الرئيسية >> أهم الأخبار >> السيد عبدالملك الحوثي في محاضرته الثانية بذكرى عاشوراء:

السيد عبدالملك الحوثي في محاضرته الثانية بذكرى عاشوراء:

 

بنو أمية غيّبوا مبادئَ الإسلام التي تُصلِحُ الحياةَ واستبدلوها بخرافاتٍ أخضعت الأمةَ للطغاة

أساء المحرّفون إلى رسول الله والإسلام بالروايات الكاذبة لضربِ الأمة وحَـــرْفِ مسارها

أَعُـوْذُ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِـسْـــمِ اللهِ الرَّحْـمَـنِ الرَّحِـيْـمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمين، وأَشهَـدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ المَـلِكُ الحَـقُّ المُبِيْن، وأشهَدُ أن سَيِّـدَنا مُحَمَّــدًا عَبْـدُه ورَسُــوْلُه خَاتَمُ النبيين.

اللّهم صَلِّ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ وبارِكْ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ، كما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ على إِبْـرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ إِبْـرَاهِيْمَ إِنَّـــكَ حَمِيْــدٌ مَجِيْــدٌ. وَارْضَ اللَّهُم برِضَاكَ عن أَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ المنتجَبِين وَعَـــنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّـالِحِين.

أَيُّهَـا الإِخْـوَةُ والأخوات:

السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.

نستكملُ في هذه المحاضَرة حديثَنا بالأمس عن الدور الأُمَوِيّ في محاربة الإسْــلَام: سواءً في مرحلة ما قبل فتحِ مكة، حيث تزعَّم أبو سفيانَ قريشاً في حربها ضد رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وضد الإسْــلَام والمسلمين، أَو ما بعد وفاة النَّبِيِّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- في الدور التخريبي السلبي لبني أُمَـيَّـةَ من موقع النفاق.

تحدثنا بالأمس عن نماذجَ من هذا الدور التخريبي والسلبي في واقع الأُمَّـة، والدور الأُمَوِيّ التخريبي والسلبي والمضل في واقع الأُمَّـة الإسْــلَامية هو دورٌ استشرفه الرسولُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وحذَّر منه، وأخبر به فيما أخبره اللهُ به -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- وتحدَّثَ به عن مستقبلِ أُمَّتِه.

عندما نأتي إلى التاريخ، عندما نعودُ إلى ما روته الأُمَّـةُ بمختلف مذاهبها في تراثها، في أصحِّ ما لديها بحسب كُـلّ مذهبٍ وتيار من مذاهب وتيارات الأُمَّـة المختلفة، نجدُ ما أُثِر عن رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- مما هو معروفٌ بين الأُمَّـة بشكلٍ عام فيما يحذِّر به من فتنة أولئك على هذه الأُمَّـة، من خطورتهم الكبيرة التي لا يجوز التقليل منها، ولا التبرير لها، ولا التجاهل لها؛ لأَنَّ ضَرَرَها بالفعل حدَثَ في واقع هذه الأُمَّـة.

هناك عددٌ من النصوص أشرنا إليها بالأمس، مثلُ حديث الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- عنهم أنهم إن تمكَّنوا ووصلوا إلى موقع السلطة والقرار، فإنهم سيجنون على هذه الأُمَّـةِ جنايةً كبيرةً، لماذا؟؛ لأَنَّهم كما قال عنهم إذَا تمكَّنوا (اتخذوا دين الله دَغَلاً)، هذه أول جناية على الأُمَّـة في دينها، وأكبر جناية على الأُمَّـة: عملية تحريف للدين ولمفاهيمه، وتقديم شكل مختلف من هذا الإسْــلَام، مع الحفاظ على بعضٍ من طقوسه وشعائره الدينية، مع الاستغلال لها، والتوظيف لها فيما يخدمهم، لكن كم يدخل تحت هذه العبارة من تفاصيل كبيرة في نشاطهم ومساعيهم التضليلية لهذه الأُمَّـة، كم يدخل تحت قوله: (اتخذوا دين الله دغلاً) من أنشطة واسعة نفذوها، واستغلوا لتنفيذها علماء السوء، الذين كان البعض منهم يفتري الحديث، يختلق حديثاً، يصيغه هو، يقوم بصياغته هو بما يناسب التوجّـه الأُمَوِيّ، وفق الرؤية الأُمَوِيّة، ثم يقدِّمه كحديثٍ عن رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-؛ ليقدِّمَ من خلاله مفاهيمَ خاطئةً، باطلةً، مُضِلّة، مفسدة، تُحسَبُ على الإسْــلَام، وهنا تدخُلُ عمليةُ الافتراء على الله، وعلى رَسُــوْله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- والإساءةُ إلى هذا الإسْــلَام؛ لتتحولَ كثيرٌ من الضلالات، وكثيرٌ من المفاهيم الخاطئة والباطلة إلى عقائدَ دينيةٍ، إلى مفاهيمَ باسم الدين، ليلتزمَ بها السُّذَّجُ من الناس ويتقبلوها على أنها من الدين، فيتدينوا بها، ويتشبّثوا بها، وتُعمَّمُ في المدارس، وتعمم في المنابر في الخطابات الدينية، وتعمم لدى الوعَّاظ والقصَّاص، وتنشر في الساحة الإسْــلَامية، كم نشروا تحت هذا من المفاهيم الباطلة على المستوى العقائدي، وعلى مستوى مختلف المجالات؛ حتى يصنعوا رؤيةً مختلفةً باسم الدين الإسْــلَامي نفسه، وهذه عملية خطيرة جِـدًّا، خطيرة جدًّا؛ لأَنَّ البعضَ من الناس -وعبر الأجيال- قد يتشبّثُ بها تديُّناً، يعني: بقدر ما يكونُ متديناً، بقدر ما يكونُ متشبثاً بها، ومصراً عليها، ومتمسكاً بها، ويتقرب بها إلى الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- وهو لا يدركُ أنها افتراءٌ، أنها باطلٌ، أنها ضلالةٌ، أنها ليست من الدين في شيء، وليست إلَّا مجرد افتراء. يغيب هذا عن البعض من الناس مع تعاقب الزمن وتعاقب الأجيال، هذه العملية كانت خطيرةً جِـدًّا، وحرباً مباشرةً ضد الإسْــلَام، ضد الإسْــلَام؛ لأَنَّهم حذوا فيها حذوَ أهل الكتاب (حذوَ اليهود، وحذوَ النصارى) في التحريف المتعمَّد لدين الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- في افتراءِ الكذبِ على الله -جَـلَّ شَـأْنُــهُ-.

ثم ما أخبر به عنهم ضمنَ هذا النص: (اتخذوا دينَ الله دَغَلاً، وعبادَه خَوَلاً)، عمليةُ استعباد للأُمَّـة بكل ما تعنيه الكلمة، وهذه قضية خطيرة؛ لأَنَّ من أَهَـمِّ وأعظم ما جاء به الإسْــلَام، ومن أعظم ثمرات الاهتداء بهذا الإسْــلَام، والتمَسُّـك بهذا الإسْــلَام: هو إنقاذ البشرية من العبودية للطاغوت، من العُبودية للعِباد، إلى العُبودية لله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- لربِّ العباد، فإذا بهم يجنون على هذه الثمرة الرئيسية التي هي في غاية الأهميّة، ليست مسألةً هامشيةً من مندوبات الإسْــلَام ومستحباته. | لا| مسألةٌ أَسَاسيةٌ وجوهرية، وغاية رئيسية لهذا الدين: التحرير للبشر، للرسالة الإلهية في كُـلِّ العصور في كُـلّ عهد الأنبياء -صلواتُ الله وسلامُه عليهم-: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[النحل: من الآية36].

(اتخذوا دينَ الله دَغَلاً، وعبادَه خَوَلاً، ومالَه دُوَلاً): استئثارٌ بالمال العام، نهبُ ثروة الأُمَّـة، مقدرات الأُمَّـة، واستغلال هذه الثروة الهائلة من الأُمَّـة، وهم فرضوا جباياتٍ كبيرةً على الأُمَّـةِ، يعني: مثلاً أخذوا الزكاة، أخذوا الخراج، أخذوا الفَيء، سنوا ضرائبَ كثيرةً تحت عناوينَ متعددة، دخلوا أَيْـضاً في مساراتٍ أُخرى من جمع المال، مثل: المصادرة لممتلكات الناس بغير حق.. أشكال كثيرة للجباية للمال، والاستئثار به، والاستغلال له في الترف والبذخ والمعاصي والفجور، ثم في شراء الذمم وشراء الولاءات، ينهبون مال الأُمَّـة، وفي نفس الوقت يقدِّمون هذا المال لمن يخدمهم، لعالم السوء الذي سيصدر الفتاوى الباطلة التي تبرّر جرائمهم، تخدم سياساتهم وتوجّـهاتهم، يقدمون من هذا المال لمن سيتجنَّد معهم فيقاتل في صفهم، ويرتكب أبشع الجرائم في اعتداءاته على الناس (على المجتمع المسلم)… وهكذا استغلوا هذه الثروة، واستأثروا بها، وأفقروا الأُمَّـة، تركوا الفقراء، تركوا المساكين، تركوا أبناء الأُمَّـة، تركوا المجتمع الإسْــلَامي يعيش حالة المعاناة والبؤس والحرمان، واستأثروا هم بثروة هائلة جِـدًّا، وكُتُب التاريخ لمختلف المذاهب تحكي العجب العجاب فيما كانوا يجمعونه من الأموال الهائلة جِـدًّا، وكيف كانوا يستأثرون بها، ويقتسمونها فيما بينهم كأمراء، ويصرفون العدد الكبير منها والكميات الكثيرة منها فيما ذكرناه من: شراء الذمم، وفي الترف، والبذخ، والمعاصي، والفجور.

وهذا من أَهَـمِّ النصوص على الإطلاق؛ لأَنَّه نصٌّ جامع، نصٌّ جامع، يقدِّم توصيفاً متكاملاً شاملاً، تندرج تحته كُـلّ التفاصيل عن طبيعة خطورتهم وبأدقِّ تعبير، بأدقِّ تعبير، هذا نص مهم جِـدًّا، يفترضُ أن يعرفَه الجميع، أن يستوعبه الجميع؛ ليدركوا مدى جناية أولئك على الأُمَّـة، حجمَ هذه الجناية الهائلة، هل بعد أن تُحرَّفَ مفاهيمُ الإسْــلَام الذي هو الدين العظيم، مفاهيمه الصحيحة التي إنْ تمسك بها مجتمعُنا المسلم، يرى ثمرةَ هذا الدين في حياته، يرى العدلَ، يعيش العدلَ، يعيشُ نعمةَ الحَــقِّ فيما يقدِّمه من حلول لمشاكل هذه الحياة.

ولذلك هم نجحوا في كثيرٍ من المراحل وفي مساحة واسعة من أبناء الأُمَّـة أن يفقدوا الأُمَّـة الإسْــلَامية نعمة الإسْــلَام في مبادئه وقيمه وأَخْـلَاقه، يعني: حتى لا تعيش هذه النعمة في واقعها، يغيب العدل من الواقع، وهو من أَهَـمِّ ما أتى به الإسْــلَام، ما الذي يحُلُّ بدلاً عن العدل؟ أليس هو الظلم؟ تنتشر المظالم في الساحة الإسْــلَامية، تتحول الساحة الإسْــلَامية، ويتحول الواقع الذي يعيشه المجتمع المسلم إلى واقعٍ مظلمٍ ومأساويٍ ومليءٍ بالمظالم، كم حملت كتب التاريخ من القصص والحكايات الموثَّقة المعترف بها لدى الجميع من الجرائم الرهيبة والشنيعة والفظيعة جِـدًّا، التي نرى اليوم مثيلاتِها فيما يرتكبه الإسرائيليُّ، فيما يفعله الأمريكي، فيما تفعله الأقوامُ الأُخرى التي لا تنتمي للإسْــلَام في قِيَمِه، في مبادئه، في شريعته، في أحكامه، في أَخْـلَاقه، في منهجه. كارثة، كارثة.

من النصوص المهمة التي تحدَّث النَّبِيُّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بها حديثُه عن الفئة الباغية الداعية إلى النار، في كلامه وفي حديثه عن عمَّار بن ياسر -رِضْــوَانُ اللهِ عَلَيْـهِ- وهو من كبارِ الصحابة الأخيار، عمَّارٌ -رِضْــوَانُ اللهِ عَلَيْـهِ- النَّبِيّ أخبر -وعلى مرأى ومسمع من الصحابة في المدينة- أنها ستقتله الفئة الباغية، التي كما ذكر عنها: (يدعوهم إلى الجنةِ، ويدعونه إلى النار)، الداعية إلى النار، نحن أشرنا بالأمس إلى أهميّةِ هذه الفقرة: الداعية إلى النار، وبالتالي لها دعوةٌ، ودعوتُها هي ضلالةٌ، دعوة ذات نشاط إعلامي، نشاط فكري، نشاط تثقيفي، كله يدخل تحت عملية تضليل، كله تضليل، نشاط تضليلي في واقع الأُمَّـة، وبالتالي يشكِّلون خطراً كبيراً، يعني: من يستجيب لهم، من يتأثر بأفكارهم بدعوتهم تلك، فإنه إلى النار لا محالة، إلى النار لا محالة، وإلَّا فماذا معنى أَنْ يكُــوْنوا دعاةً إلى النار، إلَّا أن دعوتهم دعوة من استجاب لها وتأثر بها دخل النار، يكون من أهل النار؛ لأَنَّها دعوةٌ قائمةٌ على التحريف لمفاهيم هذا الإسْــلَامِ، دعوةٌ مَن استجاب لها انحرَفَ عن طريق الحَــقِّ.

وَصْفُ النَّبِيِّ لهم -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بالقاسطين في حديثه عن الإمام عليٍّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- ودورِه المستقبلي في هذه الأُمَّـةِ، ومن ضمن هذا الدور: أنَّه سيقاتلُ الناكثين، والقاسطين، والمارقين، وكانوا هم القاسطين، وهذا شيءٌ معروفٌ في التراث الإسْــلَامي والتاريخ الإسْــلَامي، ما معنى القاسطين؟ القاسطون: الجائرون، المائلون عن الحَــقّ، والجائرون عن العدل، يعني: انحرافٌ على مستوى الحَــقِّ، انحرافٌ عن الحَــقِّ، الحَــقِّ كعقيدة، كثقافة، كرؤية، كشرع، كنهج، انحراف عن هذا الحَــقِّ، لديهم ضلالاتٌ كثيرة، أباطيلُ كثيرةٌ تُقَدَّمُ كبدائلَ عن الحَــقِّ، وباسم الإسْــلَام طبعاً، باسم الإسْــلَام، فهو مَيْلٌ عن الحَــقِّ نفسه، وجَورٌ عن العدل، طريقٌ جائرةٌ مائلةٌ عن الحَــقِّ وعن العدل، فهم أهلُ الظلم، طغاة، جائرون، ظلمة، متسلِّطون، وكل هذا أين يتّجهُ؟ هل هو ظلمٌ في الهواء، أَو يتّجه نحوَ الفضاء؟ هل مظالمُهم تلك، جرائمُهم تلك، أباطيلُهم تلك، ضلالاتُهم تلك، دورُهم السلبي والتخريبي ذلك هل اتّجه مثلاً إلى منطقة أُخرى خارجَ الأرض، إلى المريخ مثلاً، أَو كوكبِ الزهرة، أم أنه انصب بكله في ساحة المجتمع الإسْــلَامي، هم ظلموا هذه الأُمَّـة، أفسدوا في هذه الأُمَّـة، أضلّوا في هذه الأُمَّـة، في المجتمع المسلم، في الأُمَّـة الإسْــلَامية؛ ولذلك يعظُمُ جُرْمُ من يبرّرُ لهم، من يدافعُ عنهم، من يقدِّم صورةً مختلفةً عن الحقيقة بشأنهم، فهم القاسطون، وهذا شيءٌ معروفٌ في التاريخ الإسْــلَامي، والنَّبِيُّ أخبر عنهم بذلك -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وهذا متفَقٌ عليه أَيْـضاً.

مما أخبر به النَّبِيّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- ما رآه في منامه -من رؤى الوحي طبعاً- أنهم يَنْزُون على منبره نَـزْوَ القردة، يَذُبُّون الناسَ عنه. وكان لهذه الرؤيا مدلولُها المؤلمُ جِـدًّا، يعبِّرُ عن طبيعة الدور الذي يصرفُ الناسَ عن نهج رَسُــوْل الله، عن هدي رَسُــوْل الله، منبره رمزيته في هذه الرؤيا تعبِّر عن دور الهداية الذي قام به الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- في هذه الأُمَّـة، فهم سيصرفون الناس عن نهجه من موقع السلطة والحكم باسم الخلافة، وهو ملكٌ عضوض كما هو أَيْـضاً متفقٌ عليه، فإذاً هذا الدور السلبي جِـدًّا والتخريبي، وكانوا في هذا الدور يشبهون القردة، في كلما تعبِّر عنه هذه الصورة البشعة من حقيقة ما هم عليه من انحراف كبير، ومن دورٍ سلبيٍ وتخريبيٍ وتضليليٍ كبير.

من ضمن ما ورد عن النَّبِيّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- حديث: (وأنَّ هَلَكَة هذه الأُمَّـة على أيديهم) هلكة كبيرة، هلكة؛ لأَنَّ الأُمَّـة عندما فقدت المفاهيم الصحيحة الأَسَاسية للإسْــلَام لتَكُــوْنَ هي السائدة في واقعها بكله، لتَكُــوْنَ هي المفاهيم التي تبني عليها مسيرة حياتها، فقدت دورها العظيم والمهم والكبير، وخسرت إلى حَــدٍّ كبير، تكبَّدت خسائر كبيرة جِـدًّا، امتلأت ساحتها الداخلية بالمظالم، أعاقتها عن دورها المهم في الواقع البشري، ثم أثَّر ذلك أَيْـضاً على كُـلّ من تأثَّر بهم، بدعوتهم التي هي دعوة إلى النار، ليَكُــوْنَ هالكاً باستجابته لتلك الدعوة، حتى ولو حسبت على الإسْــلَام، لا يكفي أن تُحسَبَ وهي عمليةُ تحريف وتزوير وتزييف للحقائق.

مما أَيْـضاً ورد عن النَّبِيِّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وتحدثنا عنه بالأمس الوصم لهم بالطلقاء، فيما يعنيه هذا المدلول من فرض دائرة قانونية عليهم؛ حتى لا يحسبوا في عداد المهاجرين والأنصار، حتى لا يمكن أن يجعلوا من ذلك ذريعة لتسلّق الدولة الإسْــلَامية تحت عنوان أنهم من المهاجرين أَو من الأنصار، وكان من المعروف في الساحة الإسْــلَامية ماذا يعنيه هذا المدلول من أنهم فئةٌ معينةٌ بالكاد تكونُ من المواطنين في هذه الدولة الإسْــلَامية، دائرة دخلت في هذا الإسْــلَام بالاستسلام بعد مرحلة طويلة من الصراع.

أيضاً ما أشرنا إليه بالأمس عن وصية النَّبِيِّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- للأنصار: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)، في بعض الروايات: (إلَّا تفعلوا {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[الأنفال: من الآية73])، وقد تذكَّر هذه الوصية البعض من الأنصار عندما وصل معاوية إلى المدينة وصعد إلى منبر رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-.

هناك أَيْـضاً أشياء كثيرة، نصوص كثيرة، إجراءات كثيرة عملها النَّبِيّ في حياته -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَـى آلِــهِ- مثل: نفيه للحَكَمِ بنِ أبي العاص من المدينة والطرد له نهائياً منها، هو والدُ مروانَ بنِ الحكم، نفاه مع أسرته من المدينة، وطرده كلياً عن المدينة؛ لدوره السلبي، وتجسّسه على رَسُــوْلِ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وما كان يقوم به من تصرّفات سلبية نقلها التاريخ، فهناك الكثير من النصوص والآثار التي رويت عن الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- هذه التي ذكرناها كافية ووافية في أن نستفيد منها لتتكون لدينا صورة حقيقية عن طبيعة ذلك الدور السلبي والتخريبي، وعن مستواه الفظيع والخطير والشنيع جِـدًّا.

وأيضاً إلى جانب هذا الاستشراف، وهذا التحذير، وهذا التنبيه الذي كان من جانبِ النَّبِيّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- الذي يكفي ويفي في أن يكشفَ حقيقةَ دورهم الخطير جِـدًّا على هذه الأُمَّـة، والبالغ السوء في واقع هذه الأُمَّـة، أتى الواقعُ ليُثبِتَ ذلك، ما نقله التاريخ -وكما نكرّر- التاريخ الذي يحسب لمختلف المذاهب، وليس فقط من جهة واحدة، أَو من مذهبٍ واحد، التاريخ الذي هو معروف بين هذه الأُمَّـة، مصادر تاريخ المذاهب المختلفة والتيارات المختلفة، ما نقله هو الشيء الغريب العجيب، والله أعلم ما هو الذي خفي ولم ينقل، ما نقله فيه العجب العجاب؛ لأَنَّها أحداث كبيرة، أشياء شهيرة، عندما أشرنا بالأمس إلى إساءتهم إلى المُقَدَّسات، إساءتهم إلى الرسول، انتهاكهم لحرمة المُقَدَّسات الإسْــلَامية، أنبه أَيْـضاً إلى أنهم أَيْـضاً استهانوا حتى بحُرمة القُــرْآنِ الكريم، أساؤوا إلى الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بتعبيراتٍ ومواقفَ كانوا يطلقونها ويقولونها فيه، أَيْـضاً في مجالسهم الرسمية، مجلس الملك الأُمَوِيّ يُسبُّ رَسُــوْل الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ وَسَلَّــمَ- في حضرتهم، من جانب من يقرِّبونهم ويدنونهم في مجالسهم من اليهود والكافرين، فيغضون الطرف عن ذلك، ويضحكون لذلك، وينسجمون مع ذلك، وَإذَا أتى أحد ليزجر ذلك اليهود الساب لرسول الله، يغضبون، ويعتبرون ذلك أذيةً لجلسائهم، كما حصل مع هشام، الملك هشام الأُمَوِيّ الذي غضب من الإمام زيد -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- عندما انتهر اليهود الذي يَسبُّ رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- فقال: (لا تؤذِ جليسنا يا زيد)، كم نقل التاريخ من مثل هذه المواقف التي كانت توجّـه فيها الإساءات إلى رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بشكلٍ مباشر تحت حمايتهم، مع ذلك عملوا خطةً أُخرى للاستهداف لمقام رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- ومكانته المهمة في نفوس المسلمين، وهي من أخطر ما فعلوه وما صنعوه، وهي تدخل تحت عنوان: (اتخذوا دين الله دغلاً)، لقد اختلقوا وصنعوا الكثيرَ من الروايات والأخبار، وما يُطلَقُ عليه بالأحاديث، مما فيه الحطّ من مكانة رَسُــوْل الله، والإساءة الكبيرة جِـدًّا إلى رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وأتى البعض ليقول عنها بأنها: [أحاديث صحيحة]، ثم تكتب، ينقلها الرواة، ويأتي من ينقلها في مجاميعَ حديثية، يحشرها مع بقية الأحاديث، وتقدَّم إلى الأُمَّـةِ على أنها من الحديث، وأنها من السُّنة، وفيها إساءات شنيعة جِـدًّا إلى رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- في مقابل التعظيم لهذا أَو ذاك، لهذا الشخص أَو ذاك، لهذا الرمز أَو ذاك، يحطون من مكانة رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- كم ورد من ذلك؟ الشيء الكثير الكثير.

عندما يتهمونه على مستوى عملية التبليغ للوحي، وأن الشيطان تدخَّل ونطق على لسانه، وأنه افترى على الله وهو يقرأ سورة النجم! هكذا يقدِّمون عن رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- أنه بينما يقرأ سورة النجم، وقرأ قول الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى-: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخرى}[النجم: 19-20]، اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاة: أصنام من أصنام قريش التي كانت تعبدها، وتعكف عليها، وتشرك بها، تجعل منها آلةً مع الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- يأتون ليقولوا في روايةٍ اختلقوها وصنعوها وقاموا بصياغتها؛ للحط من مكانة رَسُــوْل الله، وللتشكيك في أمانته في تبليغ الرسالة، وفي تبليغ القُــرْآن الكريم، يقولون في روايتهم تلك: أنَّ الشيطان تدخَّل وسيطر في تلك اللحظة على الرسول، وعلى لسانه، وعلى منطقه، وجعله ينطق ليقول: [تلك الغرانيق العلا، وإنَّ شفاعتهن لترتجى]! يعني: تعبير فيه شرك، فيه افتراء، فيه تعظيم للأصنام، فيه كذب على الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- فيه إثبات الشفاعة لتلك الأصنام، على هذه الرواية التي اختلقوها وصنعوها، اعتمد سلمان رُشدي في كتابه المسيء للإسْــلَام، والذي حكم عليه الإمامُ الخميني -رِضْــوَانُ اللهِ عَلَيْـهِ- حكَمَ عليه بالقتل، عقوبةً لما في ذلك الكتاب من إساءات إلى رَسُــوْلِ الله، وإلى الإسْــلَام، وإلى القُــرْآن، اعتمد على مثل هذه الرواية، فإذاً كم ورد فيما قدَّموه كروايات وتكتب، وتصبح من الأحاديث، وتصبح ضمن المنهج الرسمي الذي يعتمد عليه في الساحة الإسْــلَامية لدى كثيرٍ من أبناء الأُمَّـة، روايات تسيء إلى النَّبِيّ بأشنع ما يمكن أن نتخيله أَو نتصوره، حتى أنَّ البعض ممن يسيئون إلى الرسول في الغرب في هذه المرحلة وفي مراحل سابقة، كانوا يعتمدون في إساءتهم إلى رَسُــوْل الله على تلك الروايات، يقولون: [هذه رواياتكم، يا أيها المسلمون هذه الروايات في مجاميعكم الحديثية، هي التي تقدِّمه أنه… وأنه… وأنه احتفل مع الشيطان في جلسة يوم العيد، وجلسة لهو وغناء وطرب، وأتى فلان الصحابي فهرب منه الشيطان، وقطع تلك الجلسة]… وهكذا قصصٌ كثيرة، وحكايات مسيئة إلى رَسُــوْل الله، [وأنه دخل إليه فلان وهو عارٍ ولم يتستر، ودخل آخرُ وهو عارٍ ولم يتستر، ودخل الثالث فتستر، لماذا؟ قال: لأَنَّ الملائكة تستحي منه، كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة]، كم ذكروا وكم أوردوا من عبارات، من عملية تصوير صورة شنيعة تقزم مكانة رَسُــوْل الله في نفوس من يتأثر بتلك الروايات، بذلك القصص، بتلك الأحاديث، الكثير لدرجة أنَّ البعض يستحي الإنسان من رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- أن يتحدث به حتى عنهم، أن ينقل ما قالوه في رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-.

قبلَ كُـلِّ ذلك على المستوى العقائدي فيما يتعلَّق بالعقيدة الإيمانية، فيما يتعلق بمعرفة الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- فيما يتعلَّق بالعدل الإلهي، فيما يتعلَّق بالوعد والوعيد، فيما يتعلَّق بعالم الآخرة والجنة والنار والحساب والجزاء، كم صنعوا، كم زيفوا، كم غيَّروا، كم بدلوا، فهم عملوا على أَنْ تَكُــوْنَ نظرة هذه الأُمَّـة إلى الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- نظرة مجرَّدة من القدسية، من العظمة، من التأثر، بل نظرة يترتب عليها في الواقع العملي اتّجاهات خاطئة، سلوكيات خاطئة، من يتأثر بمجموع تلك الروايات والأخبار لا يتحاشى- إن كانت رمزية الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- عنده على ذلك النحو، بتلك الكيفية، بذلك التصور الذي قدَّموه- لا يتحاشى أَنْ يكُــوْنَ في الواقع الذي يعتبر نفسه فيه متديِّناً، أَنْ يكُــوْنَ على ذلك النحو من الانحرافات السلوكية، والتصرفات الغريبة جِـدًّا، من يتأثر بما قدَّموه لن تكون علاقته بالرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- إلَّا علاقة قاصرة وناقصة، ويشوبها الكثير من النظرة الخاطئة، من النظرة الخاطئة، ستكون علاقة قاصرة وناقصة عن العلاقة المفترضة بين هذه الأُمَّـة وبين نبيها في التعظيم له، في التوقير له، في معرفة قدسيته، في معرفة ما هو عليه، في التأثر به، في الاقتداء به بشكلٍ صحيح، يفقد من يتأثر بهم، وبما صنعوه، وما اختلقوه من روايات وقصص وأخبار وسير اختلقوها يتأثر سلباً في ذلك.

أيضاً فيما يتعلَّق بعلاقتهم بالقُــرْآن الكريم، ها هو أحد ملوكهم وقد استفتح في المصحف، فطلع في الصفحة التي رآها ووجدها عندما فتح المصحف، طلع أمامه قول الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى-: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُـلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ}[إبراهيم: 15-17]، أحد ملوكهم (الوليد) غضب غضباً شديداً، لماذا عندما استفتح في المصحف طلعت هذه الآية، فماذا عمل؟ قام باستهداف المصحف بالسهام ومزقه، وقال شعره المعروف الذي نقله المؤرِّخون:

أتــوعـدني بجَبَّــارٍ عنيــــد

فهــا أنـا ذاك جَبَّارٌ عنيد

إذَا ما جئتَ رَبَّك يومَ حشرٍ

فقُلْ يا رَبُّ مزّقني الوليد

 

منتهى الاستهتار بالقُــرْآن، هل بعد هذا استهتار بالقُــرْآن الكريم، بأقدس المُقَدَّسات التي بين أيدينا كأمةٍ مسلمة، استهتار رهيب جدًّا:

إذَا ما جئتَ رَبَّك يومَ حشرٍ

فقُلْ يا رَبُّ مزّقني الوليد

 

هكذا كانوا، وتصوّر إنساناً كهذا في موقع السلطة، يتأمَّر على الأُمَّـة الإسْــلَامية، كيف سيكون مع هذه الأُمَّـةِ؟ كيف هي نظرته مع بقية تفاصيل هذا الدين وهو لا يحترم حتى القُــرْآن؟ هل يمكن أن يحترم بعد ذلك شيئاً من هذا الدين؟ هل يمكن؟ لا، هم في هذا المستوى من السوء، من الخطورة على هذا الدين وعلى هذه الأُمَّـة في دينها، في أقدس مقدَّساتها، في منهجها العظيم، كيف يمكن أَنْ يكُــوْنَ دورهم في داخل هذه الأُمَّـة إلَّا دوراً تخريبياً مسيئاً، يقوِّضُ المبادئَ والقيم الإسْــلَامية العظيمة، ويحل محلها ويقدِّم بديلاً عنها ما هو ضلال، ما هو سيء، ما هو فساد، ما هو انحراف، ما هو تزييف، وهذا يضيع الأُمَّـة.

انتهاكُ حُرمة المقدَّسات في مكة والمدينة، حتى الكعبة المشرَّفة يستهدفونها بالمنجنيق، يحرقونها بالنار، يستهدفونها حتى الهدم، المدينة يستبيحونها، حَرَمَ رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- يستبيحون سكَّانها من المهاجرين والأنصار، ومن لحق بهم، ثلاثة أيام استباحها جيش يزيد: استباح فيها الدم والعرض والمال، ثلاثة أيام أباحها لجيشه: [أنِ اقتلوا من شئتم، واغتصبوا من أردتم من النساء، وخذوا ما وجدتم من المال والممتلكات]، وارتكبوا أبشع الجرائم، فعلوا الأفاعيل، اغتصبوا بناتِ المهاجرين والأنصار، المئات منهن ولدن بعد ذلك ممن لم يكن قد تزوجن، انتهاك للأعراض، استباحة لشرف الناس وكرامتهم، لا قيمة عندهم للمسلمين، حتى للمهاجرين والأنصار، صدر أمر: [أنِ اقتلوا من وجدتموه من أهل بدر من بقي منهم]، وكانوا يلاحقون حتى من كان طاعناً في السن على فراشه، فيقومون بقتله؛ لأَنَّه ممن حضر مع رَسُــوْل الله في معركة بدر، أوليس هذا انتقام من رَسُــوْل الله ومن الإسْــلَام والمسلمين؟ انتقام لما يعود إلى جاهلية بني أُمَـيَّـةَ، إلى مرحلة حربهم الصريحة ضد الإسْــلَام من موقع الكفر والشرك والطاغوت، كان هذا هو الذي يحدث.

الوحشية والإجرام التي هي لا تمت إلى الإسْــلَام بصلةٍ أبداً، مثل: قتل الأطفال، هم من كانوا جريئين في ذلك، وكانت جيوشهم وكان جنودهم وقادتهم يرتكبون مثل هذه الجرائم بكل بساطة في منتهى الوحشية والإجرام، أحد قادتهم (بُسر بن أرطأة) عندما وصل إلى اليمن كان يذبح الأطفال في عهد الطفولة في سن الطفولة، يجيئون بهم إليه، ويأمر بذبحهم بشكلٍ مباشرٍ ومتعمد، أطفال.

في المدينة المنوَّرة عندما اقتحموها ماذا فعلوا؟ كانوا يأخذون الطفل الرضيع من أمه وهي تحتضنه وترضعه، وتحاول أن تتشبث به، وتسعى لحمايته منهم، يأخذونه عليها رغماً عنها برجليه، ويضربون به عرض الحائط فينثرون دماغه إلى الأرض، وكل هذا يحسب على أنه إسْــلَام، وأنهم جنود الدولة الإسْــلَامية، الذين يرتكبون هذه الجرائم الوحشية جِـدًّا.

حرملةُ عندما وجَّه سهمَه ذا الشُّعَــبِ الثلاث لقتل طفل الإمَـام الحُسين -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- الرضيع وهو ظامئٌ جِـدًّا، أُمُّــهُ لم يَبْقَ فيها الحليبُ لتُرضِعَه، وقد أخرجه الإمَـامُ الحُسين -عَلَيْهِ السَّـلَامُ-، وبأمرٍ من القائدِ العسكري الموالي لبني أُمَـيَّـةَ يقومُ حرملة بتوجيه ذلك السهم إلى نحر ذلك الرضيع، فيذبحه من الوريد إلى الوريد، وهذا سيعتبر من الإنجازات للدولة وللجنود الذين يقدمون أنفسهم باسم الدولة الإسْــلَامية… وهكذا صنعوا واقعاً مأساوياً مظلماً، واقعاً فيه التوحُّش، فيه الإجرام في منتهاه، في أقسى ما يمكن أن نتصوره، في أسوأ الممارسات الإجرامية التي يمكن أن تحصل في الواقع البشري في واقع أي أُمَّـةٍ من الأمم فيها طغاة، وفيها مجرمون، وفيها متسلطون، وفيها فاسدون، ثم يأتي البعض ليبسِّط كُـلّ هذا، بل لينفعل، بل ليغضب، بل أكثر من ذلك ليحاولَ أن يغطيَ على كُـلِّ تلك الجرائم.

تأتي في عصرنا هذا مناهج دراسية في عددٍ من البلدان العربية لتقدِّم صورةً مختلفة تمجِّد بني أُمَـيَّـةَ وتعظمهم، وتتجاهل ما ورد في تاريخ الأُمَّـة -كُـلّ الأُمَّـة- من مختلف المذاهب عن ذلك التاريخ الإجرامي، عن تلك الممارسات الشنيعة جِـدًّا التي هي بعيدة حتى عن الإنسانية كإنسانية، من يمتلك الضمير الإنساني، من يمتلك المشاعر الإنسانية فحسب، ما بالك بالإسْــلَام في عظيم ما يقدِّمه من مكارم الأَخْـلَاق، وما يربي عليه من المبادئ والقيم الإلهية العظيمة، أين هذا كله من قول الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى-: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}[الجمعة: من الآية2]، هل يكون بعد قليلٍ من العقود من الزمن على هذا المستوى: يستهدفون الكعبة التي قدَّسها العرب حتى في العهد الجاهلي، واحترموها في العصر الجاهلي، فيأتي هؤلاء باسم الإسْــلَام ويرمونها بالمنجنيق، ويحرقونها بالنار، يستبيحون حرم المدينة، يستبيحون العرض، يقتلون الأطفال على ذلك المستوى المتوحش، أتى الواقع فأثبت سوء ما فعلوا وما هم عليه، حاربوا الإمام علياً -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- الإمام عليٌ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- الذي هو بمنزلة هارون من موسى، الذي هو يمثِّل الامتداد الأصيل لمنهج الإسْــلَام العظيم، حاربوه بعظيم منزلته ومقامه في الأُمَّـة، وعلى ماذا حاربوه؟ هل كانت المشكلة مشكلة هامشية؟ هل كانت حربُهم عليه إلَّا حرباً على الإسْــلَام، الإسْــلَام في أصالته، حاربوه، فكانوا هم الفئةَ الباغية، وكانوا هم القاسطين، وكانوا هم في موقع الباطل في سعيهم لمنع الإمام عليٍّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- من نشر الإسْــلَام، وتثبيت قواعده، وترسيخ منهجه وشرعه وفق ما قدَّمه الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- من إقامة العدل في واقع الأُمَّـة، حاربوه أشد الحرب، وتآمروا عليه حتى الاستشهاد، وهم من يتحملون المسؤولية في وزر قتله بالغيلة، وهو وزرٌ كبير، ووزرٌ شنيع؛ لأَنَّ مقام الإمام علي -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- هو بعد منزلة رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بمنزلة هارون من موسى، إلَّا أنه لا نبيَّ بعدَ رَسُــوْلِ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- كان وِزْراً عظيماً وشنيعاً.

حاربوا الإمامَ الحَسَنَ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- وقتلوه بالسُّم، حاربوا الإمَـامَ الحُسين -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- وقتلوه في جريمة من أبشع الجرائم، لا مثيلَ لها حتى في العهد الجاهلي، ما فعلوه بالأُمَّةِ من قتل أخيار الصحابة، المئات من الأخيار من صحابة رَسُــوْل الله الذين جاهدوا مع رَسُــوْل الله وجاهدوا مع الإمام علي -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- وحاربوهم، وقتَّلوهم، واستهدفوهم، والبعض منهم في عملية إعدام فيما بعد ذلك، عمليات إعدام استهدفوا بها البعض من أخيار صحابة رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- أخذوهم وسجنوّهم وأعدموهم، كم سجَّل التاريخُ من هذه الجرائم البشعة والفظيعة جِـدًّا.

استئثارُهم بالمال العام تحدثنا عنه.

وصلت حالةُ الاستغلال والطغيان والعبودية فيما فعلوه في المدينة، أن أجبروا من بقي من أهل المدينة -بعد وقعة الحرَّة- أن يبايعوا يزيداً على ماذا؟ على أنه ملك؟ لا. على الإمرة والسلطة؟ لا. أن يبايع الواحد منهم على أنه عبدٌ قِنٌّ خالصٌ ليزيد بن معاوية، أي بيعة هذه! وهكذا أجبروهم واحداً تلو الآخر، كُـلّ الذين بقوا من أهل المدينة أجبروهم على هذه البيعة، وختموا عليهم بختم الرِّق والعبودية، ختم معين، من خلال الكي بالنار بختمٍ معين كعلامة على أنَّ هذا الإنسان عبدٌ، هذه الممارسات هل هي بسيطة؟! الإسْــلَام الذي يربي على الكرامة والحرية والعزة، التربية الإسْــلَامية في منهج الإسْــلَام وفي منهج نبيه وهُداته هي تربية على الكرامة، وليست إذلالاً لهذا المستوى من الإذلال والامتهان والقهر، على أنهم عبيدٌ قِنٌّ ليزيدَ بنِ معاوية، هكذا كانت ممارساتهم الإجرامية.

أمَّا على مستوى الاستباحة للأَخْـلَاق، انتهاك الحرام والحلال، وإلغاء قاعدة الحلال والحرام في كثيرٍ من الأشياءِ المهمة، فحدِّث ولا حرج، أعادوا الترويج للخمور في الساحة العربية والإسْــلَامية، بعدما كان الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بجهود كبيرة، وبنصوص تشريعية في القُــرْآنِ الكريم وعبر رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وجهود كبيرة قد طهّر الساحة الإسْــلَامية -إلى حَــدٍّ كبيرٍ- من هذا المشروب الخطير جِـدًّا الكارثي.

القُــرْآن الكريم أتى بكثيرٍ من النصوص، من بينها ما ورد في القُــرْآن الكريم عن الخمر أنه: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}[المائدة: من الآية90]، ثلاثة أشياء: (رِجْسٌ) وكونه رجس هذا تحريم له، مع التنبيه على سوئه وخطورته، (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وهذا تحريم إضافي، تأكيد على التحريم وعلى خطورته، (فَاجْتَنِبُوهُ) نهي حاسم وتحريم قاطع وواضح، فإذا بهم يروِّجون للخمر وينشرونه، وكان الواحد منهم يمسي سكراناً ويصبح مخموراً، بكل ما للخمر من آثار سيئة وتدميرية جِـدًّا، من إفساد للإنسان، (جُعِلت الشرور كلها في بيت، وجُعِلَ مفتاحه الخمر)، تشبيه للخمر بأنه مفتاح لكل المفاسد والشرور، المدمن على الخمر يمكن أن يرتكب أي جريمة، تفسد نفسيته بالكامل، يصبح إنساناً فاسد النفس، منحطاً، يقتل في نفسه الضمير والكرامة، ويصبح قابلاً لأَنْ يرتكب أية جريمة أَو فساد أَو منكر، فروَّجوا للخمر، ونشروه في الساحة من جديد، وأساءوا بذلك، وكانوا هم من تَرِد إليهم القوافل المحملة بالخمور إلى قصورهم وإلى مواقع سلطانهم وإمارتهم.

انتشار المفاسد الأَخْـلَاقية: الفواحش أعادوا نشرها في الساحة بشكل كبير، روَّجوا لها، هيَّأوا لها، مثل ما هناك الآن هيئة ترفيه في المملكة العربية السعودية، كان لهم أنشطة -هم- أوسع من ذلك.

فهذا الدور الخطير جِـدًّا، الذي عملوا من خلاله إلى إفساد المجتمع الإسْــلَامي، وإلى إبعاده عن الإسْــلَام؛ حتى يصبحَ هناك نموذجٌ مختلِفٌ، شكلٌ مختلفٌ من الإسْــلَام، يُبقِي على بعضٍ من الطقوس والشعائر، مع إبعادِ الكثير من الأُسُسِ والمبادئ والأَخْـلَاق المهمة التي تُصلِحُ واقعَ الحياة، غيَّبوا الإسْــلَامَ الذي يصلح واقع الحياة، الإسْــلَام الذي يحق الحَــقّ ويزهق الباطل، الإسْــلَام الذي يقيم العدل في واقع الحياة، الإسْــلَام الذي يسمو بالإنسان، يزكيه، يربيه على مكارم الأَخْـلَاق، يسمو به في فكره، في وعيه، في فهمه، في ثقافته، وأعادوا الكثير من الخرافات لتَكُــوْنَ هي المنهج الذي ينشر في الساحة بشكل روايات، بشكل مواعظ، بشكل قصص، في عملية التعليم؛ حتى ملأوا الكثير من عقول الناس وتصوراتهم ومفاهيمهم بالمفاهيم الخاطئة جِـدًّا، والخرافات الكثيرة جِـدًّا، هذا الدور السلبي هدف إلى إفساد المجتمع الإسْــلَامي وتربيته ليصبح بيئةً متقبِّلةً للطغاة، للظالمين، للمجرمين، تربية الباطل، عندما يتحَرّكون في ساحةٍ قد أفسدوها لا يجدون أية عوائق أمامهم، هم أرادوا ذلك وسعوا إلى ذلك مع عدائهم للإسْــلَام نفسه، مع موقفهم السلبي تجاه الإسْــلَام نفسه.

في مقابل ذلك ندرك ويتضح لنا أهميّة وقيمة وعظمة الدور المناهض لهذا الدور السلبي، إذَا كان هذا الدور السلبي والتخريبي والخطير جِـدًّا يتحَرّك في واقع الأُمَّـة مستنداً إلى إمْكَانات، وإلى جمهور، وإلى أَتْبَاع، وإلى جُيُوش، وإلى قدرات ضخمة يتحَرّك بها في الساحة الإسْــلَامية، وفي الأخير وصل إلى السلطة، كانت القضية خطيرة جِـدًّا على المجتمع الإسْــلَامي بكله، إذَا تمكَّن هذا الدور من أن تستحكم قبضته بشكلٍ تام، ولم يبق هناك من دورٍ صحيحٍ يناوئ هذا الدور، لَضاع الإسْــلَام نهائياً من واقع هذه الأُمَّـة، الإسْــلَام في أصالته، الإسْــلَام في حقيقته، الإسْــلَام في مبادئه العظيمة، ولتحولت كُـلُّ الساحة الإسْــلَامية إلى واقعٍ مختلفٍ وفق الصناعة الأُمَوِيّة، الشكل الذي قدَّمه أولئك، لكانت المسألة في غاية الخطورة جِـدًّا جدًّا، لكن في المقابل كان هناك الدور العظيم والمهم الذي حفظ للإسْــلَام امتداده، بالرغم من ذلك الدور التخريبي والسلبي لبني أُمَـيَّـةَ، كان هناك الدور العظيم والمهم الذي حفظ للإسْــلَام امتداده بأصالته، ليبقى حاضراً في الساحة يتصدى لذلك الدور التخريبي، وموجوداً عبر الأجيال ليمتد وليصل إلينا -بنعمة الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى– في هذا العصر.

الإمامُ عليٌّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- كان له الدورُ الأولُ من بعد وفاة النَّبِيّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- والنَّبِيُّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- عندما تحدَّث عن الإمام عليٍّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- بتلك النصوص، وسعى إلى أن ترتبطَ الأُمَّـةُ به من موقعه بعدَ وفاةِ النَّبِيِّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- في الهداية والقيادة لهذه الأُمَّـة؛ باعتباره يمثِّل الامتداد الأصيل والنقي والصحيح لهذا الإسْــلَام العظيم، النَّبِيّ أَسَّسَ لأَن يمتدَّ هذا الإسْــلَام بهدايةٍ من الله، بأمرٍ من الله، بتوجيهٍ من الله -سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَـى- ولهذا الإمامُ عليٌّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- في حديث النَّبِيّ عنه -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- الحديث الواسع عن منزلته، عن مقامه، عن دوره، عن أن تفهمَ الأُمَّـةُ أنه مع القُــرْآنِ والقُــرْآنُ معه، حينما كان يقولُ للأُمَّـةِ: (عليٌّ مع القُــرْآن، والقُــرْآنُ مع علي)، (عليٌّ مع الحَــقِّ، والحقُّ مع عليٍّ)، عندما أعلن ولايته في يوم الغدير، عندما أتى بالكثير من النصوص بشأنه، وأنه منه بمنزلة هارون من موسى، إلَّا النبوة، عندما تحدث عن دوره المستقبلي أنه: يقاتل على تأويل القُــرْآن كما قاتل النَّبِيّ على تنزيله، وهذا من أَهَـمِّ النصوص، فيما يفيده من حفاظ على المفاهيم الإسْــلَامية؛ لأَنَّ الخطر فيما بعد وفاة النَّبِيّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- الخطر بالنسبة على هذه الأُمَّـة هو يأتي من التحريف للمفاهيم، الله حفظ القُــرْآن الكريم في نصه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: الآية9]، والنَّبِيُّ جاهد في مرحلةِ التنزيل، يوم كان العربُ يكذِّبون بهذا القُــرْآنِ حتى بنَصِّه، الإمامُ عليٌّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- كان له هذا الدور: أنه يقاتلُ على التأويل كما قاتل النَّبِيُّ على التنزيل؛ لأَنَّ الإمامَ علياً حفظ لنا المفاهيمَ الصحيحةَ والمصاديقَ للنصوص القُــرْآنية، يوم أتى علماءُ السوء الموالون لبني أُمَـيَّـةَ ليقدِّموا مفاهيمَ وتفاسيرَ للنصوص القُــرْآنية وللدين الإسْــلَامي تخالف الحقيقة في عملية تزييفهم وتضليلهم.

الإمامُ عليٌّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- كما تحدَّث عنه النَّبِيّ أَيْـضاً أثبت الواقعُ أنه نهض بهذا الدور، فكان هو الذي تصدّى للدور الأُمَوِيّ وحاربه بنو أُمَـيَّـةَ، عندما كان في الوقت الذي التفت حولَه الأُمَّـة كخليفةٍ لها قام بنو أُمَـيَّـةَ بمحاربته، ولم يطيقوه أبداً، فحاربوه حرباً شعواءَ، لكنه -سلامُ اللهِ عَلَيْهِ- قام بدوره على أكملِ وجه في أوساط الأُمَّـة، تحَرّك -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- في أوساط الأُمَّـة بكل ما يستطيعُ، مع ما عاناه من تخاذُلِ المتخاذلين، مع ما عاناه مما في واقع الأُمَّـة من تأثيرات سلبية أثَّرت على الكثير منها في مدى الاستجابة، لكن حركته، وجهاده، ونشاطه العام، وتقديمه النموذج في فعله وفي قوله وفي سلوكه المعبِّر عن أصالة الإسْــلَام، قد حفظ لنا الإسْــلَام، قد ثبَّت لنا الموقفَ الحَــقَّ، واكتشف الكثيرُ من الأغبياء فيما بعد استشهادِه -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- أهميّةَ هذا الدور عندما استحكمت قبضة بني أُمَـيَّـةَ بعد استشهاده -عَلَيْهِ السَّـلَامُ-؛ لأَنَّهم لم يتمكنوا من أن تستحكم قبضتهم على الأُمَّـة بشكلٍ كامل إلَّا بعد استشهاده -عَلَيْهِ السَّـلَامُ-. أدرك البعض -آنذاك- خطورة دور بني أُمَـيَّـةَ، وندم البعض على تخاذلهم في مناصرة الإمام عليٍّ -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- ممن لم يكن يستوعب مستوى تلك الخطورة.

الإمامُ الحسنُ والإمَـامُ الحُسينُ -عَلَيْهِمَـا السَّـلَامُ- والرسولُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- فيما قال بشأنهما لفت أنظارَ الأُمَّـة إليهما؛ لترتبطَ الأُمَّـةُ بهما من موقعهما في هذا الامتداد الأصيل لحركة الإسْــلَام في أصالته، (الحسنُ والحسينُ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنة)، ماذا يعني هذا النص إلا لفت أنظار الأُمَّـة إليهما، أنهما من يمثلان هذا الامتدادَ الأصيلَ للإسْــلَام، الإسْــلَام الحقيقي الذي يوصلُ إلى الجنة في مقابلِ الفئة الباغية الداعية إلى النار، في مقابل هذا: مقابل الفئة الباغية الداعية إلى النار، هنا الدعوة التي توصل إلى الجنة، (سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خيرٌ منهما)، كم هي النصوص الكثيرة بشأن الحسن والحسين سبطَي رَسُــوْل الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- التي تؤكّـد منزلتَهما، دورَهما المهمَّ في هداية الأُمَّـة، حينما قال النَّبِيُّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-: (حسينٌ مني، وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحب حُسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط)، ندركُ هنا أهميّةَ هذا الدور المهم جدًّا؛ لأَنَّه حَفِظَ لهذا الإسْــلَامِ امتدادَه، لو خلت الساحةُ الإسْــلَامية من هذا الدور الذي يمثِّل امتداداً أصيلاً للإسْــلَام الحَــقِّ، لتمكَّن بنو أُمَـيَّـةَ من طمسِ معالِمِ الإسْــلَامِ الحقيقية، لَأطبقت الساحةُ بكلها في حالةٍ من الإقبال على ذلك الزَّيف، وتتربى عليه الأجيال جيلاً بعد جيل، ولكانت المسألة في غايةٍ من الخطورة.

فالنَّبِيُّ فيما قاله، والواقعُ فيما أثبته من جُهدٍ وجهادٍ وتضحيةٍ وبيان، وحركة واسعة في أوساط الأُمَّـة، وصولاً إلى التضحية بالنفس، الإمامُ عليٌّ استشهد، الإمامُ الحسن استشهد بالسُّم، الإمَـامُ الحُسين -عَلَيْهِ السَّـلَامُ- استشهد في واقعة كربلاء، وهذا ما سيأتي الحديثُ عنه إن شاءَ اللهُ.

نَسْأَلُ اللهَ –سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَى- أن يوفِّقَنا وإيّاكم لما يُرضيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَــمَ شُهْدَاءَنا الأبرارَ، وَأَنْ يشفِــيَ جرحانا، وَأَنْ يفــرِّجَ عن أسرانا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بنصرِه.. إِنَّـهُ سَـمِيْـعُ الدُّعَـاء.

وَالسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.