الموقفُ السعوديّ من العدوان الصهيوني على غزة.. اصطفافٌ مع الأمريكيين لتصفية القضية الفلسطينية

المسيرة | عباس القاعدي:

أفرز العدوانُ الصهيوني الأمريكي على قطاع غزة مواقفَ الكثير من الدول، وعرَّاها أمامَ العالم وشعوب المنطقة، ومن بينها الموقف السعوديّ المذل والمخزي والمنحاز للجلاد ضد الضحية.

وتشير عدد من وسائل الإعلام الدولية، إلى أن النظام السعوديّ يدعم من الخفاء الكيان الصهيوني ويمده بالمال، ويطالب الصهاينة بالمسارعة في القضاء على حركة حماس، والتي يكن لها العداء الشديد منذ صعود ابن سلمان إلى سدة الحكم.

وإلى جانب ذلك يدعم النظام السعوديّ الأقلام المأجورة من كتاب وإعلاميين وذباب إلكتروني لشن حملات دعائية تستهدف حركات المقاومة الإسلامية في لبنان والعراق واليمن، والسخرية من إنجازاتها في مواجهة الكيان الصهيوني المحتلّ، دون الحديث عن واجب شعوبها وحكامها تجاه ما يجري.

وفي هذا السياق يقول القيادي في تحالف الأحزاب المناهضة للعدوان سند الصيادي: “ليس غريباً علينا هذا الموقف الرسمي للمملكة السعوديّة، ولم يخب ظنُّ اليمنيين بهذا الموقف السعوديّ من الحرب الوحشية وجرائم الإبادة الجماعية، التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وأبناء غزة تحديداً من قبل الكيان الصهيوني الغاصب”.

ويرى أن “تجربة الثماني سنوات من العدوان السعوديّ الأمريكي على اليمن كشفت لنا مدى التماهي والتناغم والشراكة بين النظام السعوديّ والولايات المتحدة وإسرائيل، فالحرب التي شنت على اليمن هي حرب صهيوأمريكية بالدرجة الأولى وبأدوات إقليمية”.

ويضيف أنه “ولطالما قدمت المملكة نفسها عدواً لفلسطين وشعبها وشعوب الأُمَّــة العربية والإسلامية، وكأدَاة صهيونية غربية متقدمة ومطوعة للنيل من كُـلّ المشاريع القومية والإسلامية التحرّرية”، موضحًا أن “مواقف السعوديّة السياسية والإعلامية على كافة المجالات تعزز الحقيقة المتراكمة وتزيد من تكريس القناعات لدى الرأي العام والشارع العربي والإسلامي بكون النظام السعوديّ أحد المداميك الرئيسية التي يستند عليها وجود الكيان الصهيوني في الأرض العربية والمقدسات الإسلامية”.

وباعتبار النظام السعوديّ يحمل راية التوحيد ويجثم على المقدسات الإسلامية ويقدم نفسه خادماً للحرمين والمشاعر المقدسة، يقول الصيادي إن هذا النظام لم يكلف نفسه وهو يرى ما تتعرض له غزة من جرائم إبادة وعزل كلي وقطع لكل إمدَادات الحياة أن يتقمص حتى دوراً إنسانياً ولو على سبيل الاستعراض، ويستخدم علاقاته المتينة مع الكيان وأمريكا في سبيل إدخَال المساعدات الإنسانية لأبناء القطاع إن لم يستخدم علاقاته لوقف هذه المجازر.

ويؤكّـد أن مؤسّسته الدينية التي كانت تصدر الفتاوي التحريضية للجهاد ضد أشقاء الدين والعروبة في سوريا واليمن وغيرها، بلعت ألسنتها وتوارت أمام ما يرتكب بحق الشعب العربي المسلم في فلسطين، وأبعد من ذلك صارت تلوم فصائل المقاومة.

وبشأن إقامة فعاليات الرقص ضمن موسم الرياض، بالتزامن مع ما يجري في غزة، يبين الصيادي أن “هذا النظام أحال المشاعر المقدسة إلى ساحات مجون ورقص، وصادر رسالتها التي يفترض أن تنتصر للمسلمين ومقدساتهم وقضاياهم، فقد تجاوز نظام المملكة كُـلّ القيم الدينية والإنسانية، وغاب عنه كُـلّ احترام لمشاعر المسلمين عُمُـومًا وأبناء فلسطين على وجه الخصوص، وسقط في وحل مهين من العمالة والارتهان لدرجة أنه لم يسمح حتى لمواطنيه بالتعبير عن تضامنهم مع أشقائهم في فلسطين، حتى أسوة بأسياده في ِأمريكا وغيرها”.

 

دعم ومباركة سعوديّة:

وتبرز من جديد المواقف السعوديّة العدائية ضد العرب والمسلمين من خلال ما يمارسه النظام السعوديّ وكل مؤسّساته من دعم ومساندة سياسية وعسكرية ومالية لكيان العدوّ الصهيوني ليواصل قتل وإبادة الشعب الفلسطيني.

هذا ما تؤكّـده الصحف الدولية التي توضح بأن قيادات المملكة العربية السعوديّة هم الذين يمولون العدوان الصهيوني ضد شعب غزة، مؤكّـدة أن ما تسمى “إسرائيل” تعتمد كَثيراً على الدعم المالي من المملكة العربية السعوديّة وخَاصَّة في الحرب الجوية والبرية ضد غزة؛ بهَدفِ القضاء على حركة المقاومة الإسلامية حماس.

ووفق خبراء فَــإنَّ المملكة العربية السعوديّة لا تدعم فقط العدوان الإسرائيلي على غزة، لكنها أَيْـضاً وعدت نتنياهو بدفع 8 مليارات دولار كخطوة أولى مقابل الجهد الحربي لكيان الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه على غزة، وكجزء من أكبر صفقة في التاريخ إذَا نجح في القضاء على حماس، موضحةً أن هذا يفسر إصرار نتنياهو على الاستمرار في اجتياح غزة رغم الخسائر الكثيرة التي يتلقاها جيشه خلال محاولته التسلل جنوب قطاع غزة.

وبحسب هذه المعطيات فَــإنَّ مشاركة دعم النظام السعوديّ للاحتلال الإسرائيلي يفسّر طبيعة الموقف السعوديّ غير المبالي بحصار وإبادة أهالي قطاع غزة ومتابعته سياسة الترفيه من دون تعديل.

وبذلك تبدو البيانات والتصريحات السعوديّة الأخيرة المطالبة بوقف الهجوم البري على غزة موجهة إلى الداخل السعوديّ، وتعد بمثابة الاستهلاك الإعلامي فقط، بينما لم تندّد بالجرائم الإسرائيلية والمجازر الجماعية في غزة، ولم تحمل قادة الاحتلال الأمريكي الصهيوني المسؤولية عن تدمير غزة.

ولهذا تؤكّـد الصحف الدولية أن العدوان الإسرائيلي على غزة جاء بمباركة دولية وإقليمية من دول على رأسها الولايات المتحدة والسعوديّة والإمارات، وأن استمرار الجرائم ومحاولات الهجوم البري على غزة يتم وفق مرسوم ملكي سعوديّ وأن الرياض تمول العدوان الإسرائيلي على غزة؛ بهَدفِ القضاء على المقاومة الفلسطينية حماس وفق مخطّط أمريكي في المنطقة، وأن هذا الهدف أصبح عنوان الصمت السعوديّ تجاه قطاع غزة الذي يتعرض لأكبر عملية تدمير وتخريب طالت المنازل والمساجد والمستشفيات والمدارس.

وبحسب ما يؤكّـده المهتمون بالشأن الفلسطيني فَــإنَّ النظام السعوديّ وبالشراكة مع بعض الأنظمة العربية كان يعمل منذ عقود طويلة من وراء الكواليس مع الصهاينة وأمريكا وأُورُوبا؛ مِن أجل القضاء على المقاومة الفلسطينية، وكذلك القضاء على أصوات المقاومة والنضال والتحرّر في أية دولة عربية، وهذا ما حدث في اليمن وسوريا كنموذج.

 

حربٌ بالوكالة:

وحول تداول الأدوار العدائية فَــإنَّ الاحتلال الإسرائيلي يخوض اليوم حرباً شرسة ضد قطاع غزة نيابة عن كُـلّ من السعوديّة والإمارات ودول وجهات عربية أُخرى، وهو ما يشير إلى دعم تلك الدول بشكل أَو آخر، العدوان الإسرائيلي على غزة الذي دخل شهره الثاني، بينما كان العدوان السعوديّ الإماراتي يخوض حرباً في اليمن نيابة عن العدوّ الأمريكي الإسرائيلي.

ولهذا فَــإنَّ اصطفاف السعوديّة وبعض الدول مع إسرائيل أمر غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، خُصُوصاً أن الدعم السعوديّ والإماراتي لإسرائيل مُستمرّ؛ لذا فَــإنَّ حرب الكيان الصهيوني ضد حماس، تعد حربًا بالنيابة عنهم لإنهاء المعقل القوي والمسلح لمحور المقاومة، وهذا وفق اعتقاد العقل المدبر الأمريكي للعدوان على غزة، حَيثُ يعتقد أن تدمير حركة حماس يعني القضاء على المقاومة وَفيه مصلحة للأمن الداخلي واستقرار المنطقة.

وكون النظام السعوديّ يرغب في مساعدة الولايات المتحدة له في تطوير برنامجها النووي السلمي الوليد، كما ذكرت وكالة رويترز للأنباء نقلاً عن مصادر إقليمية مطلعة، أواخر شهر سبتمبر الماضي، فَــإنَّ الرياض تريد إبرام اتّفاقية دفاع مشترك مع واشنطن تضمن ذود الولايات المتحدة عنها في حال تعرضها للهجوم، وهما مطلبان لا يحظيان بترحيب الجميع في الولايات المتحدة وإسرائيل.

لذا فَــإنَّ السعوديّة تتجاهل بشكل متعمد جرائم الاحتلال، وتجعل منها أمراً طبيعياً، لتحقيق أهدافها الفاشلة أمام الصواريخ اليمنية، التي أثبتت سابقًا فشل الدفاعات الأمريكية وعملية “طُوفان الأقصى” حقيقة الصورة الأمريكية الإسرائيلية، التي وصفَها أحدُ مسؤولي الإدارة الأمريكية بـأنها “11 سبتمبر بالنسبة لإسرائيل”.

وبالإضافة إلى أن المخاوف السعوديّة من الإدارة الأمريكية بخصوص الاقتصاد والأرصدة البنكية في أمريكا، ومن تأثير استمرار الحرب الإسرائيلية في غزة، على إمدَادات النفط والغاز العالمية، ومن ثم على الأسعار، جعلت النظام السعوديّ يقف في زاوية واشنطن غير آمنة، خُصُوصاً بعد ارتفاع أسعار النفط بشكل طفيف نسبياً، في الوقت الراهن، كنتيجة للحرب التي اندلعت عقب الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من شهر أُكتوبر، وارتفاع سعر خام برنت الأُورُوبي بنحو 10 في المئة، ونظيره الأمريكي بنحو 9 في المئة، وتبلغ الأسعار نحو 90 دولاراً للبرميل، وهي لا تزال بعيدة عن مستوياتها التاريخية.

 

رقصٌ على الجراح:

من جانبٍ آخر، ورغم استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة التي تشهد مجازرَ جماعية يرتكبها العدوّ الإسرائيلي، ولاقت تعاطفاً دوليًّا واسعاً تحاول السعوديّة الحفاظ على تركيزها تجاه خطط ولي العهد محمد بن سلمان، لإعادة تشكيل الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، حَيثُ افتتحت على جراح وجثث وأشلاء الشعب الفلسطيني في غزة، فعاليات موسم الرياض 2023م بنسخته الرابعة في العاصمة السعوديّة الرياض، للرقص والغناء بمشاركة نجوم الرقص العالمي، واستضافت منتدى استثمارياً وحفلات موسيقية وحتى عروض أزياء، بينما الشعب الفلسطيني في غزة يعاني من ويلات القصف الإسرائيلي والحصار.

ووفق تقرير من صحيفة “نيويورك تايمز”، فَــإنَّ القصف والعدوان الإسرائيلي قد أثار احتجاجاتٍ في جميع أنحاء المنطقة، مما أَدَّى إلى تنشيط الدعم العربي الصريح للقضية الفلسطينية، ومع ذلك، أوضح المسؤولون السعوديّون أنهم مصممون على منع أية احتجاجات، ومنع كُـلّ ذلك من إلقاء ظلاله على خطط ولي العهد للمملكة، والتي تشمل إعادة تشكيل الاقتصاد لتقليل الاعتماد على النفط وتحويل البلاد إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة، وفق رؤية 2030م التي أطلقها الخائن والعميل ابن سلمان وتهدف إلى تخفيف ارتهان اقتصاد السعوديّة، أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم، للوقود الأحفوري.

وعلى الجانب الآخر، فَــإنَّ موجة المهرجانات والإعلانات والفعاليات التي ميزت حكم ابن سلمان تمضي قدماً بأقصى سرعة، بينما القضية الفلسطينية وفق منشورات مسؤولون سعوديّون نشروها على وسائل التواصل الاجتماعي، تقول: “فلسطين ليست قضيتي”.

وفي جميع البلدان المجاورة للمملكة تقريبًا خرج المتظاهرون إلى الشوارع لمعارضة الحصار الإسرائيلي على غزة، وألغت الحكومات والشركات الحفلات الموسيقية وغيرها من الفعاليات؛ تضامناً مع الفلسطينيين، لكن ذلك غائبٌ في السعوديّة؛ حتى إن الحزن والخوف والغضب الشعبي ضد النظام السعوديّ يغلي في قلوب الأحرار، كما يقول السعوديّون في مقابلات صحفية، مؤكّـدين أن إظهار المشاعر المؤيدة للفلسطينيين ليست موضع ترحيب كامل من حكومتهم.

كما أنّ السعوديّة كانت من ضمن الدول التي لم تشهد أية مظاهرات تضامنية مع قطاع غزة، بالإضافة إلى أن السعوديّة سبق وأنْ منعت طلابها المبتعثين من المشاركة في أية مظاهرة في البلدان التي يدرسون فيها.

ولهذا فَــإنَّ ما تقوم به السعوديّة لا يتعدى كونه إصدار اعتراضات على الوضع المروِّع في قطاع غزة، في حين أنّ ولي العهد السعوديّ محمد بن سلمان يلتقي مع كريستيانو رونالدو للنقاش حول مستقبل الرياضات الإلكترونية.

وأخيراً، ولكشف الخلفيات الحقيقية لكل اللاعبين الراقصين على أشلاء ودماء الفلسطينيين، يجب انتظار ما سيتمخض عنه هذا العدوان الإسرائيلي، فقد بات من المؤكّـد أن العدوان الحالي على غزة سينتهي برسم معادلة جديدة لموازين القوى في المنطقة.

ومن الآن بدأت ملامح معادلة المستقبل تتضح من خلال محور المقاومة من جهة، وإسرائيل مدعومة بأمريكا من جهةٍ أُخرى، تعملان على أن يُحسم الصراع لصالحهما سواءً على الأرض أَو على طاولة المفاوضات، التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة على ضوء نتائج عملية “طُوفان الأقصى”.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com