على ضوء خطاب قائد الثورة في عيد جمعة رجب 1444هـ: مشاكل الأعداء مع القرآن وسرّ استهدافه

كتاب الله درعٌ حصين وتركه يسهّل للأعداء مهمة الانقضاض على الأُمَّــة

المسيرة: عرْض نوح جلّاس

يواصل الغرب المعادي للإسلام التمادي في انتهاك المقدسات الإسلامية العظيمة، ومع تكرار الإساءة مؤخّراً إلى أقدس المقدسات وأعظمها على الإطلاق، وتفشي ظواهر امتهان عظمة وقدسية القرآن الكريم عبر إحراقه وتدنيسه في التظاهرات التي خرجت في عدد من الدول الأُورُوبية، يتأكّـد للجميع أن العداء للقرآن الكريم من قبل أعداء الإسلام سيظل متواصلاً وطويلاً ما دام يحمل هذا الكتاب المقدس بين دفتيه كُـلّ ما يقود الأُمَّــة إلى العزة والرفعة، وينتشلها من مستنقع الخضوع والخنوع للأعداء.

ومن خلال تسليط الضوء على عدد من التظاهرات في السويد والدنمارك وهولندا وقبلها فرنسا والأراضي المحتلّة وعدد من المناطق التي ينشط فيها اللوبي الصهيوني –العدوّ الألد للإسلام والمسلمين– يتأكّـد للجميع أن تلك الأعمال الاستفزازية لم تأتِ بسَببِ ما شكا منه المتظاهرون من تدهور في بلدانهم، ولم تأتِ بسَببِ أي دافع آخر سوى أن هناك حملات ممنهجة قديمة متجددة تستهدف القرآن الكريم؛ باعتباره السلاح الوحيد بيد المسلمين والكفيل بتبديد مساعي الأعداء في الغرب أَو في أي مكان.

وبكل تأكيد يعلم الجميع أن مساعي الأعداء لإبعاد القرآن الكريم عن متناول الأُمَّــة لا تتمثل في إحراق المصاحف أَو منع طباعتها أَو الحد من انتشارها، بل إن الطرق والسبل التي عمل الأعداء على تجريد الأُمَّــة من كتابها المقدس تنتهج عدة مسارات ناعمة وغير ناعمة، لتكون عملية إحراق المصحف بمثابة جس نبض ردود الفعل في أوساط الأُمَّــة واختبار مدى نجاعة أساليب الأعداء في فصل القرآن عن أصحابه، ومن خلال الارتدادات التي عقبت عملية إحراق القرآن مؤخّراً يتأكّـد للجميع أن الأعداء قد قطعوا شوطاً كَبيراً في فصل الأُمَّــة عن كتابها، حَيثُ بدت ردود الفعل في العالم العربي والإسلامي محصورة جِـدًّا يعتريها الكثير من الشوائب التي أحدثتها سلوكيات القائمين على أنظمة الحكم في بلدان العرب والمسلمين، وكانت الردود اللازمة على ذلك الانتهاك الخطير للقرآن شبه محصورة على يمن الإيمان والحكمة الذي أثبت من جديد أنه شعب الأنصار للرسالة المحمدية في كُـلّ زمان وفي كُـلّ عصر، وما شهدته العاصمة والمحافظات الحرة من مسيرات وتظاهرات على مدى الأسبوعين الماضيين، وكذا الإجراءات العملية التي أقرتها القيادة بمقاطعة بضائع كُـلّ الدول التي تنتهج العداء والإساءة للإسلام ومقدساته، إلا خير دليل على أن اليمن تصدر مشهد الغضب لله ولدينه، فيما ظهرت علامات تمكّن الأعداء من طمس قدسية القرآن في نفوس الشعوب من خلال ما حدث في بعض الدول العربية والإسلامية من تماهٍ وضيع مع الأعداء عبر قمع احتجاجات رافضة لما حدث في الدنمارك والسويد وهولندا، وقد تصدرت دول العدوان على اليمن هذا المشهد المخزي.

ومع كُـلّ هذه المعطيات يدرك الجميع أن الأُمَّــة العربية والإسلامية قد باتت في منعرج خطير يستوجب عليها اليقظة قبل فوات الأوان.

 

مشاكل الأعداء مع القرآن.. الأُمَّــة ومعادوها بين واقعين

وبالعودة إلى تكرار ظواهر الإساءة للقرآن الكريم وقدسيته العظيمة، فَـإنَّه يتحتم علينا الوقوف لمعرفة الدوافع والأسباب الحقيقية وراء ذلك، وما هي المخاطر الكارثية على تمرير هذا الانتهاك والاعتداء الفاضح، وهنا لنا دليل من الهدى المحمدي الرباني أوضحه قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي –يحفظه الله– في خطابه الأخير بمناسبة عيد جمعة رجب 1444هـ (ذكرى دخول أهل اليمن في الإسلام)، وهي الذكرى التي تزامنت مع تجديد اليمانيين بيعتهم لله ولرسوله ولكتابه العظيم، وذلك من خلال الغضب الشعبي والرسمي العارم الذي وصل صداه إلى كُـلّ الأرجاء.

وفي الخطاب الملهم الذي ألقاه قائد المسيرة القرآنية الجمعة الماضية، العديد من الشواهد الحية والماضية والعديد من الآيات التي تدلنا جميعاً إلى الحيثيات والأسباب والدوافع التي جعلت الأعداء يستهدفون القرآن الكريم بهذا الشكل، مكرّرين شواهد العداء لهذا الكتاب المقدس منذ بواكير نزوله على خير البشر.

وهنا تستعرض صحيفة المسيرة جانباً من مقتطفات خطاب السيد القائد، التي سلطت الضوء على مشكلة الأعداء مع كتاب الله الكريم، وما هي الأهداف الذي تخفيها مساعي الاستهداف.

قائد الثورة وفي خطابه تحدث عن عظمة القرآن الكريم وأهميّته في هداية الأُمَّــة والارتقاء بواقعها وجعلها خير الأمم، مُضيفاً “هداية القرآن هي هداية واسعة، وشاملة، وراقية جِـدًّا، فهو يرسم لنا في مسيرتنا في الحياة الأقوم في كُـلّ شيء، والأرقى في كُـلّ شيء، في كُـلّ مجال من المجالات، وشرف المسلمين وعزتهم مرتبطان بالقرآن الكريم”.

ومع ما يمثله القرآن من أهميّة عظيمة ترجح الكفة لصالح المسلمين، تطرق قائد الثورة إلى انزعَـاج الأعداء من هذا الأمر، وتمسكهم بخيار إبعاد الأُمَّــة كتابها، كي يسهل احتلالها وإذلالها.

وهنا يقول السيد القائد: “إن مشكلة قوى الطاغوت والكفر والاستكبار والنفاق مع القرآن الكريم كانت مشكلة منذ بداية نزوله، ومنذ بداية الرسالة الإلهية به على رسول الله -صلوات الله وسلامه علـيْه وعلى آله-، فالقرآن الكريم كان منذ البداية المعجزة الخالدة، والمعجزة العظيمة، وعامل جذب وتأثير كبير وهداية، من جانب إعجازه، وفي أثره النفسي، وفي هدايته، وحجته، وبيانه، ومضامينه العظيمة والنافعة، وفيما يقدمه من علومٍ ومعارف وهدايةٍ واسعة”.

ويضيف السيد القائد في حديثه: “لـــذلـك كان من أهم ما يركز عليه الكافرون وقوى الطاغوت والاستكبار، المجرمون والمضلون، كانوا يركزون على محاربة القرآن نفسه، بالدعايات، والإساءَات، والتشويه، واشتهر عنهم مما ركزوا عليه في دعاياتهم ضد القرآن الكريم دعاية أنه سحر”.

ويواصل حديثه بالقول: “من صدر الإسلام وكانوا هم في مقدمة من انزعج انزعَـاجاً شديداً من رسالة الله سبْحانه وتعالى، ومن كتابه ورسوله، وتوجّـهوا للحرب والصد للمجتمع البشري عن الاهتداء بالقرآن الكريم، ولذلك يقول الله عنهم في القرآن الكريم: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}”.

 

أسرار عداء الأعداء للقرآن وطرق فصله عن الأُمَّــة

ويلفت قائد الثورة إلى أنها “تكرّرت هذه الدعاية التي تتضمن -من جانب معين- انبهارهم بالقرآن الكريم، واعترافهم بتأثيره الكبير، وبعظمته، وبأهميته، فشنوا هذه الدعاية في الإساءة إليه، والتحذير منه، وكانوا في حالة عجز أمام إعجاز القرآن الكريم من جهة بلاغته، وفصاحته، وهدايته، وتأثيره على المستوى الروحي والنفسي بشكلٍ إيجابي عظيم، ووصل بهم الحد في محاربتهم له عندما كانوا يقولون: (لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)”، مؤكّـداً أن الأعداء والمشركين والكفار “كانوا يحذرون حتى من الاستماع إليه، من الإصغاء إليه، وينفرون الناس عنه، ويحاولون أن يفصلوهم عنه، على مستوى الاستماع، وعلى مستوى الاهتداء والاتباع، ومشكلتهم معه فيما يتضمنه”، وهنا شواهد حية تؤكّـد مصداق ما قاله السيد القائد، حَيثُ تكرّرت عملية الاستهداف للقرآن الكريم عبر عدة مسارات، آخرها ما حدث في الغرب وما زال يحدث وينتشر من إحراقٍ للمصاحف ومحاولاتٍ لتغييب القرآن عن واقع الناس ومتناولهم.

وفي السياق يوضح السيد القائد مسارات المشاكل القائمة بين القرآن الكريم وأعداء الإسلام، حَيثُ يؤكّـد أن هناك مشكلتين، أولهما مشكلة على المستوى الإجمالي، وثانيهما على المستوى التفصيلي.

ويواصل السيد القائد حديثه بالقول: “مشكلتهم معه إجمالاً، أنه المعجزة الكبرى الخالدة لرسول الله -صلوات الله علـيْه وعلى آله-، وأنه يؤثر أثراً عظيماً، سر من أسراره العجيبة: أودع الله فيه الأثر العجيب على المستوى الروحي والنفسي”.

ويتبع السيد القائد حديثه: “هو أَيْـضاً على المستوى التفصيلي، في ما يقدمه من مبادئ، في ما يقدمه من قيم، في ما يقدمه من تعليمات، إذَا أخذت بها البشرية، يتحقّق بذلك لها إقامة القسط، وتحقيق العدل، في تزكيته للنفس البشرية، في ما يواجه به الضالين، والمفسدين، والمستكبرين، والمجرمين، الذين يمثلون مصدر شر وخطر على المجتمع البشري، ولا يقبلون بهدى الله سبْحانه وتعالى، ولا يتزكون به”.

وفي تأكيد أن القرآن الكريم يحمل من الأمور ما يجعل أعداء الله وأعداء الإسلام يلجؤون إلى استهدافه وفصله عن أصحابه، كي يظلوا في حالة دائمة من السيطرة على الأُمَّــة، بدلاً من أن يحصل عكس ذلك، يقول السيد القائد -حفظه الله- “لذلك مشكلتهم معه هي إجمالاً وتفصيلاً، مشكلة انزعَـاج كبير، يعتبرونه أكبر عائق أمامهم، أكبر عائق أمامهم في سعيهم للسيطرة على المجتمع البشري، وما يعتمدونه لتحقيق هدفهم ذلك من إفساد للمجتمع البشري، من إضلال للمجتمع البشري، من سعي للسيطرة عليه بالقوة والجبروت، القرآن الكريم يمثل عائقاً لهم أمام كُـلّ ذلك، فيما يقدمه من هداية ترتقي بالمجتمع البشري، تنقذه، تحرّره، إذَا أخذ بتعليماته يعتز، تمثل صلة له بالله سبْحانه وتعالى، يحظى بعونه، بنصره، بتأييده، ولذلك فهم ينزعجون جِـدًّا من القرآن الكريم، في إطار حربهم التي تستهدف المجتمع البشري نفسه، مشكلتهم مع القرآن لأهميته، ودوره الأَسَاسي في إنقاذ الناس، وتحريرهم من شرهم وفسادهم، فهم يتجهون بحربهم إلى المجتمع البشري لإضلاله، وإغوائه، وإفساده، ويركزون على الإفساد للمجتمع البشري في كُـلّ شؤون حياته”.

ويفصّل قائد الثورة في خطابه جوانبَ من مسارات الإفساد التي يسعى من خلالها الأعداء إلى فصل الأُمَّــة عن كتابها واقعاً واعتناقاً واعتقاداً وانتهاجاً، وفي جوانب متعددة، حَيثُ يؤكّـد السيد القائد أن هناك مسارين عريضين ينتهجها الأعداء المفسدون، تتمثل في “الإفساد في الجانب الأخلاقي، والإفساد في الجانب الاقتصادي”.

ويشير إلى أن الأعداء يتحَرّكون بالإفساد في كُـلّ مناحي الحياة، في المقابل ينوّه السيد القائد إلى أن “القرآن يمثل أكبر عائق أمامهم في ذلك، إذَا بقي المجتمع البشري مرتبطاً به، مهتدياً به، فهو يحصنه، وهو أَيْـضاً كفيل بأن يرتقي به إلى مستوى الحصانة الثقافية، والفكرية، والأخلاقية، والتحرير للمجتمع البشري من العبودية للطاغوت كعنوانٍ أَسَاسي في القرآن الكريم”.

وفي خضم خطاب قائد الثورة يحفظه الله، يتبع حديثه بتسليط الضوء على طريقة حرب الأعداء ضد القرآن، “وضد ما يدعو إليه القرآن، وما أتى به القرآن الكريم، في عناوينه الأَسَاسية، في تعليماته المباركة”.

ويبين السيد القائد أن “أول عنوان أتى به القرآن الكريم: هو تحرير الناس من العبودية للطاغوت، أن يكونوا عبيداً لله، وأن يتحرّروا من العبودية للطاغوت، وقوى الطاغوت والاستكبار من أهم أهدافها، وفي مقدمة ما تسعى إليه، هو: الاستعباد للناس، الإخضاع التام للمجتمع البشري لهم، لمصالحهم، لأهوائهم، لرغباتهم، لأطماعهم، وأن ينقاد لهم المجتمع البشري انقياداً تاماً ومطلقاً في كُـلّ أهوائهم، ورغباتهم، وأطماعهم، وما يسعون إليه، والقرآن الكريم إذَا اهتدى به المجتمع البشري -كما هو حال المؤمنين الصادقين الذين يهتدون به- يتحرّرون من سيطرة الطاغوت، وقوى الطاغوت بكلها، ولذلك مشكلتهم مع القرآن الكريم أنه كتاب حرية في مفهومها الصحيح، يحرّر المجتمع البشري من هيمنتهم، من سيطرتهم، ويرقى به إلى مستوى المواجهة والتصدي لشرهم، لفسادهم، لإضلالهم وإغوائهم، وتحصينه كذلك، فحربهم هي من هذا الجانب، وتجاه هذا العنوان المهم”.

وأمام مساعي الإفساد والتحريف التي يتقمصها الأعداء باستمرار، يؤكّـد قائد المسيرة القرآنية أن “القرآن الكريم هو كتاب تزكية، يقدم ما يزكي النفس البشرية، ويصلحها، ويربي على مكارم الأخلاق، ويحصن الإنسان، ويرتقي به، ويطهره من الرذائل والمفاسد، التي تمثل ضرراً كَبيراً على الإنسان، لها تأثير سلبي كبير، هي تدنس الإنسان، وتنحط به عن كرامته الإنسانية، عن قيمته الإنسانية، وهي تؤثر عليه في واقع حياته، هي جرائم تفسد عليه نفسيته، تفسد عليه حياته، تفكك بنيته الأسرية، فلذلك هم ينزعجون من القرآن الكريم ككتاب تزكية”، وهنا إشارة من قائد الثورة إلى أن نتيجة إبعاد القرآن عن متناول المسلمين يعني وقوعهم في مستنقع الفساد بكل أنواعه، والذي يقود في الأخير إلى الغرق في وحل العبودية والخضوع للأعداء.

ويتطرق قائد الثورة إلى مسارات الأعداء في إفساد الأُمَّــة على المستوى الأخلاقي بعد أن يتمكّنوا من صد الأُمَّــة عن دستورها الرباني المتمثل في القرآن الكريم، حَيثُ يقول في خطابه: “في المقابل ماذا يعملون في حربهم على المجتمع البشري، وفي صدهم عن القرآن الكريم، عن الاهتداء به، وهو يزكي النفس البشرية، يزكي المجتمعات الإنسانية، يتجهون هم في المقابل لنشر الرذائل، لنشر المفاسد، للترويج لها بكل ما يمتلكون من وسائل، بكل ما يستطيعون من إغراءات، ويعملون لذلك بشكلٍ كبير جِـدًّا، وصل في هذا العصر إلى أحط مستوى، عندما يتحَرّكون لنشر الرذائل، والفساد الأخلاقي، والجريمة، والفاحشة تحت عنوان المثلية وغيرها من الجرائم الأخلاقية، ثم يحاولون أن يؤطروا ذلك، وأن يوفروا الحماية لذلك، من خلال إدخَالهم لذلك تحت عنوان الحقوق والحريات، ويقدمون لذلك الدعم الكبير، دعم سياسي، دعم تحت العناوين الأُخرى، في الإطار القانوني، في إطار الحريات، في إطار الحقوق وهكذا في عناوينهم وفي أساليبهم التي يروجون لها بشكلٍ كبير، وبشكلٍ لم يُبقِ لديهم ذرة من الحياء، ولا ذرة من احترام القيم الفطرية الإنسانية، التي فطر الله الناس عليها”.

 

ترك القرآن يقود نحو الميل مع أعدائه.. شواهد حية

ويتبع السيد القائد حديثه في هذا الصدد بالقول: “أيضاً من مظاهر محاربتهم للمجتمع البشري، فيما يواجهون به القرآن، ويرون القرآن في نفس الوقت يمثل مشكلة عليهم في ذلك، هو: في ربطهم للولاءات بالجانب المادي، وهو من أسوأ ما يعملونه في المجتمع البشري، فهم يجعلون الولاءات مرتبطة بالمال، بالمصالح المادية، ويجعلون المصالح المادية أَسَاساً للروابط التي يتبعها المواقف، يتبعها التوجّـهات، وبذلك يؤسسون للانحراف بالمجتمعات تحت هذه العناوين، في مواقفها، وفي توجّـهاتها، ويهيئونها لتقبل ما يأتون به هم من باطل، وضلال، وإغواء، وفساد، ومنكر، ورذائل… إلخ”، وهنا إشارة من قائد المسيرة القرآنية إلى ما يحدث من تحريف وانحراف خطير لمفهوم الولاية لله ولرسوله ومخاطرها الكارثية على الإسلام وأبنائه ومقدساته، وخير الشواهد هنا ما يحدث في عدد من دول الخليج التي سقطت في مستنقع التطبيع، وانحرفت بولائها من الولاء لله ولرسوله إلى الولاء للأعداء والأشرار، وقد أفرز هذا الانحراف الخطير ما حدث في البحرين عندما قامت السلطات البحرينية بقمع المتظاهرين الذين خرجوا احتجاجاً على حرق القرآن في السويد وهولندا والدنمارك، في سقوطٍ فظيع يؤكّـد مدى خطورة السقوط في فخ التحريف بمعنى الولاية الحقيقية، ليتأكّـد للجميع مصداق ما قاله قائد الثورة في خطابه وفي الخطابات السابقة المستنبطة من التعاليم الربانية المحمدية المعمدة في القرآن الكريم والسيرة النبوية المحمدية النقية والأصيلة.

وترسيخاً لهذا المفهوم يجدد قائد الثورة التأكيد على أن “القرآن الكريم هو الذي يحصن المجتمع البشري، ويحصن المؤمنين، ويبني ولاءاتهم على أَسَاس من القيم والمبادئ، المبادئ التي هي حق، المبادئ الإلهية العظيمة، وهذا يزعج قوى الطاغوت، وقوى الكفر؛ لأَنَّهم يريدون أن يتجهوا بالمجتمع ليكون متقبلاً لهم إلى درجة أن يواليهم، ثم يتقبل ما يأتون به”، وهنا نكرّر الإشارة إلى ما ذكرناه في الفقرة السابقة بشأن إفرازات انحراف السلطات البحرينية عن المفهوم السامي للولاية، ومثلها في باقي دول التطبيع.

وفي ذات الصدد ومن خلال سعي الأعداء “إلى فصلنا عن الاهتداء بآيات الله، بهدى الله سبْحانه وتعالى؛ لأَنَّه الذي يحصن مجتمعنا، ويحصننا من التأثر بهم، من مساعيهم في الإضلال، ومساعيهم في الإفساد، وحربهم بكل أشكالها” يؤكّـد قائد الثورة أن هناك نوعين بارزين من الحرب التي يشنها الأعداء على المسلمين لفصلهم عن كتابهم وهما “الحرب الصلبة والعسكرية”، وكذا “الحرب الناعمة والشيطانية المفسدة”، وهاتان الحربان يندرج تحتهما العديد من الأساليب الشيطانية التي تصب في ذات الهدف، وقد سبق أن وضحها السيد القائد في هذا الخطاب وما ذكر من عرض بعض مقتطفاته، وكذلك في خطابات سابقة.

وبعد أن أوضح جانباً من الشواهد التاريخية التي تكشف مدى الحرب التي يشنها الأعداء على القرآن الكريم وأهدافها ونتائجها، يبين قائد الثورة شواهد حية، حَيثُ يشير قائد المسيرة القرآنية إلى أنه “في زمننا هذا، فَـإنَّ اللوبي الصهيوني اليهودي يتصدر أكبر نشاط معاد للإسلام والقرآن والمسلمين في الساحة العالمية، ينشط في مختلف البلدان، وليس يستهدفنا فقط في ساحتنا الإسلامية، جزء كبير من نشاطه يتوجّـه لاستهدافنا في ساحتنا الإسلامية، في بلداننا، ولكنه ينشط على مستوى واسع، ينشط حتى في أمريكا، في أُورُوبا، في أستراليا، في مختلف البلدان، يتحَرّك بشكلٍ نشط، وبشكلٍ واسع”.

ويتبع السيد القائد حديثه بالقول: “عندما نرى مثلاً في هذه الأيّام -وهي ليست بالحوادث الجديدة، بل في الأعوام الماضية تكرّرت أمثال هذه الحوادث- جرائم من أشنع الجرائم، وأكبر الجرائم، هي جرائم حرق القرآن الكريم في عدد من البلدان الأُورُوبية، في عدة دول من البلدان الأُورُوبية، تكرّرت هذه الجريمة خلال الأعوام الماضية، وتتكرّر هذه الأيّام، في أكبر تصرف عدائي ضد الإسلام والمسلمين، الحرق للقرآن الكريم، والتدنيس للقرآن الكريم، وإعلان العداء للقرآن الكريم وللإسلام والمسلمين، وارتكاب اعتداء مشين وسيئ يمثل استفزازاً كَبيراً جِـدًّا للمسلمين، وتحدياً لهم، واستهانة بهم، وفي نفس الوقت هو شاهد واضح على مدى انزعَـاجهم من القرآن الكريم، وضعفهم أمام القرآن الكريم، كم لهم من أنشطة هائلة وواسعة ومتنوعة في الجوانب التثقيفية، في الجوانب التعليمية، في الجوانب الأُخرى: {بأفْواههمْ}”.

ويواصل قائد الثورة خطابه في هذا الشأن بالحديث عن الحرب الناعمة والإفسادية التي هي أشد خطورة من الحرب العسكرية وَالصلبة، حَيثُ يشير قائد المسيرة القرآنية إلى أن للأعداء “نشاطا واسعا جِـدًّا في محاربة القرآن، في فصل الأُمَّــة عن القرآن الكريم، في العمل بشكلٍ صريح وواضح في الكفر بالقرآن، والتحذير منه، والإبعاد للناس عنه، أَو بشكلٍ مبطن، وبشكلٍ خفي، وبوسائل مضلة للناس، للانصراف بهم تلقائياً عن القرآن الكريم، مثلما هو طبيعة نشاطهم في الأغلب في ساحتنا العربية والإسلامية، لهم نشاط واسع، لكنه في كثير منه ليس نشاطاً صريحاً في العداء للقرآن، أَو التحذير من القرآن، هم يحاولون أن ينصرفوا بالناس تلقائياً عما يهدي إليه القرآن، من خلال تقديم بدائل مخالفة تماماً للقرآن الكريم، يحاولون أن يروجوا لها، أن يقنعوا الناس بها، أن يدفعوا بالناس لاتباعها، للاعتقاد بها، للتثقف بها، للتحَرّك على أَسَاسها، وهي بدائل مخالفة للقرآن الكريم، هذه طريقة ووسيلة واحدة من وسائل صرفهم للناس عن الاهتداء بالقرآن الكريم، وعن التمسك بالقرآن الكريم، وعن الاتباع للقرآن الكريم، ولكن لهم أَيْـضاً نشاط صريح وواضح وعلني في الكفر بالقرآن الكريم، في التحذير من القرآن الكريم، في ترسيخ العداء للقرآن الكريم، ومحاولة أن يصنعوا حواجز حتى في نفوس الناس، حواجز متنوعة، حواجز تصل إلى درجة العداء للقرآن الكريم، ليفصلوا الناس عنه؛ لأَنَّهم يرون فيه أكبر خطر بالنسبة لهم، وأكبر منقذ للبشرية من ضلالهم، وفسادهم، وشرهم، وإجرامهم”.

ويؤكّـد السيد القائد برهان حديثه في هذا الجوانب من خلال الاستدلال بالشواهد الحية التي نعاصرها في هذه الأيّام، حَيثُ يتبع قائد الثورة في خطابه بالقول: “إن الحوادث التي تأتي في أُورُوبا، الجرائم البشعة التي يقومون فيها بإحراق المصحف، هي تأتي في سياق حربهم على المجتمع البشري، وسعيهم لفصله عن القرآن الكريم، وترسيخ العداء للقرآن الكريم، أن يفصلوا المجتمع البشري إلى هذا المستوى، إلى هذه الدرجة، ليحولوه معادياً للقرآن الكريم، وَأَيْـضاً ليصنعوا العداء للإسلام بشكلٍ عام، وهم قلقون إلى حَــدٍّ كبير من انتشار الإسلام في أنحاء الأرض، في أنحاء العالم، انتشار الإسلام حتى في البلدان الأُورُوبية، هناك خواء روحي، وهناك ضياع للقيم، وهناك وضعية سيئة جِـدًّا، تركت أثراً سيئاً جِـدًّا في المجتمعات الأُورُوبية، وفي مختلف المجتمعات غير المسلمة، ولا يعالج تلك الوضعيات السيئة إلا هدى الله سبْحانه وتعالى، إلا نور الإسلام العظيم، إلا المبادئ الإلهية والقيم الإلهية التي يسمو بها الإنسان، وتمثل حلاً لمشاكل الإنسان، وهذا ما يلمسه من يقْبل إلى التعرف على الإسلام بموضوعية، في الغرب بشكلٍ عام، أَو في أي بلد من البلدان، في أية جهةٍ من الجهات، من يقْبل على التعرف على الإسلام بموضوعية، ويعتمد على القرآن الكريم، فهو يتأثر، وينجذب إلى الإسلام، وينجذب إلى القرآن الكريم، وهذا هو العامل المؤثر في نفوس الكثير ممن التحقوا بالإسلام، وأعلنوا إسلامهم في أُورُوبا، وفي أمريكا، وفي الغرب بشكلٍ عام، كان العامل الأول المؤثر عليهم الذي اقتنعوا من خلاله بالإسلام هو القرآن الكريم، فانزعَـاج الأعداء منه انزعَـاجا شديدا، لعظمته، لدوره المهم، فيتصرفون بهذا التصرف الأرعن والعدائي والأحمق”.

ويؤكّـد قائد الثورة أن هذه الجريمة لا تحمل أي مبرّر سوى أنها تأتي في سياق العداء التاريخي المتواصل من قبل الأعداء تجاه الإسلام والقرآن الكريم على وجه الخصوص، نظراً لاحتوائه على التركيبة الربانية التي تقود الأُمَّــة للفلاح وتوصل أعدائها للهلاك، وهو ما يخشاه الآخرون، وقد فصّل قائد الثورة هذا الجانب في ما ذكر من مقتطفات في هذا العرض الذي يسلط الضوء على خطابه الملهم في عيد جمعة رجب.

 

جرائم غير مبرّرة.. خطر يستوجب التحَرّك

وعطفاً على أن قائد الثورة اعتبر هذه الجريمة استفزازاً كَبيراً وانتهاكاً صارخاً، فقد أكد أنه “لا مبرّر لهم في ذلك، تصرفهم عدائي، تصرفهم إجرامي، تصرفهم فيه إساءة كبيرة جِـدًّا إلى الله سبْحانه وتعالى، إلى رسله وأنبيائه، إلى القرآن الكريم وكتب الله بكلها؛ لأَنَّه خلاصة الكتب الإلهية، التي تضمنها واحتواها، فتصرفهم تصرف إجرامي شيطاني، وكفر عظيم، من مظاهر كفرهم الكبيرة بالقرآن الكريم، وهو شاهد على عدائهم الشديد للمجتمع البشري، ومشكلتهم مع القرآن كما بينا”، في حين يستدرك قائد الثورة حديثه بالإشارة إلى القرآن ومشكلة الأعداء معه، وذلك بقوله: “مشكلة معه في إنقاذه للمجتمع البشري من العبودية لهم، وفي تزكيته للمجتمع البشري”، مؤكّـداً أن الأعداء “يقابلون ذلك في سعيهم الدؤوب لتدنيس المجتمع البشري وإفساده، ونشر الرذائل، والعمل على ضرب المجتمع البشري في أخلاقه وقيمه، حتى الإنسانية والفطرية.. فمشكلتهم مع القرآن الكريم مشكلة معروفة”.

ومن خلال ما ذكر أعلاه، وما تطرق إليه قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي –يحفظه الله– يتأكّـد للجميع أن القرآن الكريم وهديه الرباني هو السلاح الوحيد الذي يقي الأُمَّــة من الغرق في الخضوع والعبودية للأعداء، في حين أن سلاح الأعداء في النجاة من حتمية السنن الكونية المقرّة برضوخ وخضوع أعداء الله وأعداء الإسلام، تتمثل في فصل الأُمَّــة عن كتابها، وهنا أصبحت الأُمَّــة والقرآن العظيم بين خيارين لا ثالث لهما، وهو أما أن يصير كما يجب سلاح عزة وقوة ورفعة للمسلمين، أَو أن يتم فصله عن المسلمين وهنا يصبح الواقع خضوعا واستسلاما وعبودية وذلا وقهرا وواقعا مظلما تطرق إليه قائد الثورة وحذر من كارثية الوصول إليه، وفي الجوانب الأُخرى من هذا الخطاب أَو ما شابهه من خطابات في مقامات سابقة هدي قرآني رباني يدفع كُـلّ من كان له قلب سليم نحو التشبث بكتاب الله العظيم، لتفادي الخسارة في الدنيا والخسارة الأكبر والأفظع في الآخرة، وفي هدي الله ورسوله وأوليائه ما ينجي كُـلّ من آمن أَو ألقى السمع وهو شهيد.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com