عزلة المملكة: أزمة خاشقجي تكشف هشاشة النظام السعودي

المسيرة: إبراهيم السراجي

أظهرت قضيةُ اختفاء/ مقتل الصحافي السعوديّ جمال خاشقجي في الثاني من الشهر الجاري، حجمَ هشاشة النظام السعوديّ، خصوصاً في الـ 24 ساعة الماضية مع تزايد الضغوط الدولية على الرياض على خلفية القضية ذاتها، ليس لأبعادها الإنْسَـانية كما هو ظاهرُ تلك الضغوط؛ وإنما باعتبارها فرصةً مفتوحةً للدول الغربية للحصول على ما أمكن من مليارات نفط المملكة.

هشاشةٌ أظهرها ما بدا أنه تعميمٌ وُزِّعَ على وسائل الإعلام السعوديّة، يدعو الدولَ العربية والإسْـلَامية إلى “رَدّ الجميل” بالوقوف إلى جانب المملكة أمام ما تتعرّضُ له من ضغوط.

إلى حَــدِّ الآن وعلى المستوى الرسمي، اكتفى النظام السعوديّ بتصريح لمَصْدَرٍ مسؤول بوزارة الخارجية لم يسمه يقول إن بلاده سترد على أية إجراءات بحقها بإجراءات أَكْبَــر، مستدعياً -كما هي عادة النظام السعوديّ في مآزقه- البُعد الإسْـلَامي ووجود الحرمين؛ باعتبارِ ذلك يوجب على العالمين العربي والإسْـلَامي الوقوف إلى جانب النظام السعوديّ للتخلص من تبعات جرائمه.

غير أن رد الفعل هذا قوبل بتصلب واضح للمواقف الغربية، إذ صدر بيان مشترك عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا يؤكّـد على ضرورة أن تقومَ السعوديّة بالتعاون لكشف ملابسات اختفاء الصحافي خاشقجي إذا لم يكن لديها ما تخفيه أَوْ ما يؤكّـد عدم تورطها في القضية، بمعنى أن تلك الدول أرادت إيصالَ رسالة للنظام السعوديّ أن ثمة اصطفافاً دولياً لمواجهة أية محاولة منه لاستخدام سلاحه الوحيد وهو سلاح النفط للرد على عقوبات غربية محتملة على الرياض.

هذا الاصطفاف الدولي سَرعانَ ما أثمر بتراجع النظام السعوديّ عن تهديداته التي صدرت عن مَصْدَرٍ بالخارجية، فلم تمضِ سوى ساعات حتى خرجت السفارة السعوديّة في واشنطن التي يقفُ على رأسها خالد بن سلمان نجل الملك والذي قال إن بلاده “تقدر لجميع الدول وخصوصاً إدَارَة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التريثَ في قضية خاشقجي”. بيانٌ لم يكن له من هدف سوى نسف تصريحات المَصْدَرِ المجهول بالخارجية السعوديّة، فما من دول أعلنت أنها تتريث في قضية خاشقجي بما فيها إدَارَة ترامب التي تصر مع الدول الغربية على ضرورة سرعة الكشف عن ملابسات القضية.

وفيما بدا أنه إمعانٌ أمريكي في إهانة النظام السعوديّ رغم تراجع الأخير عن تهديداته بل وإشادته بالبيت الأبيض، أكّد مستشار ترامب أن الأخير جاد جداً في فرض عقوبات قاسية على النظام السعوديّ إذا ثبت تورطه بقضية اختطاف أَوْ قتل خاشقجي.

الهلعُ كان ظاهراً على نطاق أوسع في وسائل الإعلام السعوديّة الخاضعة لسيطرة ولي العهد محمد بن سلمان، من خلال التغطية المفتوحة التي خصصت للتأكيد على ضرورة أن تقومَ الدول العربية والإسْـلَامية وغيرها بالوقوف إلى جانب السعوديّة؛ باعتبارِ ذلك “رداً للجميل” المتمثل بالأموال السعوديّة التي صُرفت على تلك الدول خلال الفترة الماضية.

وباعتراف أبواق النظام السعوديّ، تشعرُ المملكةُ اليوم أنها في عزلةٍ تقفُ وحيدةً تحاصرها عاصفةُ ضغوطات دولية، وحدةٌ أجبرت النظام السعوديّ على التراجع عن تهديده الخجول بالدفاع عن نفسه خلال ساعات قصيرة.

في هذا السياق وضمن تغطية القنوات السعوديّة قال السياسي والمحلل السعوديّ علي النعيمي عبر قناة العربية: “يرادُ من الاستهدافَ للسعوديّة أن تتحولَ لسوريا أَوْ ليبيا أخرى”، مضيفاً أن “استهداف محمد بن سلمان استهداف لمشروعة”.

ووفق تعليمات مسبقة بدأها أحد أمراء آل سعود عبر موقع تويتر أطلقت وسائل الإعلام السعوديّة تهديدات للسعوديّين والدول أيضاً التي لم تساند النظامَ في أزمته هذه من خلال وصف المحايدين بالخونة سواءٌ أكانوا سعوديّين أَوْ دولاً، حيث على سبيل المثال قال النعيمي: إن “الوحدة السعوديّة سياجٌ وحمايةٌ والحياد جريمة وخيانة”، مضيفاً أنه “حان الوقت لرد الجميل للمملكة ولا خيار لنا إلّا أن نكون معها”.

على هذا النحو انشغل الإعلامُ السعوديّ، غير أن المملكة لم تحظَ بالتضامن الذي تنشُدُه بالتهديد والترغيب، فالمواقفُ اقتصرت على بعض المنظّـمات الممولة سعوديّاً مثل رابطة العالم الإسْـلَامي الباكستانية والسلطة الفلسطينية وحكومة الفار هادي، بالإضَافَـة إلى تصريح من الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني، حيثُ تجدر الإشارة إلى أن الأخير منذ بدء الأزمة الخليجية يصدر بياناتٍ على هوى السعوديّة عادةً ما تعترض عليها دولٌ خليجية بينها قطر تتبرأ من مواقف الزياني وتؤكّـد أن ما يصدر عنه لا يحظى بتوافق خليجي.

 

  • ابن سلمان يترنح

أَكْثَــرُ المتضررين من أزمة اختفاء الصحافي خاشقجي هو ولي العهد السعوديّ محمد بن سلمان الذي تشير كُلّ القرائن إلى مسؤوليته المباشرة عن قتل خاشقجي بتنفيذ عناصرَ سعوديّة أمنية من أبرز الشخصيات المقرّبة إليه.

وفيما تؤكّـد تقاريرُ بينها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكي أن الدول الغربية الحليفة للسعوديّة ترى أن تخليص الأخيرة من أزمتها الحالية ربما يكون عبر إقصاء ولي العهد بن سلمان وتحميله مسؤوليةَ الجريمة وليس النظام بكله، مشيرةً في هذا السياق إلى استدعاء شقيقه خالد الذي يعملُ سفيراً لدى واشنطن الذي بات مرشحاً لخلافته، وفقاً لتلك التقارير.

ما يؤكّـد هذه الفرضية هو تركيز الإعلام السعوديّ وخصوصاً، أمس الأحد، على استضافة المحللين السياسيين للدفاع عما يصفونه “مشروع بن سلمان للإصلاح” في إطار حملة إعلامية منظّـمة تزامنت مع حملة موازية في مواقع التواصل يقودها الجيش الإلكتروني السعوديّ ضمن وسم “كلنا ثقة بمحمد بن سلمان” ثقة يبدو أن الأخير قد فقدها بنفسه.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com