التطور التاريخي للشخصية الأمريكية العدوانية (2-2) : عالمٌ بأكمله ينسل عن قبضة السيطرة الأمريكية

 

علي نعمان المقطري

لنلاحظ الظاهرة التالية الداعية إلى التأمل العميق في مجرى التراجع والهزائم الأمريكية استراتيجياً، وهي:

1 – إن جميع الدول والشعوب التي كانت تحت السيطرة الأمريكية والغربية، قد شرعت تنسل واحدة تلو الأُخرى عن ميدان الهيمنة الأمريكية والغربية.

2 – إن جميع الدول التي انسلت عن الهيمنة الأمريكية لم تفلح أمريكا في إعادتها إلى بيت الهيمنة مجدّدًا.

3 – إن هناك دولاً أُخرى تبحث عن طريق خاص بها بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، وإن عبرت عن ذلك السعي بأساليب ملتوية وغير مباشرة، ويمكن أن نورد عدة دول من هذا النوع، مثل: الفلبين وباكستان وتركيا ولبنان وفلسطين وأفغانستان وأوكرانيا وقطر والكويت وعُمان.

 

الحكمة الأمريكية الغائبة

حين لا تكون الحكمة جزءاً طبيعياً من تطور شعب أَو أُمَّـة، فَإنَّ البحث عنها يطول، ويقود إلى لا شيء، يقود إلى فراغ هائل تملأه رياح العدوان وعواصف القهر والعبودية والإجرام والإباحية الشاملة أمام شهوات وأطماع ونزوات ومجون وعهر يلازم كُـلّ تصرفات الأمريكي في الأغلب الأعم، ومن هذا الجو والمناخ المشروع يولد الرجال الأمريكيون والقادة الطامحون للسيطرة على العالم ونهبه واستعباده.

إن عزل الدين عن الدولة والمجتمع كانت حيلة ذكية لمنع تسرب القيم الدينية الأخلاقية إلى النفسية الأمريكية والأُورُوبية، ويجب ألا تتسرب إليها قيم الرحمة والأُخوَّة الإنسانية وحب الخيرات والأسرة والجيران والآباء والتسامح إزاء البشرية، فذلك يتعارض مع النفسية الصهيونية الرأسمالية الشرهة الجشعة والتواقة إلى الاستحواذ والتملك لعرق المغلوبين على أمرهم والشغيلة والمساكين بغير حساب ولا رقيب أَو وازع.

لأن تلك القيم الدينية تشكل عقبات كأداء أمام مشاريع الاستعمار والتوحش الإمبريالي، فالآباء المؤسّسون لأمريكا، كما يسمونهم، قد صاغوا لها ما يناسبها من قيم تتفق مع الوظيفة الاستعمارية، ومن القيم والصفات التي تناسبهم وتناسب الرجل المتوحش الذي يقتل الهنود الحمر بدم بارد ودون شفقة أَو رحمة، ويقتل كُـلّ الشعوب الأُخرى التي يجب أن تباد في نظره، دون أن يرمش له جفن أَو تطرف له عين، نفسية صلبة لا ترحم أحداً، متفوقة على غيرها من الأعراق والأمم.

 

رؤساء حانات مجانين

إن غياب الحكمة السياسيّة يعد مرضاً مزمناً للنظام العدواني الأمريكي؛ ولذلك تتضاعف مخاطر التدمير الذاتي والانتحاري السائر عليه بحماس قل نظيره بين الرؤساء والسياسيّين ورجال الدولة في العالم، ويعتبر ترامب أخطر رئيس أمريكي في تاريخ أمريكا، أي أكثرهم جنوناً، بحسب وصف النائب الديمقراطي بيرني ساندرز للرئيس دونالد ترامب، وهو تقييم صادر عن منافس كبير لترامب، وواحد من أبناء المؤسّسة الأمريكية نفسها، وأحد الطامحين في منصب الرئاسة الأمريكية الذي بدأت عجلته في الدوران باكراً.

ولكن السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرس رغم يساريته وعقلانيته الظاهرة الآن بالنسبة لترامب، فهو ما يزال يعتقد أن الجنون الأمريكي حالة فردية تتعلق بأشخاص معينين من الناس، وليست نتاجاً محتماً لطبيعة التاريخ الأمريكي وطبيعته الإمبريالية المتوحشة المتغولة الاستعمارية العنصرية الفاشية المغطاة بالشعارات الليبرالية والحريات الفردية الصورية، وهنا أزمة تحليل العناصر الإصلاحية الأمريكية بما فيها أكثرها يسارية، التي تعتقد أنه يمكن إصلاح النظام بتغيير بعض أفراده الحمقى والمجانين، والإتيان بأشخاص إصلاحيين -حسني النية- وتنتهي المشكلة، ومن ثم فهو ينطلق من نفس المنهج الذي يستقي منه ترامب أفكاره وأن تناقضت ظاهرياً معه فهو الوجه الآخر من العملة، وهو يشبه أوباما بالنسبة لبوش الاستثناء النادر الذي يعطي للنظام الأمريكي المعتوه صورة رزينة لبعض الوقت، ليحفظ له بعض ماء وجهه حتى يستعد لإعادة إنتاج جنونه في صورة جديدة.

النظام المتغول الاحتكاري عند كُـلّ مرة يرى أن الناس بدأت تتساءل عن جدوى النضال ومشروعيته وجوهره، فَإنَّها تلجأ إلى استباق التطورات السلبية المحتملة لإجهاض أية تحَرّكات نقيضة جذرية تأتي من جهة اليسار الاجتماعي السياسيّ، عبر تقديم عناصر يسارية المظهر للفوز بمنصب الرئاسة كبيل كلنتون –وكيندي– وأوباما والآن بيلي ساندرز، وسواء فهم ذلك المرشح أم لم يفهم، فَإنَّ النتيجة واحدة وهي تقديم ممثل سياسيّ يروج لأهداف إيجابية غامضة، تثير الأمل من جديد في الحصول على تحقيق الحلم الأمريكي كما يسمونه.

ما الفرق بين اليسار الأمريكي وبين اليمين الأمريكي بالنسبة للأمريكيين أَو بالنسبة للشعوب المقهورة من السياسات الأمريكية المتوحشة، وخَاصَّة بالنسبة لشعوبنا العربية وخَاصَّة الفلسطينية وبالنسبة لإسرائيل ما الفرق؟

الحقيقة وَمن خلال التجربة التاريخية، أن الموقف من العدوان الصهيوني واحد في الحالين من حيث الجوهر وإن اختلف الشكل والصورة والخطاب، حيث يكون اليمين أكثر فجاجة ووقاحة في التعبير عن تأييد الصهيونية والعدوان، بينما يكون اليساري أكثر حصافة في الكلام والتعبير، ومن ثم يكون تأثيره السلبي أكثر نفاذاً وتأثيراً حتى وهو يناقض اليمين في موقفه الصوري، ولا ننسى أن أخطر المعاهدات الظالمة التي استهدفت العرب كانت عبر الرؤساء الديمقراطيين خَاصَّة كارتر –وبيل كلنتون وأوباما–، وهم يساريون ديمقراطيون محسوبون على اليسار، وقبل عقود تمت العديد من العدوانات والحروب على الشعوب من قبل قيادات ديمقراطية مثل كيندي في كوبا وجونسون في فيتنام وكارتر في إيران، وكان الرئيس الكوبي الشجاع فيديل كاسترو قد علّق في إحدى مقابلاته الصحفية البارزة على محاولات نيكسون الخروج من حرب فيتنام قائلاً: (إن معسكر اليسار الديمقراطيين الأمريكيين هو من يطلق الحروب، وإن معسكر اليمين الأمريكي هو من يطفئها بعد أن يخسرها)، وفي هذا التعليق الكثير من الحكم والدلالات الهامة، لاستبطان طبيعة السياسة الأمريكية المخادعة المتلونة.

 

خلفية السعار الأمريكي الرجعي

الجنونُ الاستراتيجي السياسيّ ليس حالات فردية نادرة، وإنما العقلانية هي الاستثناء والنادر والشاذ في أمريكا ومؤسّساتها وثقافتها، ولا شك أن لهذه الظاهرة أَسَاسها التاريخي الكامن في تاريخها وتكوينها وبنيتها، أن أصل هذا السعار الأمريكي يظهر مع تفاقم أزمات وتناقضات الإقطاع والرأسمالية الغربية الطفيلية، فهو سعار رأسمالي طفيلي إقطاعي إمبراطوري مزيج مشترك، يتصاعد توحشاً عند مرحلة تغول الطبقات الرأسمالية الإقطاعية وتوحشها كرد فعل على الثورات والانتفاضات الشعبيّة الجديدة في أُورُوبا التي جاءت بمبادئ حقوق الإنسان والمواطنة والحريات والحقوق العامة التي فجرتها مبادئ الثورة الفرنسية وما أعقبها من أصداء وحركات التنوير الثورية التقدمية، وأدّت إلى تصدعات المجتمعات القديمة الاستبدادية.

لقد انتزعت أمريكا استقلالها بعد حرب شعبيّة تحرّرية بقياده الرأسمالية الأمريكية الطفيلية الغابية التي حكمت البلاد بأساليب تبدو في الظاهر ليبرالية ودستورية وقانونية، ولكن في حقيقتها وجوهرها كانت مظاهر لا أكثر لإخفاء التغوّل الرأسمالي المسيطر على المال والثروة والأرض والعباد والعبيد، فقد كانت طبقة العبيد والعاملين قسراً في المزارع والمصانع هي التي تنتج الأرباح، بينما لا يصل إليها منه شيئاً بل إن دستورها قد حرم العبيد والهنود الحمر وَالسكان الأصليين والفقراء من أية حقوق سياسيّة أَو انتخابية أَو قانونية صراحةً، واستمر ذلك إلى عصر الرئيس ابراهام لينكولن في نهاية القرن التاسع عشر.

ظلت العبودية هي الشكل الرئيسي للاستغلال والإنتاج الزراعي، والتي لم تنتهِ إلا بعد حرب أهلية ضروس ولسنوات بين شمال البلاد وجنوبها، فروح الطبقية والعنصرية والفاشية والاستعمارية تصاحب الطبيعة الأمريكية في كُـلّ الظروف والمواقف والمتغيرات، فهي طبيعة أصيلة فيها لا يمكن إلغاؤها أَو إزالتها مع وجود النظام الاستعماري نفسه، وهي طبيعة نمت مع نمو الشخصية الأمريكية على أرض العالم الجديد منذُ احتلاله مع بداية عصر النهضة الأُورُوبية، أما كون الأُورُوبي الحالي لا يأنف مثل تلك للنزعات الإمبريالية المتوحشة في الأمريكي، فهي تمثل الوجه الآخر لشخصيته هو أي الأُورُوبي، فالأمريكي المتوحش ما هو إلا الأُورُوبي والبريطاني في ثياب الجينز، إنه فريق الإبادة البريطانية الأُورُوبية والإسبانية المرسل إلى المستعمرات ليودي الدور الرسالي الأُورُوبي المحترم، والفارق هو أن الأُورُوبيين قد ابتعدوا قليلاً عن ماضيهم البشع ذاك، بينما ظل الأمريكي عاجزاً عن مفارقته ولا يمكنه ذلك فهو تاريخه المباشر الممتد والباقي الذي يحدّد جوهره وشخصيته وخصوصيته.

 

البيئة النفسية والعقلية وَالروحية للأمريكي القائد

لو راجعنا أهم الأفكار والقيم التي نشأت وترعرعت في الوسط الأمريكي الثقافي والفكري والسياسيّ والديني والأخلاقي والفلسفي خلال القرون الثلاثة الأَسَاسية للتكوّن الأمريكي، نجد أنها تدور حول شرعنة وتسويغ الاستعمار والاستيطان والاستعباد والإبادة للعناصر غير الصالحة من السكان الأصليين الهمجيين بنضر البيض الغزاة في ظل إلحاد سياسيّ اقتصادي مالي وَمادي كامل ومتعجرف واستعلائي وسطحي تافه سوقي المفهوم أَسَاسه إشاعة عدم المسؤولية وإماتة الضمير والأخلاق، فكل ما يفيد ويخلق الأرباح والفائدة هو مفيد ومقبول ومعقول ومنطقي ومبرّر، فهو صالح ومبرّر ومعقول وكل ما هو عملي قابل للتطبيق السلعي يولد الفائدة المادية المباشرة هو أَسَاس للمعايير، ومن هنا ظهرت البرجماتية التي نقلت أَسَاسها من الفلسفة الأُورُوبية والبريطانية المتطرفة.

 

الحانة هي البيت المقدس الأمريكي

جميع الأمريكيين على اختلاف أجيالهم خلال القرون الأربعة القرون الماضية نشأت على قيم الحانة وثقافة الحانة وحياة الحانة، وزادت أهميتها النفسية الاجتماعية في أمريكا؛ نتيجة لطبيعة الحياة التي كان يحياها الأمريكي المغامر القادم للبحث عن الثروة أَو الحلم الأمريكي كما يجمله الأمريكيون المثقفون من الطبقة العليا الحديثة أَو الأمل الأمريكي كما يقول أوباما وكلنتون قيم الحانة تشبه قيم الخيمة عند السكان البدو وتشبه قيم الغابة عند سكان الغابات، وتشبه قيم الديوانيات في الحضر العربي البدوي، ولكن في الشكل فقط أما الجوهر فمختلف كُـلّ الاختلاف.

وحكم الطابع الكولونيالي للمستعمر الأبيض الأمريكي بعد قهر الإسبان، فَإنَّه قد تشكلت مشاعره وبنيته الثقافية والنفسية من ذلك الواقع الذي انطلق منه ودار حول محوره في حياته اليومية، هناك وهي ما زالت صحراء وغابات وبيداء وفيافٍ فطرية الطابع، منذ أن اعتبر دوره ورسالته المقدسة هي إفناء البشر وإبادتهم والحلول محلهم، ومن بقي يكونون له عبيداً في مزارعه ومناجمه ومعامله، وكان الأمريكي لا يحتاج إلى أخلاقيات وقيم روحية تحدُّ من اندفاع رسالته التي تنتظرها بشوق كبريات الشركات الاحتكارية والبيوتات المالية الاستثمارية في أُورُوبا وبريطانيا التي تقف خلف تلك النهضة وتحتكرها، ويظهر في العديد من الوسائل المعرفية أن الأمريكي كان حرًّا وهو يرحل إلى العالم الجديد، ولكن العالم الجديد كان قد غدى مملوكاً بكامله للبيوتات الفاتحة الأولى، فالعالم الجديد كان من الأَسَاس مستعمراً إسبانياً وبريطانياً وأُورُوبياً وتحت السيطرة الإمبراطورية المتعددة، وليس فيه شبر واحد خالٍ للحرية الأمريكية المتخيلة، التي كانت مُجَـرّد وهم وغطاء لاستنهاض العدوانية الأُورُوبية الموجه ضد الشعوب المقهورة المطلوب إفناؤها والحلول محلها، فقد آلت المناطق الشمالية من العالم الجديد إلى مستعمرات بريطانية والمناطق الجنوبية للعالم الجديد ظلت ملكاً للتاج الإسباني حتى انهار التاج الإمبراطوري الإسباني لصالح النفوذ البريطاني والفرنسي.

كان الأمريكي الفض المتوحش هو أداة تنفيذ المشيئة الإمبريالية المتوحشة شمال العالم الجديد، كما كان الإسباني الأوحش هو منفذها في جنوب العالم الجديد، وخلف كُـلّ منهما وقفت مدافع وأسلحة دولتيهما الاستعماريتين المتوحشتين ومعهما كامل أُورُوبا التقدمية المستنيرة والناهضة (حاملة مبادئ حقوق الإنسان)، هكذا تم إفناء حياة 150 مليون هندي أحمر حر وشريف ومتحضر -والذي كان أي الهندي الأحمر في منتهى التحضر الإنساني والتعاون الاجتماعي والأخلاقية والرجولة والشرف والشجاعة والقوة- بمختلف أساليب القتل والإفناء بما فيها الأسلحة الجرثومية.

كان الأمريكي الأُورُوبي يحتاج إلى أفكار وعقائد تبرّر أفعاله وتقلل من طبيعتها ووحشيتها في نظره أمام نفسه، وتولت هندسةَ ذلك الشركاتُ المسيطرة المعنية بالتجارة والاستعمار والتثقيف الذي يخدمها؛ ولذلك استبعدت من الصدارة من البداية الدين، وتم التهوين من أهميته والتبشير بالإلحاد لصالح مادية فجة ميكانيكية بريطانية الهوى والإنجاز كانت تتوافق مع العصر الميكانيكي الرأسمالي الصاعد عصر الذهب المعبود الجديد، وعلى هامشها أُقيمت الفلسفات المادية والتبريرية والبرجماتية المصاحبة لتطورها، وعلى أَسَاسها أُقيمت المفاهيم الفكرية التي تخدم الأغراض العليا لها.

وَكانت الرأسمالية البريطانية تنتج الجديد من القيم الرأسمالية وعلاقاتها ونتائجها، وفي الوقت ذاته تنتج الفلسفة المصاحبة لهذه العلاقات الجديدة الإمبريالية، وتضع ما يناسبها من قيم تخدم الأغراض والغايات والأهداف، ومن بريطانيا نفسها رأينا مجالسها ومعاهدها العلمية الثقافية تنتج ما يناسبها من أفكار وفلسفات وعقائد وتصدرها إلى أُورُوبا وأمريكا وفرنسا وألمانيا وغيرها، فقد كانت تلعبُ دور القيادة الأُورُوبية خلال القرن التاسع عشر وما قبله.

ليس المعبد المقدس أَو الجامعة أَو مركز البحث أَو المدرسة أَو الكنيسة هو نموذج الأمريكي الثقافي، بل هي الحانة هي مقدس الأمريكي منذُ تكونت الجماعات الأولى للغزاة الأوائل، فقد كانت الحانة هي مقدسه الأول بما فيها من خمور وقمار وبنات ليل ولهو وزنى، وهن جزء أَسَاسي من الحانة واقتصادها وثقافتها ويكاد الفكر الإباحي الفاشي الاستعبادي الإجرامي فقد نمى في سقف الحانة، فالحانة الكبرى هي مركز النفسية الأمريكية، وتصور أمريكا الكبرى أَو الدولة والمجتمع هو قبل كُـلّ شيء تجسيد حي دائم للحانة الأمريكية، فالأمريكي كان وما زال يقضي أكثر عمره في الحانة بما فيهم المتعلمون السياسيّون الماليون.

تعلق الأمريكي براعي البقر “الكاوبوي” هو تعلق بالحانة ومسرحها اليومي، فالمسجد والمعبد بالنسبة لشعوب معينة هو ما يتم عبره وفيه يوميًّا إعادة إنتاج نمط العيش الاجتماعي والفكري، ونرى أن المباريات العنيفة والمقامرات الكبرى والصفقات التجارية كلها تتم في الحانة، والحانة في الأصل معبد شيطاني من نوع خاص، فهي مركز الحياة اليومية للأمريكي المكدود من تعب المغامرات والبحث عن الذهب وقطع الطرقات والقرصنة المائية البحرية ونهب البنوك والقطارات المحملة بالذهب والبضائع والتجار ونهب الأراضي ومطاردة القبائل الهندية الباقية على أراضيها.

الحانة كانت هي مرجع الأمريكي وفندقه ونزله وبيته ومعبده ومركز نشاطه الاستثماري الطفيلي ومصدر معلوماته، وفيها يتم تعلم كُـلّ وما يلزم للاندماج في المجتمع الأمريكي، وكان مبنى البنك ملاصقاً دوماً للحانة الأمريكية، ومبنى الشرطة أَيْـضاً ملاصق للحانة، وكذلك مبنى الكنيسة ليس بعيدًا، وَإذَا راجعنا قليلاً مسار الأفلام الأمريكية “الوسترن” وهي أصدق واصف لحقيقة الحياة الأمريكية في الغرب الأمريكي خلال القرون الأخيرة، فالمدينة التي تجسّد المجتمع الأمريكي الناهض هي مجموعة مبانٍ وسطها جميعاً تقوم الحانة كمركز للحياة الأمريكية وبجوارها مباني المؤسّسات الخادمة لها والتابعة.

إذَا فتشنا في الأفلام الأمريكية وهي نوعية هامة للرؤيا التاريخية تعكس تطور وتكون الشخصية العامة للأمريكي وثقافته ونفسيته وسلوكه وقيمه، نلاحظ أننا أمام تكرار دائم دامٍ لنفس الشخصية التي تكرس العنف والعدوانية والوحشية والنفاق والتآمرية واللصوصية والقتل وجمع المال بكل الوسائل، كلها تعكس صراعات تدور في الحانات ومحطات القمار أندية الليل ومسارح الجريمة، كلها حانات بمستويات مختلفة، لكن حانات شخصية اللص والمجرم والزانية المومس هم الشخصيات الرئيسية في المجتمع وأبطاله هم أَسَاس وبيئة الأبطال، فالبقاء يكون أضمن لمن يسحب مسدسه بسرعة أكبر وأسرع ويطلق النار على الآخرين بسرعة، وهكذا ترى سلاسل لا تنتهي من القتلة والقتلة الأسرع والأكثر سرعة المدن، تتناثر على الأرصفة الجثث، كُـلّ دقيقة قتل وقتل وقتل ثم يعود الأمريكيون إلى الحانة بعد كُـلِّ مجزرة، فالحانة تستقبل كُـلّ من يتغلب على غيره ويبادر إلى إبادتهم بالسرعة المطلوبة، وفي الوقت نفسه يبتدئ المتغلبون الاستعداد لمفاجئة جديدة من عصابات جديدة تبحث عن القتلة السابقين، وهكذا تدور أحداث الحياة اليومية، قتل سرقة قتل سكر عربدة قمار مومسات مخانقات قتل، وهكذا تتخلل ساعات الأمريكي وحياته، وَإذَا اتسعت دائرة الأمريكي الجغرافية البوليتكية فَإنَّ مناطق المكسيك جنوب القارة هي ميدان ألاعيبه وجرائمه ومطارداته ومراكز هروبه من جرائم ارتكبها شمالاً.

كن قوياً في عصابة مسلحة أقوى تستطيع أن تفعل كُـلّ شيء يخطر على البال، ولكنك سرعان ما تقع أسيراً لعصابة أقوى أكثر تسليحاً وحنكة وسطوة وقياده أكثر خشونة وفضفاضة وسلطة وسيطرة تبيد العصابات السابقة، وهكذا تتكرّر الحكاية بصورة مختلفة، وعندما قامت المؤسّسات الحاكمة بعد قيام الدولة الأمريكية إثر الانفصال عن التاج البريطاني، لم تتغير الصورة في الجوهر كَثيراً وإنما أخذت أبعاداً أوسع وأكبر.

 

البيتُ الأبيضُ أسودُ من الداخل

أليس البيت البيض الأمريكي مبنياً على جوهر أفكار وعقائد الحانة وأخلاقها وقيمها؟ بلى هذا ما تؤكّـده الكثير من الحوادث التي شهدها العالم كله، وقائع كلينتون مونيكا جيرنوفسكي ونيكسون جونسون كيندي ومارلين مونرو ترامب وجماعته وفريقه، كلها وقائع صادمة تفضح مدى التفسخ الخلقي للنخبة العليا ولمحيطها الاجتماعي.

وفي دراسة علمية هامة قدمها أحد كبار القادة الفكريين للإمبريالية الغربية، وهو باحث بريطاني كبير في الاقتصاد السياسيّ، كان الكتاب باسم الإمبريالية استشهد به الثوري الروسي الكبير (فلاديمير لينين) في كتابه الشهير (حول الرأسمالية والاستعمار العام عام 1916م)، أن الإمبريالية الاستعمارية آخر درجة من مجتمع الرأسمالية في تصور الباحث الإمبريالي البريطاني الكبير، وكنتيجة لاستخلاص البحثية أنه ليس هناك بعد الآن في عصر الثورات الشعبيّة الكبرى والانفجار السكاني الهائل والثورة لصناعية الغربية وتنافساتها، سوى الاستعمار والإمبريالية استعمار للبلاد والشعوب الشرقية أَو السقوط المحتم في جحيم الثورات الاجتماعية الداخلية للمجتمعات الأُورُوبية، وأن الصراع الاجتماعي الثوري في الداخل سوف يفتك بالرأسمالية والإقطاع ليكمل ما بدأته الثورات الفرنسية الكبرى نهاية القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

وكانت الجماعات الرأسمالية الكبيرة المتنافسة على السيطرة على مصدر المواد الخام الرخيصة للصناعة الغربية وعلى الأسواق الخارجية لتصريف البضائع بعد أن ضاقت الأسواق الداخلية عن استيعاب ما تنتجه الثورة الصناعية من أدوات ووسائل ومعدات ومخترعات، تصب في زيادة المنافسة والاحتكارات وسعة ميادين الصناعات وصناعة الأسلحة الحديثة.

انتقلت إلى أمريكا كُـلّ القيم والأفكار الكبرى الأُورُوبية جاهزةً بدون جهد كبير، كان الدهاء السياسيّ الاستراتيجي البريطاني والغربي الرأسمالي الإقطاعي الإمبريالي الصاعد القوي قد تجلّى في جعله القارة الجديدة أَو العالم الجديد مستعمرة عظمى داخلها، ترسل أُورُوبا إليها جميع نفاياتها الداخلية من مجرمين ومعارضين وشيع دينية متطرفة مخالفة وحالمين وباحثين عن حريات وأصحاب تجارب إصلاح إنسانية ومغامرين وقتلة ومحترفين ومطاردين ومقامرين وباحثين عن العمل والمال والذهب وعنصريين يتوقون إلى تصفيه الأجناس الأُخرى والاستيطان في أراضيهم بدلاً عنهم وباحثين عن أرواء الشهوات والملذات والمتع بلا حساب وقراصنة من كُـلّ صنف، والجميع إلى العالم الجديد لاستعماره وتعميره ونهبه والسيطرة عليه، ومنهم تكونت النواة الصلبة للمؤسّسين لأمريكا الحديثة النواة الإنجلو ساكسونية الإنجليكانية والبرنتانية التواراتية والإنجيلية اليمينية العنصرية التي هي أَسَاس الرؤساء الأمريكيين والنخب الحاكمة هناك، والبارزة أن أمريكا لم تتكوّن بشكل طبيعي كمجتمع له ثقافته وكينونته ودوره وإسهامه الحضاري وتاريخه وتطوره الأخلاقي.

 

جذورُ الاستعباد الذاتي الأمريكي للمستضعفين

ما كانت بريطاني وفرنسا تخجلان من شعوبهما وتخافا أن تفعلانه هناك، كانت تمارسانه بالوكالة في أمريكا من بشاعات في حق الإنسانية، نظمت الشركات الرأسمالية الغربية والبريطانية الأمريكية حملات اصطياد بشرية واسعة هي الأكبر في التاريخ البشري كله، ونقلتهم إلى المستعمرات الأمريكية لاستخدامهم في العمل البشري البدني المجاني تحت القيود طوال حياته، يعاملون كالحيوانات طوال حياتهم القصيرة، فالإقطاعيون والتجار الزراعيون الأُورُوبيون والإنجليز اخترعوا طريقة مربحة للمزارعة وإنتاج البضائع الزراعية في أمريكا، هكذا قضى ملايين البشر وهم يكدحون كالحيوانات في حقول الرأسماليين الإنجليز والأمريكيين لعدة قرون، راكموا ثروات هائلة إلى جيوب الملاك هي أَسَاس جميع الثروات الكبرى التي تكوّنت في أمريكا وبريطانيا، وَإذَا كان الذهب المنهوب من مناجم الشعب الأحمر في أمريكا السكان الأصليين وأَسَاس النهضة والثورة الصناعية في القرن السادس عشر، فَإنَّ نهب الأفارقة المستعبدين هو أَسَاس النهوض الزراعي والصناعي الواسع لأمريكا لتصبح أكبر منتج للحبوب والغذاء في العالم.

إن عقيدة استعباد الناس حسب اللون والجنس اعتماداً على القوة المالية للبيض الأُورُوبيين، واستخدام الإنجيل التوراتي لتبرير العمل البشع وشرعنته، هو أَسَاس تكوين العقلية الأمريكية الاستعبادية العنصرية، بما يفوق ما فعله هتلر والنازي ولا يختلف في أَسَاسه عنهم.

بمراجعة تاريخ رؤساء أمريكا وقادتها السياسيّين منذ الأربعينات والخمسينيات ومُرورًا بالستينيات والسبعينيات وإلى الآن، لم تعرف أمريكا لحظات حكمة سياسيّة إلا في حالات نادرة جِـدًّا أُجبرت عليها إجباراً وليست طبيعة فيها، فالظاهرة العامة في السياسة الاستراتيجية الأمريكية اتسمت بسمات الطيش والعنف في التعامل مع الشعوب الضعيفة المحيطة بها طوال قرون منذ نشوئها السياسيّ الحديث، وأكثر الشعوب التي عانت من جنونها وطيشها وفاشيتها وغطرستها كانت شعوبَ أمريكا الجنوبية والوسطى اللاتينية والهندية ودولة المستقلة هي الضحية الأكبر، وتأتي المكسيك في طليعتها فقد شنت الولايات المتحدة العديد من الحروب التوسعية التي ضمت إليها أراضٍ واسعة مكسيكية، أبرزها هي ولايات بكاملها، مثل ولاية نيو مكسيكو وولاية كاليفورنيا وولاية أُخرى، كما سيطرت على أراضي ألاسكا شمال كندا وكانت تتبع السيدة الروسية، أما المناطق الأُخرى جنوب القارة ووسطها فقد أعلنت عليها الحروب المباشرة والغير مباشرة؛ بهَدفِ السيطرة على مواقعها وخيراتها الطبيعية وأقامت حكومات عميلة تابعة لها بعد أن أقامت لها قواعد عسكرية وسيطرت على المناطق الهامة منها، فكوبا مثلاً تعرضت لاحتلال أمريكي في القرن قبل الماضي وإلى الآن تقع تحت سيطرة أمريكا قواعد عسكرية فيها، أهمها جزر (جوانتنامو) التي تقيم عليه أمريكا معتقلات خارج القانون الأمريكي.

استناداً للتوسع الصناعي والتطور العسكري لأُورُوبا وأمريكا وبريطانيا وإسبانيا، فقد تقاسم المستعمرون القدامى والجدد النفوذ والهيمنة، وقد تفاهم المستعمرون الكبار على توزيع المستعمرات فيما بينهم، على أن تبقى أمريكا داخل حدود المحيط الأطلنطي وأن تطلق يدها في أراضي شعوب أمريكا اللاتينية الملونة غير البيضاء، لتكون محمية وحديقة خلفية لأمريكا، بينما تواصل بريطانيا وأخواتها التوسع خارج أُورُوبا والأطلنطي، أي أن حصة أمريكا من العالم الثالث الفقير كانت أمريكا اللاتينية وحصة بريطانيا وأخواتها كانت إفريقيا وآسيا وأستراليا وغيرها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com