطي كثير من وسائل الإعلام مع “ثورة البحرين”، ومع “مجازر عاصفة الحزم في اليمن”، ومع “ضربات حزب الله لإسرائيل أثناء “طُـوفان الأقصى”.

٦- “فبركةُ الوقائع” قد تُستخدم في هذه النوع من ألاعيب الدعاية تقنياتٌ فنيةٌ عالية وتكنولوجيا متطورة وربما يُستعان أَيْـضاً بممثلين محترفين توطئة لحدث سياسي أَو عمل عسكري بصناعة حَدَثٍ لا وجود له في الواقع أَو بتضخيم حدث صغير وجعله يبدو غاية في الضخامة كـ “أحداث 11 سبتمبر”.. وأحياناً لا تحتاج الفبركة سوى لتداول خبر عبر وكالات الأنباء فمثلاً تداولت وسائل الإعلام الغربية أكذوبة قطع رؤوس أطفال إسرائيليين على يد حماس ثم تحَرّكت بناء على هذه الكذبة أساطيل أمريكا وأُورُوبا لنجدة أطفال إسرائيل، ثم ترتب على تلك الكذبة منح إسرائيل الضوء الأخضر لسحق الفلسطينيين دون حساب طوال الأسبوع الأول بعد “طُـوفان الأقصى”، ومن أمثلة ذلك أَيْـضاً دعوى وجود “أسلحة دمار شامل” لاستباحة العراق والتي تبين كذبها لاحقاً.

٧- “مخاطَبةُ الشهوات” للفت انتباه الجمهور من خلال غريزته، فمثلاً يتم استخدام المذيعات البديعات لتقديم الأخبار، والممثلات الفاتنات لتسويق الأفلام، واستخدام أُسلُـوب الإغراء والإيحاء الجنسي في الإعلانات حتى لو لم يكن لموضوعها علاقة بالنساء، يقول الحق تبارك وتعالى: “وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا” صدق الله العظيم.

٨- “لُعبةُ الأغلبية” من ألاعيب عالم السوشيال ميديا وأجهزة الإعلام المحترفة هو توجيه الناس لموقف معين عبر طرحه؛ باعتباره “رأياً للأغلبية” فـ”رأي الأغلبية” فكرة مُعدِيَةٌ جِـدًّا تدفع كَثيراً من الناس للسير مع القطيع، وهذا مذموم حسب ما جاء في قوله تعالى: “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ”، لا يعني ما سبق أن يسعى الإنسان قصداً لمخالفة الشائع لأجل المخالفة، وتعمد مواجهة المجتمع بالآراء الصادمة وهو أصلاً متأثر بثقافة الغربيين أَو بـ”رأي أغلبية الغربيين” وربما لا يكون في الحقيقة سوى “رأي شذاذ الآفاق من الغربيين” وهم قلة قليلة، ثم يتعاطى مع الدين كترف فكري يغرس بذرة الشك والجدل داخل المجتمع الإسلامي، حتى يبلغ الانحطاط أن تتجرأ الراقصات على الفتوى واحتقار أئمة عظماء أتقياء نجباء كالشافعي وأبي حنيفة وجعفر الصادق والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين واتّهامهم بمخالفة القرآن وعدم فهم الإسلام! فهذا “مخالفة سبيل المؤمنين” وهو مذموم أَيْـضاً كما قال عز من قائل: “وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا”.

لذلك فمن الألاعيب الخطيرة في الإعلام والسوشيال ميديا إلى جانب نموذج الراقصات المفتيات هو التحريضُ المذهبي الممنهج بحيث يتوجّـه المجتمع للصراع في الداخل الإسلامي (طائفي، مذهبي، قومي، عرقي) بخطاب إلغائي لا يمكن التعايش به أبداً يُؤسس لحروب لا تنتهي، لا يستفيد منها سوى العدوّ ويصبح ذلك الخطاب المذهبي “بديلاً” عن رصّ الصفوف والدفاع في مواجهة الغزاة القادمين من الخارج في مخالفة صريحة لأمر الله القائل: “واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا”..

وقد قلت “بديلاً”؛ لأَنَّ هناك نوعيةً من الأشخاص لا ينشطون إلا وقت الصراعات الداخلية فتراهم غاضبين، متحمسين ضد خصومهم في الداخل، لكنهم في مواجهة العدوان الخارجي متسامحين جِـدًّا عقلاء، حكماء، فمعادَاة هؤلاء لإيران والحوثي وحماس ربما قد تُبرّر لهم تأييد إسرائيل! وخطر الشيعة في قاموسهم قد يُبرّر التحالف مع اليهود والنصارى! وسب الصحابة بالنسبة لهم يُثير الحمية ويحشد الصفوف أشد من سب الله ورسوله! وارتكاب حماقة فردية تافهة هنا أَو هناك أقبح عندهم من تدنيس المسجد الأقصى والمسجد الحرام!

 

ما الذي يمكن للدعاية السياسية أن تُحقّقه؟

باستخدام الألاعيب السابقة لدى الإعلام المحترف (والسوشيال ميديا) القدرة على “قلب الحقائق” بتقديم الباطل في ثوب الحق (الحق المزعوم لإسرائيل مثلاً)، وتقديم الحق في ثوب الباطل (الإرهاب الفلسطيني المزعوم مثلاً)، وتصوير القبيح جميلاً (الشذوذ الجنسي والعُهر مثلاً)، والجميل قبيحاً (العفة والاحتشام والاستقامة مثلاً)، والشقاء نعيماً والنعيم شقاءً حتى أصبح الإعلام المعاصر وتأثيرهُ العالمي مقروناً “بالماسونية التي رمزها هو “عين واحدة” ليحضر في أذهاننا فورًا ذلك الأثرُ الشهير: “الدجالُ أعور معه جنةٌ ونار، فنارُهُ جنةٌ وجنتُهُ نارٌ”، ففتنة الدجال الأعور (ذي العين الواحدة) هي أعظم الفتن في آخر الزمان، وهي مما يُستعاذ منه حسب المأثور، نسألُ اللهَ السلامة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com