الرئيسية >> أهم الأخبار >> السيد عبدالملك الحوثي في محاضرة بذكرى عاشوراء 1441هـ:

السيد عبدالملك الحوثي في محاضرة بذكرى عاشوراء 1441هـ:

 

هناك فجوةٌ بين واقع الأمة وما يُفترَضُ أن تكونَ عليه من صلاح واعتصام بحبل الله

امتدادُ الحق والمبادئ الإلهية عبرَ التاريخ تمثّل في آل البيت وأبناء الأمة الأخيار

الطلقاءُ هم من دخلوا الإسلامَ من واقعِ الهزيمة والاستسلام

تحرك بنو أمية من موقع النفاق لتحريف مفاهيم الدين

أَعُـوْذُ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِـسْـــمِ اللهِ الرَّحْـمَـنِ الرَّحِـيْـمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمين، وأَشهَـدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ المَـلِكُ الحَـقُّ المُبِيْن، وأشهَدُ أن سَيِّـدَنا مُحَمَّــدًا عَبْـدُه ورَسُــوْلُه خَاتَمُ النبيين.

اللّهم صَلِّ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ وبارِكْ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ، كما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ على إِبْـرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ إِبْـرَاهِيْمَ إِنَّـــكَ حَمِيْــدٌ مَجِيْــدٌ. وَارْضَ اللَّهُم برِضَاكَ عن أَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ المنتجَبِين وَعَـــنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّـالِحِين.

أَيُّهَـا الإِخْـوَةُ والأخوات:

السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.

في هذه المحاضرة نتحدَّثُ عن عاشوراءَ وعن فاجعة كربلاء من خلال عنوانٍ مُهِـمّ: ما هي علاقة الأُمَّـةِ بتاريخها وماضيها؟ من خلال هذا العنوان ندخل إلى هذه الفاجعة وهذه المأساة الكبرى التي سطَّرها لنا التاريخ، وكانت حادثةً عظيمةً ومؤسفةً ورهيبةً في تاريخ الأُمَّـةِ، عندما نعودُ إلى واقعنا فإنه هو الأَسَاسُ الذي ننطلقُ من خلاله لقراءة التاريخ ولاستشراف الماضي، الحاضرُ -أَيُّهَـا الإِخْـوَةُ والأخوات- الذي نعيشُه، والواقع الذي نحن فيه بكل ما فيه إنما هو نتاجٌ للماضي، وَأَيْـضاً هو عندما نتجه لإصلاح ما فيه وللتغيير فيه، فنحن سنكونُ حتماً بحاجةٍ إلى العودة إلى هذا الماضي، لنشخِّصَ من خلاله جذور ما نعيشُه من المشاكل والاختلالات والأزمات، ولنستفيدَ مما في ذلك الماضي وما في ذلك التاريخ من الدروس والعِبَـر التي نحن في أَمَسِّ الحاجة إليها؛ للاستفادة منها في معرفة الطريقة الصحيحة، والحلول الصحيحة الناجعة والمفيدة التي تنقذ الأُمَّـة مما تعانيه.

إذا تحدثنا عن الواقع الذي تعيشُه الأُمَّـةُ الإسْـلَامية بشكلٍ عام فكلنا يعرفه: واقعٌ مليءٌ بالمشاكل والأزمات والصراعات والحروب، واقعٌ تعيشُ فيه الأُمَّـةُ حالةَ الفُرقة والاختلاف، واقعٌ مليءٌ بالمظالم، ومليءٌ بالمفاسد، مليءٌ بالمنكرات، مليءٌ بالأزمات والمشاكل، تعيشُ فيه الأُمَّـةُ التخلُّفَ على المستوى الثقافي والعلمي والمعرفي والحضاري، وتعيشُ فيه الأُمَّـةُ أَيْـضاً المشكلةَ الكبرى في واقعها الاقتصادي، من خلال ما تعانيه من الأزماتِ الشديدة التي لا تعودُ إلى نُدرة الموارد، أَو إلى افتقارِ هذه الأُمَّـة فيما لديها وفيما هي فيه على مستوى الثروات والإمْكَانات والطاقات، وعندما ندرُسُ سببَ هذا الواقع الذي نحن فيه، هل هو حالةٌ مفاجئةٌ، وأتت وطرأت على واقعنا بشكلٍ مفاجئٍ كأُمَّةٍ إسْـلَامية بمختلف شعوبها وبلدانها وأقطارها، أم هي حالةٌ ورثها هذا الجيلُ كما كانت حالةً قائمةً على امتداد الأجيال الماضية، على مدى مئات السنين -القرون تلو القرون- التي عاشت ظروفاً مشابهة، وفي بعض الأحوال ظروفاً أصعبَ وأسوأَ من هذا الظرف التي تعيشه الأُمَّـة في هذا العصر؟

من هنا نتطلَّع لنعرفَ جذورَ المشكلة؛ لأَنَّنا عندما نرى واقعنا وواقع الأُمَّـة بشكلٍ عام على هذا النحوِ، ثم نعودُ إلى حقيقةٍ مُهِـمّة: هي ما هو الواقعُ المفترَضُ لهذه الأُمَّـة لو كانت وفق المسار الصحيح الذي رسمه اللهُ -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- لها، عندما نعودُ إلى القُــرْآن الكريم لنعرف ما هو الواقع المفترض بحسب انتمائنا لهذا الإسْـلَام العظيم كَأُمَّــةٍ مسلمة، انتمائنا للقُــرْآن، انتمائنا للاتباع للرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، نعودُ إلى القُــرْآن الكريم فنجدُ الحقيقةَ المفاجئةَ والمؤلمة جِـدًّا، عن الفجوة الكبيرة جِـدًّا بين الواقع المفترض أَنْ تكُـوْنَ الأُمَّـةُ عليه لو أنها سارت وفق ذلك المسار المرسوم لها من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-، والواقع الذي تعيشُه الأُمَّـةُ، وهو يختلفُ كلياً عن ذلك الواقع المفترض، ثم ندرُسُ ما هي المشكلة وأين جذورُ هذه المشكلة.

اللهُ -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- قال في كتابه الكريم وهو يذكُرُ نعمتَه العظيمة علينا كأُمَّةٍ مسلمة، يقول -جَـلَّ شَأْنُــهُ-: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[الجمعة: 2-3]، الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- امتنَّ علينا بخاتم رسله وأنبيائه سيدنا محمد -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وبعثه بالرسالة لينفِّذ مُهِـمّةً عظيمةً، لها أثرها الكبير في الناس وفي واقع حياتهم، يمتد أثرها في أنفسهم وإلى واقع حياتهم، هذه المُهِـمّة عبَّر عنها وفق النص القُــرْآني: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وهذه النصوصُ المباركة في هذه الآية القُــرْآنية:

{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}، آيات الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- التي هي نور، التي فيها الحقائقُ التي ينبئُنا اللهُ عنها ويخبرُنا بها، فتصنع فينا البصيرةَ، وتمنحنا الوعي، ونكتسبُ بها الهدايةَ، التي فيها أَيْـضاً التوجيهات الحكيمة والبنَّاءَة والمثمرة والنافعة والمصلحة للإنسان ولحياته، والتي فيها الدعوة من الله إلى كُـلّ خيرٍ ورشدٍ وفلاحٍ وعزةٍ، آيات الله التي هي من حكمته ومن رحمته، ويدعونا فيها إلى ما فيه الخير لنا، إلى ما يصلح حياتنا، التي فيها البرنامج الإلهي لهذا الإنسان الذي تصلح به حياته، وتستقيم به حياته، التي فيها -ما إن التزمنا به- ما يحقّق لنا في واقعنا العدل، ما يحقّق لنا في واقعنا الألفة والصلاح، ما يحقّق لنا في واقعنا الاعتصام والكلمة الموحَّدة.

ما يصلح أنفسَنا أَيْـضاً من خلال قوله أيضاً: {وَيُزَكِّيهِمْ}، هذه التزكية التي تنمِّي فينا الخير، وتنمِّي فينا مكارم الأَخْـلَاق، وتهذِّب النفس البشرية؛ لتضبط غرائزها، ولتنقيها من حالة الميول الفاسدة، والنزعات الخطرة، والميول الشريرة، التزكية التي تعني تنمية مكارم الأَخْـلَاق، وفي نفس الوقت الحد من تنامي كُـلّ عناصر الشر في داخل النفس البشرية، وكل المساوئ والسلبيات التي تؤثِّر على الإنسان في أعماله، وفي تصرفاته، وفي مواقفه، وفي سلوكياته بشكلٍ عام.

{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}، من جديد تتمحورُ المُهِـمّةُ الرئيسيةُ للنبيِّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- حول الكتاب: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}، وكذلك قوله: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}، ورسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- في تعليمه الكتاب لم يكن مجرد أستاذٍ يقدم المعارف على النحو الذي يقدِّمه الأستاذ للتلاميذ، بل أكثر من ذلك، كان من موقع التربية، كان من موقع المسؤولية، كان من موقع القيادة، كان من موقع التحَرّك العملي، كان من موقع الإرشاد المرتبط بالواقع، الذي يتجه إلى هذا الواقع، كان من واقع الإدارة لشؤون هذه الأُمَّـة، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} الحكمة لتكونَ أُمَّـةً حكيمةً في تصرفاتها، في مواقفها، في رؤاها، متوازنة، لا إفراط ولا تفريط، صائبة، راشدة، لا تعيش حالة الغباء، ولا تعيش حالة التحَرّك وفقاً للغرائز، ومن خلال الاندفاع الغريزي ومن خلال هوى الأنفس، أَو من خلال رؤى خاطئة وأفكار باطلة؛ إنما لتكونَ أُمَّـةً راشدة، تمتلك الرؤى الصحيحة، المفاهيم الصحيحة، وتنضبط على أَسَاسها في تصرفاتها الصحيحة والمسؤولة والمنضبطة بمعايير الحكمة وموازين الحكمة.

{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ}: ما قبل هذه النعمة الإلهية ببعثة الرسول ونزول القُــرْآن ومجيء الإسْـلَام، {لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، كُـلّ هذا كان غائباً عنهم، فكانوا يعيشون حالة الضياع بما تعنيه الكلمة، حالة التصرف بعيداً عن المسؤولية، عن الحكمة، عن الزكاء.

وهذه النعمة ليست منحصرةً وخَاصَّة بالجيل المعاصر لرسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، إنما أرادها الله نعمةً أن تستمرَّ في هذه الأُمَّـة، وتستمر في الواقع البشري من خلال هذه الأُمَّـة التي إن سارت وفق المسار الصحيح يمكنُ أن تتسعَ دائرتُها في الوسط البشري؛ ولهذا قال الله -جَـلَّ شَأْنُــهُ-: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} للأجيال القادمة، للأجيال اللاحقة، هذا هدى الله لها، هذه نعمة الله المقدَّمة لها.

{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وثمرة كُـلّ هذه النعمة الإلهية، كُـلّ هذه الإرشادات (نعمة القُــرْآن، نعمة الرسول بهذه المُهِـمّة العظيمة): هي عزة، وهي حكمة، وهي خير، وهي رشاد، والله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- فعل كُـلّ ذلك بعزته وبحكمته.

أيضاً في القُــرْآن الكريم يقولُ الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران: من الآية110]، يريد الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- للأُمَّـة الإسْـلَامية أَنْ تكُـوْنَ خير أُمَّـة، وهيَّأ لها خير قادةٍ وخير هداةٍ، هيَّأ لها الطليعة والنواة التي يمكن أن تقودها على هذا الأَسَاس لتجعل منها خير الأمم.

{خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}؛ لأَنَّ المسؤولية مسؤولية عامة، مسؤولية تجسيد هذه القيم والتحَرّك بهذه الرسالة في أوساط البشرية، وقيادة المجتمع البشري على أَسَاس من هذه المبادئ والتوجيهات والتعليمات الإلهية المُهِـمّة.

{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ثلاثةُ عناصرَ أَسَاسية تقومُ عليها خيريةُ الأُمَّـة، وتنطبِقُ كلياً في أخيار هذه الأُمَّـةِ، في صفوة هذه الأُمَّـة، في هُداة هذه الأُمَّـة، ويُرادُ للأُمَّـة أن تنهجَ هذا النهجَ، وأن تسيرَ في واقعها على هذا الأَسَاس، أَنْ تكُـوْنَ الأُمَّـةُ التي تتحَرَّكُ وهي تحملُ هذه المسؤولية، وفي نفس الوقت تلتزمُ في واقعها على أَسَاس هذه المسؤولية، فتكونُ هي أُمَّـةَ المعروف، المعروفُ الذي يشمل كُـلّ مكارم الأَخْـلَاق، يشملُ كُـلّ الإيجابيات، يشملُ كُـلَّ ما دعانا الله إليه، وأمرنا الله به، ورسمه لنا في هذه الحياة، يشمل كُـلّ ما يترتب عليه الخير لنا والفلاح والصلاح، وما تصلح به حياة البشر، هذا المعروف الذي أراد الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- للأُمَّـة أَنْ يكُـوْنَ لها النهجُ، وأَنْ يكُـوْنَ لها المبادئُ، وأَنْ يكُـوْنَ لها العنوان الذي تتحَرَّكُ في تفاصيله ملتزمةً بها، وداعيةً إليها، وآمرةً بها، وساعيةً إلى ترسيخها وإلى نشرها وإلى فرضها في واقع الحياة.

{وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، المنكرُ ذلك العنوان الواسع الذي يندرجُ تحته كُـلّ التفاصيل السيئة: الفساد، الظلم، الباطل، الجرائم.. كُـلّ تلك التفاصيل والسلبيات الخطيرة والسيئة في واقع الحياة، أَنْ تكُـوْنَ هذه الأُمَّـة أُمَّـةً تعملُ على تحصين ساحتها من المنكر، وتحارب المنكر، تمقت المنكر، تتخذ المواقف الحاسمة ضد المنكر، تسعى لإزالة المنكر، تنهى عن المنكر، تسعى لتحصين ساحتها الداخلية وتطهير ساحتها الداخلية من المنكر، ثم تسعى إلى -أيضاً- إلى إزاحة هذا المنكر من واقع حياة البشرية، فتكون الأُمَّـة الناهية عن المنكر، والتي لا تقبلُ بالمنكر: سواءٌ أكان هذا المنكرُ ظُلماً، أَو فساداً، أَو انحرافاً أَخْـلَاقياً، أَو باطلاً… كُـلّ التفاصيل التي تندرج ضمنها، كُـلّ السلبيات السيئة في واقع الحياة وفي كُـلّ مجالات الحياة، فتكون هذه الأُمَّـة أُمَّـةً تحصِّن نفسها وتبعد نفسها عن المنكر، ثم تنهى عنه أَيْـضاً في الساحة البشرية من حولها، وتنطلق في هذه المسؤولية بكلها، وهي مسؤولية كبيرة جداً؛ لأَنَّها ستضبط مسيرة حياتها على أَسَاسها، يكون المعروف هو الذي نعمل على أن نربط مسيرة حياتنا، برنامج حياتنا، ننظم شؤون حياتنا في كُـلّ المجالات: إن جئنا إلى المجال الاقتصادي، إن جئنا إلى المجال السياسي، إن جئنا إلى كُـلّ مجال من مجالات الحياة، كُـلُّ شأن من شؤون هذه الحياة، في واقعنا الاجتماعي، في واقعنا الاقتصادي، في واقعنا السياسي… في كُـلّ مجال، في سلوكياتنا وتصرفاتنا بشكلٍ عام نضبطُها بالمعروف وعلى أَسَاس المعروف، ثم نعملُ على إزاحة المنكر، على تنقيتِها من المنكر، على تطهيرها من المنكر، على التخلص من هذا المنكر في كُـلّ أشكاله السلوكية والعملية.

هذه الأُمَّـةُ يضبِطُ برنامجَها هذا ومسؤوليتها هذه ضابطٌ مُهِـمٌّ وأَسَاسيٌ: هو الإيمان بالله، {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، عندما تنطلق على هذا الأَسَاس هو الذي يضمن لها الاستقامة، ويضمن لها الدافع، ويضمن لها العامل المُهِـمّ الذي يساعدها على الانضباط وفق هذه المسؤولية المُهِـمّة والعظيمة.

هذه الأُمَّـة هي الأُمَّـة التي قال لها الله -جَـلَّ شَأْنُــهُ- في القُــرْآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ}[المائدة: من الآية8]، هي الأُمَّـة التي أمرها الله، وجعل من أَهَـمِّ التزاماتها الإيمانية والدينية أَنْ تكُـوْنَ أُمَّـةً قائمةً لله، بل قوامةً وليس فقط قائمةً؛ لما يفيدُه هذا التعبيرُ القُــرْآني (قَوَّامِينَ) من حركةٍ مستمرّة، من نهوض مستمرّ، من حركة متصاعدة، {قَوَّامِينَ لِلَّهِ}، قوامين بماذا؟ يعني: تنهضون بهذه المسؤولية، تقومون بمسؤوليتكم في إحقاق الحَـقّ، في إقامة العدل، في الالتزام بمنهج الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-، في إصلاح واقع الحياة، في الالتزام بالمبادئ والقيم والأَخْـلَاق التي أمر اللهُ بها، في دفع الظلم، في دفع الفساد، في دفع المنكر، في التجنّد لله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-، فتكونون جُنداً لله في مواجهة كُـلّ عناصر الشر والإجرام، وكل أولياء الشيطان، في مواجهة كُـلّ المؤامرات الشيطانية، كُـلّ المفاسد والمظالم التي يتحَرّك بها الأشرار في هذه الأرض.

{شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ}، أُمَّـةٌ تشهدُ بالقسط فيما تجسّده كواقعٍ عمليٍّ يقدِّم الشهادة على أنها أُمَّـة تلتزم بالقسط، وفي ما تشهد به كذلك في الواقع.

يقولُ اللهُ -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- أَيْـضاً في القُــرْآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}، هنا آية أَيْـضاً تركِّز وتدخل مباشرة إلى المسؤولية، هناك: {قَوَّامِينَ لِلَّهِ}، ولها مدلولُها المُهِـمُّ في أَنْ يكُـوْنَ اتّجاهُ هذه الأُمَّـة من أجل الله -جَـلَّ شَأْنُــهُ-، ووفقَ الطريقة التي رسمها الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-، فتصلح النية، ويتجهُ الجميعُ نحو الهدفِ الصحيح الذي رسمه الله، ووفق الطريقة التي رسمها الله، هنا يدخلُ أَيْـضاً إلى صلب الموضوع، إلى المسؤولية بشكلٍ مباشر: {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}، أن نكون الأُمَّـةُ التي تعملُ وتسعى وتتحَرَّكُ وتقوم بما يعنيه هذا القيام من عمل، من تضحية، من نهوض، من جهاد، من تحمُّلٍ للمسؤولية، {بِالْقِسْطِ} لإقامة القسط في واقع الحياة بما يشمله من مفاهيمَ، في مقدِّمتها العدل، {شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النساء: من الآية135]، الأُمَّـة التي يقول لها الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعاً وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103]، الأُمَّـةُ التي نهاها اللهُ عن التفرُّق: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران: الآية105].

وهكذا لو نأتي إلى القُــرْآن الكريم كم فيه من الآيات القُــرْآنية المباركة التي تحدّدُ للأُمَّـة هذه كيف تكونُ، وما ينبغي أَنْ تكُـوْنَ عليه، وبالتالي ما سيترتب على ذلك من نتائج، الأُمَّـة إذَا كانت تتحَرَّكُ وفق هذا المسار المرسوم لها من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-: تزكية، مكارم أَخْـلَاق، أمرٌ بمعروف، نهيٌ عن منكر، إقامةٌ للقسط، نهوض بالمسؤولية، مواجهةٌ للمنكر وسعيٌ لإزالته، مواجهةٌ للطاغوت وللظلم وللفساد، كيف ينبغي أَنْ تكُـوْنَ حياتُها، كيف ينبغي أَنْ يكُـوْنَ واقعُها؟ الواقع الذي بُني على أَسَاس توجيهات الله وتعليماته في القُــرْآن الكريم: العدل سيتجسّد في واقع الحياة، الخير سيكون هو السائد في واقع الحياة، الاعتصام بحبل الله جميعاً والأُلفة ستكونُ هي السائدةَ في واقع الحياة، ثم الزكاء والتربية على مكارم الأَخْـلَاق، والاستقامة في السلوكيات والتصرفات، والرُّشد في الرؤى والأفكار، والحكمة في كُـلِّ الاتّجاهات: رؤيةً، سلوكاً، عملاً، موقفاً… ثم العلاقة في الواقع الداخلي للأُمَّـة، معنى ذلك كله أن تصلحَ حياة الناس، أن تستقيمَ على أَسَاس من هذه القيم العظيمة والمبادئ العظيمة، وأن يسود فيها الخير، وأن يقودَ فيها هذه الأُمَّـةَ أخيارُها وصلحاؤها ورُشَدَاؤها وهُداتُها على أَسَاس من هذه القيم.

ولكن ما الذي نرى عليه واقعنا؟ هل هو هذا الواقع كَأُمَّــةٍ بشكلٍ عام في مختلف أقطارها وبلدانها، هل نرى الحكمةَ هي السائدةَ؟ هل نرى الرشدَ والزكاءَ ومكارمَ الأَخْـلَاق هي السائدةَ؟، هل القيامُ بالقسط هو الحالةُ السائدة في واقع هذه الأُمَّـة بمختلف بلدانها وشعوبها ودولها؟ هل وحدةُ الكلمة والاعتصامُ بحبل الله هو الواقعُ السائد؟ هل القيادة للمجتمع البشري من حولنا وفق هذه المسؤولية المُهِـمّة والعناوين العظيمة التي تندرجُ تحتها هذه التفاصيلُ المُهِـمّة هي الحالة القائمة؟ أم أننا نشاهدُ بِأُمِّ أعيننا الكثيرَ من زعماء هذه الأُمَّـة ومن قادتها ومن حكوماتها وهي تعيشُ واقعَ التبعية المكشوفة الواضحة الفاضحة لأعداء هذه الأُمَّـة: لليهود، للصهاينة، للأمريكان، لطُغاة هذا العصر ومستكبريه، لأولياء الشيطان؟ أم أننا نرى الواقع يفتقر إلى حَــدٍّ كبير إلى دفع هذه الأُمَّـة لتستحضر هذه المسؤولية، هذا المسار الصحيح، وتسعى إلى العودة إليه؟

مع وجود هذا التوجُّـهِ كحالة قائمة في واقع الأُمَّـة، لكن هذا التوجُّـه القائم في واقع الأُمَّـة هنا أَو هناك، في نطاقٍ محدود هنا أَو هناك، هو ثمرة -كما سيأتي الحديث إن شاء الله- لتضحية الإمام الحسين -عَلَيْـهِ السَّــلَامُ-، لجهوده، للجهود التي هي امتداد لتلك التضحية، لذلك العمل، لذلك السعي، لذلك الجهاد، وامتداد أَيْـضاً لما قبله من تضحية أخيه الحسن -عَلَيْـهِ السَّــلَامُ-، وما قبل ذلك من تضحية وجهود الإمام عليٍ -عَلَيْـهِ السَّــلَامُ-، فيما كان ذلك بكله امتداداً للرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- في كُـلّ جهوده وما قدَّمه للبشرية من هدى وفق الرسالة الإلهية التي بعثه الله بها.

فعلى كُـلٍّ، هناك فجوةٌ كبيرةٌ جِـدًّا في واقع هذه الأُمَّـة بكلها -بشكلٍ عام- ما بين الواقع المفترض، الذي نفترضُه واقعاً يسودُ فيه: الصلاحُ، والخيرُ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعدل، والوحدة، والاعتصام بحبل الله جميعاً، والاستقامة وفق المنهج الإلهي بكل تفاصيله تلك، وبناء الحياة على أَسَاسه، والنهوض بالدور المُهِـمّ المنوط بنا كبشر مستخلَفين في هذه الأرض على أَسَاس من ذلك الهُدَى، وبناء حضارة إسْـلَامية رائدة متميزة، تقود المجتمع البشري على أَسَاس من منهج الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-، هذه الأشياءُ غائبةٌ في واقع الأُمَّـة إلى حَــدٍّ كبير، ونشاهدُ المآسيَ اليومية في واقعنا كَأُمَّــةٍ، المظالم الرهيبة والكبيرة، الحالة المأساوية من: التخلف، والشتات، والفُرقة، والنزاعات، والأمِّيَّة الكبيرة، ونقص الوعي بالمفاهيم القُــرْآنية، وغياب كبير للثقافة القُــرْآنية في واقعنا، لا تعيشُ الأُمَّـةُ -بشكلٍ عام- حالةَ هذا التمحور الذي أتى في الآية المباركة في قول الله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، هذا التمحور حول القُــرْآن الكريم؛ للاهتداء به، للتثقف بثقافته، للاسترشاد به، للاهتداء به، للتحَرّك في هذه الحياة على أَسَاسه، لاتخاذ المواقف والتمسك بالمواقف التي يحدّدها، والتي أمر الله بها في هذا الكتاب المبارك، {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}، غائبٌ هذا في واقع الأُمَّـة -بشكلٍ عام- إلى حَــدٍّ كبيرٍ.

ولهذا تعاني هذه الأُمَّـةُ من مشكلاتٍ كبيرة، ومن مظلومية كبيرة، أُمَّـة تعاني من التظالم الداخلي، هناك سلطة ظالمة جائرة هنا أَو هناك، كالنظام السعودي الذي نشاهد ما يفعله هو ومن يتحالف معه تحت قيادة أمريكا وبالتحالف مع إسرائيل ضد شعبنا العزيز، فنجد المشاهدَ المأساويةَ من القتل الذريع للآلاف من الأطفال والنساء والناس الأبرياء، ونرى الحصار الاقتصادي الخانق -الذي هو محرَّمٌ شرعاً، ومن أكبر المنكرات، ومن أكبر الجرائم- بحقِّ شعبٍ بأكمله، ونرى مظلوميةَ هذه الأُمَّـة فيما يعانيه شعبُ فلسطين أمام مرأى ومسمع من بقية أبناء الأُمَّـة، ما يعانيه المسلمون في أقطارٍ شَتَّى، مثلما يحصل على الروهينجا هناك، مثل ما يحصل أَيْـضاً على المسلمين في كشمير، مثل ما يحصلُ في شتى بقاع الأرض هنا أَو هناك، كم هي مظالم هؤلاء المسلمين.

أين هي الأُمَّـةُ من كُـلِّ هذه المظالم؟ أين تلك القِيَمُ التي تجعلُها في موقع الأُمَّـة التي تقومُ بالقسط، تواجهُ الظلمَ، تتصدّى للمنكرات، تدركُ مسؤوليتها الكبرى، فتكونُ لائقةً بهذه المسؤولية في القيام بالعدل، في التصدي للطاغوت، في إصلاحِ واقع الحياة؟ هذا الواقع المفترض، وهذه الفجوةُ الكبيرة لم تكُنْ فجوةً ما بين الواقع وما بين الواقع الفعلي والواقع المفترَض بحسب ما رسمه اللهُ لهذه الأُمَّـة، لم تكن حالةً خَاصَّةً بعصرنا هذا، عندما نعود إلى التاريخ: سواءً هذا الجيل الذي قبلنا، أَو الأجيال ما قبله، جيلاً بعد جيل على مدى زمنٍ طويل، عبر المئات من السنين، عبر القرون والأجيال الماضية، سنجد واقعاً مظلماً، مليئاً بالمآسي، والمظالم، والمفاسد، والجهل، والتخلف، وغياب هذه القيم، ولكن ليس إلى حَــدٍّ نهائيّ، يوجد عبر كُـلّ هذا الامتداد الزمني يوجد هناك حضور وامتداد للحق، للمبادئ الإلهية، للقيم الإسْـلَامية، يتمثلُ ذلك الامتدادُ في أهل البيت -عَلَيْـهِمُ السَّــلَامُ- ومن كان معهم من صالحي الأُمَّـة، من رُشَداء الأُمَّـة، من أبناء الأُمَّـة الأخيار والأبرار والصالحين الذين كانوا على امتداد هذا الزمن على نحوٍ مغايرٍ، مغاير للحالة العامة، للحالة السائدة، للحالة المنتشرة، ولكنهم كانوا -في كثيرٍ من الحالات وعلى مدى مئاتٍ من السنين- كانوا محاربين، كانوا -في كثيرٍ من الحالات- إلى درجة أن يعيشوا الغُربةَ في واقع هذه الأُمَّـة، أن يعانوا من الخذلان في الساحة العامة.

ولهذا عندما نأتي لنقولَ لماذا؟ لماذا كُـلّ هذا؟ لماذا هذه الفجوة؟ لماذا هذا الواقع المختلف؟ ما الذي حدث حتى انحرف مسارُ الأُمَّـة عن تلك المبادئ العظيمة والقيم الإلهية، وحتى أصبح التوجُّـهُ الرسمي الذي عادةً ما تكونُ عليه الحكومة التي تحكُمُ هذه الأُمَّـة، والذي عادةً ما يكونُ عليه القادةُ الذين قادوا هذه الأُمَّـةِ من موقع السلطة، لماذا هذا الانحراف الرسمي في واقع الأُمَّـة الإسْـلَامية؟ ماذا كان وراء هذا الانحراف، وأين كانت جذوره؟

هنا سنعودُ بالحديث إلى مرحلة الإسْـلَام الأولى في عهد رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، كان ألدّ الخصوم الذين تحَرّكوا ضد هذا الإسْـلَام وحاربوا رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بكل أشكال الحرب: الحرب الدعائية، الحرب العسكرية، الحرب الاقتصادية… الحرب في كُـلّ وسائلها وفي كُـلّ مجالاتها، كان ألد عدو هم قريش، قريش كانوا في طليعة من عادوا رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وحاربوه أشدَّ المحاربة، وكانوا هم في الصورة وفي الميدان العدوّ الأبرز المتزعم لهذه الحرب، كان يقودُ قريشاً في هذه الحرب ضد رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- ويتزعم قريشاً في كُـلّ تلك الفترة إلى السنة الثامنة للهجرة النبوية أبو سفيان، أبو سفيان هو كان زعيم بني أمية في وقته وكبيرهم، أبو سفيان كان هو القائدَ الفعليَّ والقائدَ العام لقريش في حربها ضد رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وكان معروفاً بشدة عدائه للإسْـلَام ولرسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وهذا العداء كان يمتد داخل أسرته، ويعرف الأُمَّـة ويعرف الناس ما سطَّره كُتَّاب السِّير والمؤرِّخون عن زوجته التي استحقت أن تسمى بآكلة الأكباد، فيما يعبِّر عنه ذلك من الحقد الشديد، وهي التي بقرت بطنَ حمزةَ -عمِّ النَّبِيّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ– وتناولت بعضاً من كبده لتأكله؛ من شدة حقدها وعدائها للإسْـلَام وللمسلمين وللرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- ولأنصاره، وبالذات الأنصار الأبطال والمجاهدين العظماء كحمزة.

أبو سفيان حارَبَ رسولَ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وقاد الحربَ ضد الإسْـلَام والمسلمين، ولم يألُ جهداً في حربه وعدائه، ولكنه في السنة الثامنة للهجرة، وهي السنة التي تمكَّن فيها الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- ومعه المسلمين من فتح مكة بنصرٍ من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-، وفتحٍ من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}[الفتح: الآية1]، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}[النصر: الآية1]، في السنة الثامنة فتحت مكة بنصرٍ إلهيٍ عظيم، ولم يتمكّـن أبو سفيان ومعه جيوشُه ومجتمعُ مكة بمن كان فيهم من المشركين أن يعيقوا هذا الفتح، بل إنهم أصيبوا بالشلل عسكرياً، لم يتمكّـنوا حتى من القيام بموقف عسكري للتصدي للفتح الإلهي المبين الذي فتحه الله لرسولِه -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وأُرغموا على الاستسلام، وذاقوا مرارةَ الهزيمة.

وفي ظل هذا الاستسلام اجتمعوا بالقُرب من الكعبة المشرَّفة، وخطَبَ فيهم الرسولُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، الذي دخل فاتحاً وقد نصره اللهُ عليهم بعد أعوام طويلةٍ من المحاربة بكل أشكال المحاربة، أيام كان في مكة وهم يحاربونه بالكفر، والتكذيب، والحروب الدعائية، والتعذيب للمؤمنين به، ويكيدون له، ويمكرون به، ويتآمرون عليه، ويؤذونه، ويسعَون إلى القضاء على رسالته بكل أشكال المحاربة، وما بعد الهجرة بالحروب العسكرية، وبشتى أشكال الحروب، اجتمعوا بعد كُـلّ ذلك التاريخ الأسود المظلم الذي عاشوا فيه حالة الجحود والتنكر لرسالة الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى-، والعداء الشديد لرسوله وخاتم أنبيائه -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، تلك المرحلة الماضية التي وقفوا فيها لمناصَرة الطاغوت، في سعيٍ منهم إلى محاربةِ الإسْـلَام بما يمثِّلُه هذا الإسْـلَام، وما فيه من مبادئَ عظيمةٍ، وأَخْـلَاقٍ عظيمةٍ، ومنهج ربَّاني عظيم، وقفوا دائماً بالباطل، وجادلوا به ليدحضوا به الحَـقّ، وقفوا سعياً منهم لوأد الرسالة الإلهية والقضاء عليها، وسعياً منهم للمحافظة على ذلك الواقع الظلامي بكل ما فيه من جاهليةٍ جهلاء، وكلما في تلك الجاهلية من الممارسات المنحرفة، والخرافات، والأباطيل، والمنكرات، والمفاسد، والمظالم، كانوا يريدون أن تبقى الساحةُ البشريةُ ساحةً ظلاميةً، ساحةً وبيئةً للمنكرات والمفاسد، ولكنهم فشلوا، وفي النهاية أرغموا على الاستسلام، وخطب فيهم النَّبِيّ قائلاً: (ماذا تظنون أنِّي فاعلٌ بكم؟)، وهم يعرفون من هو رسولُ الله، يعرفون ما هو عليه من مكارمِ الأَخْـلَاق العظيمة، قالوا: (أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم)، هم يحاولون أن يتودّدوا بالرحَامة والقرابة؛ باعتبار قريشٍ تجمعهم برسولِ الله رابطة هذه القرابة، فبنو هاشم بطنٌ من بطون قريش، قال: (أقول لكم ما قال أخي يوسف: لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء).

يُعتبَرُ هذا الاسمُ (الطلقاء) اسماً مُهِـمّاً جِـدًّا، سمَّاهم به رسولُ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وهذا الاسمُ له مدلولٌ مُهِـمٌّ، إذ أنه ليس فقط ينحصرُ على مدلولِ العفو عنهم، بل أكثرَ من ذلك، هذه الفئةُ تختلفُ عن الفئات الأُخرى في واقع المجتمع الإسْـلَامي، تتشكّلُ الأُمَّـةُ الإسْـلَامية -آنذاك- في واقعها من فئتَين مُهِـمَّتَين، مثَّلت -آنذاك- قطباً قامت عليه رحى الرسالة، واتسعت دائرة الإسْـلَام من خلاله، ومثَّل النواة للمجتمع الإسْـلَامي، هم المهاجرون والأنصار، وهذه التسمية لذلك المجتمع ولتلك الفئة التي أُرغمت على الاستسلام، ودخلت الإسْـلَام في وقتٍ متأخر؛ نتيجةً لهزيمتها، وليس نتاجاً لقناعتها ورغبتها، ولا لتقبُّلِها على أَسَاس من التفهم والاستجابة الصادقة؛ إنما نتيجةً لظروف قاهرة، ولنصرٍ إلهيٍ حاسم، ولفتحٍ مبين، وحالةً من الإرغام بعد الهزيمة والاستسلام.

الطلقاء، الطلقاء إذًا فئةٌ أُخرى لا يحسبون من المهاجرين، ولا يحسبون من الأنصار، وأدرك أبو سفيان ماذا يعنيه هذا الاسم، وماذا يَـدُلُّ عليه، وسعى ومعه البعض من أولئك الطلقاء إلى أن يطلبوا من رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- أن يدخلوا ضمن المواثيق، وضمن التسمية الأُخرى التي هي: المهاجرون والأنصار، فَأَنْ يكُـوْنَ ما يشملهم هو نفس ما شمل المهاجرين والأنصار، وأن يدخلوا تحت ذلك الارتباط المُهِـمّ فيما يعنيه من: روابطَ، وولاء… مدلولات مُهِـمّة جِـدًّا، لكن رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- رفض ذلك، رفض أن يُدخِلَهم إلى مصاف المهاجرين والأنصار، وحرص على أن يبقى لهم هذا الاسم، ومن لحق منهم بعد الفتح من مكةً بالمدينة لم يعتبر في صف المهاجرين، وفي عنوان المهاجرين، لا يعتبر كذلك.

الطلقاءُ هؤلاءِ بقي لهم هذا الوصفُ، لماذا؟ الكثيرُ من المجتمع المكي الذي يعرفُ رسولَ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وعاش رسولُ الله ونشأ في أوساطهم، عرفوه عن قُربٍ بأكثرَ مما يمكنُ أن يعرفَه أيُّ مجتمعٍ آخر، سمعوه، وأتت الرسالةُ والبعثة بالرسالة بين أوساطهم، ورسولُ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- بما منحه اللهُ -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَـى- من المؤهِّلات العظيمة، وهو يتحَرّك في أوساطهم يقيمُ أمرَ الله، يبلِّغُ رسالةَ الله بجدارة عالية، بقدرات كبيرة، بمؤهِّلات عظيمة، يستطيعُ أن يقنعَ أي إنسانٍ مُنْصِفٍ، لكنَّ ذلك المجتمعَ أصرَّ على موقفه في كثيرٍ منه، هناك من آمن، هناك من كانوا عظماءَ، لكن أكثريةَ هذا المجتمع كان لها موقفٌ معاندٌ، كانت تتجّهُ الاتّجاهَ المحارِبَ للإسْـلَام، المتنكِّرَ للرسالة الإلهية، ومعنى هذا التنكر لتلك المبادئ التي أتى بها الإسْـلَام، ولكل تلك الأَخْـلَاق والقيم التي أتى بها الإسْـلَام، ولكل تلك الأسس العظيمة والمُهِـمّة التي يُبنى عليها الإسْـلَام في كُـلِّ تفاصيله: في شرعه، في نهجه، في تعاليمه… إلخ.

تلك الفئةُ التي أصرَّت، عاندت، تنكَّرت للرسالة الإلهية، جحدت، كانت غيرَ منصفة، لم تتأثرْ بالآيات ولا العِبَر، أساءت إلى الله، وأساءت إلى رسوله، تفرعنت وساءت إلى أن وصلت إلى درجةٍ عبَّرَ عنها القُــرْآنُ الكريم بنَصٍّ مُهِـمٍّ جداً: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أكثرهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[يس: الآية7]، ماذا تعنيه هذه الآيةُ المباركة؟ (لَقَدْ): هذه عبارة تأكيد، (اللام) وَ(قد) في هذا التعبير القُــرْآني يحمل معنى التأكيد، {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أكثرهِمْ}، ما هو القولُ الذي حَقَّ على أكثرهم؟ إنه الوعيدُ الإلهي، القولُ الذي حَقَّ على أكثرهم هو الوعيدُ بجهنمَ، الوعيدُ بالعذاب، بمعنى: أنَّ الأكثريةَ من أولئك الذين بُعِثَ فيهم وأنذرهم فجحدوا الرسالة، وتنكّروا للرسول وهم يعرفون مَن هو، يعرفون أمانتَه، يشاهدون الآياتِ الشاهدةَ، والمعجزاتِ الدالةَ على صدقه، وتنكَّروا مع كُـلّ ذلك، (حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أكثرهِمْ): حَقَّ الوعيدُ الإلهي على أكثرهم، وصلوا في سوئهم، في عنادهم، في كُفرهم، في إجرامهم، في فسادهم، إلى درجةٍ أصبحوا فيها من أهلِ جهنمَ، أصبحوا يستحقون العذابَ الإلهي، فقدوا كُـلَّ عناصر الخير في داخل أنفسهم، فسدت نفسياتُهم، حتى أصبحت بعيدةً تأبى أن تتقبلَ هذا الدينَ في مبادئه العظيمة وأَخْـلَاقه العظيمة، فخذلوا، فلم يعودوا قابلين للإيمان أبداً، خذلوا لهذه الدرجة التي أصبحوا فيها جهنميين بما تعنيه الكلمة، منتهى ما يمكنُ أن يصلَ إليه الإنسانُ حينما يضل ويخذل ويفسد فلا يعد قابلاً للحق، ولا متقبِّلاً للهدى، ولا منسجماً مع الفطرة، {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أكثرهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، لا يمكن أن يؤمنوا؛ لأَنَّهم قد خذلوا إلى هذه الدرجة الرهيبة جِـدًّا.

هذه الفئةُ عندما كان في يوم فتح مكة وأعلنت إسْـلَامها، لم تعلن إسْـلَامَها عن إيمانٍ، إنَّ القُــرْآنَ يؤكّـدُ هذه الحقيقةَ، لم تعلن إسْـلَامَها عن قناعة، كانت المسألة بالنسبة لها حالة استسلام، حالة إرغام، حالة هزيمة؛ ولذلك حينما دخلت في هذا الإسْـلَام دخلته كحالة استسلام، وليس كحالة إيمان، ومعنى ذلك ماذا؟ دخلوا كمنافقين، كمنافقين في هذا الدين.

عندما دخلوا كمنافقين في هذا الدين، ونعرفُ من خلال القُــرْآن الكريم ماذا ستكون توجُّـهاتُهم، اهتماماتُهم، برنامجُهم، ما هو البرنامجُ الذي عليه المنافقون؟ اللهُ يقولُ في القُــرْآن الكريم: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}[التوبة: من الآية67]، هذا هو البرنامجُ الذي يسير عليه المنافقون بعد أن ينتموا للإسْـلَام، بعد أن يشهدوا بالشهادتين، بعد أن يمارسوا طقوساً من طقوس الإسْـلَام كحالة شكلية، بعد أن يتقبَّلوا بعضاً من هذا الإسْـلَام بشكلٍ أَو بآخر، لكنَّ برنامجَهم في هذه الحياة ليس هو برنامجَ الإسْـلَام الذي رسمه: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران: من الآية110]. إنَّه اتّجاهٌ معاكسٌ، إنَّه برنامجٌ مختلفٌ كلياً، على العكس من ذلك (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ)، المنكر الذي هو مناقضٌ للمعروف في كُـلّ تفاصيله تلك: ظلم، فساد، جرائم، تربية فاسدة… إلخ. (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ)، فهم يتجهون اتّجاهاً مختلفاً.

ولذلك مثَّل وصولُ بني أمية إلى السلطة في واقع هذه الأُمَّـة كارثةً رهيبةً جِـدًّا، كان يتخوَّفُها النَّبِيُّ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- على هذه الأُمَّـة من يوم أن رأى في منامِه أولئك وهم يَنْزُون على منبره نَزْوَ القردة، فحزن حُزناً شديداً لذلك، أي مستقبلٍ مظلمٍ ينتظرُ أُمَّـةً يصلُ فيها منافقوها والطلقاء أولئك الذين لم يدخلوا في الإسْـلَام إلا من واقع الهزيمة والاستسلام، يصلون فيها إلى موقعِ القرار والسلطة، والأمر في هذه الأُمَّـة، يصلون إلى التَّحكُّم في رقاب أبناء هذه الأُمَّـة؟! كانت كارثةً كبيرة.

وإذا جئنا إلى الاستقراء للتاريخ كعناوينَ فيما فعلوه:

عاشوا أولاً النزعةَ الانتقامية، كانوا يحملون عُقدةَ الانتقام من رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، ومن أهل بيته، ومن أصحابه الأخيار، وحتى عُقدةَ الانتقام من مدينته، وحتى عقدةَ الانتقام من مقدَّسات هذا الإسْـلَام.

لو نأتي إلى استقراءٍ لبعضٍ من هذه العناوين، عندما وصلوا إلى السلطة وذهب أبو سفيان إلى أين؟ ذهب إلى قبر حمزةَ؛ لأَنَّه لم يكن بالإمْكَان أن يذهبَ إلى قبر رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وإلَّا لذهب، حالةُ النفاق تقتضي أَنْ يكُـوْنَ هناك قدرٌ ما من محاولة التظاهُر بهذا الإسْـلَام في عناوينَ معينةٍ ومستوياتٍ محدّدة؛ لأَنَّه لا يمكنه الذهابُ إلى قبر رسولِ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- ذهب إلى قبر حمزة بن عبدِالمطلب، ركَلَ القبرَ بقدمه وحذائه متباهياً -فيما يعبِّرُ عنه- بوصولهم إلى السلطة، وبأنهم من هذا الموقع سينفِّذون خطتَهم التي كانت هي المشكلة ما بينهم وبين رسول الله، وكانت هي المشكلة التي فيها استشهد حمزةُ بنُ عبدالمطلب، ماذا نظن أنَّ مشكلة حمزة مع بني أمية في واقعة أُحُد؟ هل كانت الحربُ إلا حرباً بين الإسْـلَام والكفر، بين الضلال والهدى، بين رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وبين أبي سفيان الذين كان قائداً للكفر والكافرين، والشرك والمشركين، عندما ذهب وهو يحملُ عُقدةَ الانتقام، عندما قال يخاطب بني أمية بعد أن وصلوا إلى السلطة: (تلقّفوها يا بني أمية تلقُّفَ الصبيان للكرة، فو الذي يحلفُ به أبو سفيان ما من جنةٍ ولا نار)، هذه العُقدةُ الانتقامية التي عبَّر عنها يزيدُ في قوله:

لستُ من خِنْدَفَ إنْ لم أنتقم

من بني أحمدَ ما كان فعَلْ

 

التي عبَّر عنها وهو يتمثل بقول الشاعر:

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا

جَزَعَ الخزرجِ من وَقْــعِ الأسلْ

لأهلُّــوا واستهلُّـــوا فرحـاً

ولَقـالـوا يــا يزيـدُ لا تُشَــلْ

 

تلك العُقدةُ التي عبَّر عنها الكثيرُ منهم هناك وهناك، العُقدةُ من الرسول، العُقدةُ من الإسْـلَام، تلك العُقدةُ التي عبَّر عنها معاوية وهو منزعج وهو يسمع المؤذن يقول: أشهد أنَّ محمداً رسولُ الله. فيقول: (أما رَضِيَ ابنُ أبي كبشة حتى يُذكَرَ اسمُه في اليوم والليلة خمسَ مرات).

تلك العُقدةُ التي عبَّروا عنها في كثيرٍ من أقاويلهم وتصرفاتهم، عندما قال قائلهم:

تلعَّب بالبرية هاشميٌّ

بلا وحيٍ أتاه ولا كتاب

 

عندما قال يزيد نفسُه:

لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نَزَلْ

 

عقدةُ الكفر، عقدةُ الحِقد، عقدةُ الانتقام، ثم ماذا فعلوه؟ اتّجهوا لمحاربة الإمام عليٍّ -عَلَيْـهِ السَّــلَامُ- منذ البداية محاربةً شرسة، والأمةُ تعرفُ من هو عليٌّ فيما يمثِّله من الامتداد لرسالة هذا الإسْـلَام، عليٌّ الذي قال عنه الرسولُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-: (أنت مني بمنزلة هارونَ من موسى، إلَّا أنَّه لا نبيَّ بعدي)، اتجهوا للحرب ضد الإمام عليٍّ -عَلَيْـهِ السَّــلَامُ-، فكانوا هم الفئةَ الباغيةَ التي حذَّر منها الرسولُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- يومَ قال عن عمَّار: تقتلُك الفئةُ الباغيةُ، لماذا؟ تدعوهم إلى الجنة، ويدعونك إلى النار، كانوا هم الفئة الباغية الداعية إلى النار، ماذا معنى تدعو إلى النار؟ الباطل الذي يقدِّمونه، المفاهيم الخاطئة، المواقف الباطلة، السلوكيات الإجرامية التي هم متَّصفون بها، ويتحَرّكون بها، ويتحَرّكون بالناس الذين يغرونهم، ويضلونهم، ويؤثِّرون عليهم، ويسيطرون عليهم بها ومن خلالها.

دعاةٌ إلى النار، هل تكونُ الدعوةُ إلى النار إلا انحرافاً حقيقياً عن منهج الإسْـلَام العظيم، هل يمكن أَنْ يكُـوْنَ هناك التزامٌ بهذا الإسْـلَام في مبادئه، التزام بهذا الإسْـلَام في منهجه، التزامٌ بهذا الإسْـلَام في برنامجه، ثم تكونُ الدعوةُ دعوةً إلى النار؟ والأمةُ تروي كُـلَّ ذلك، ليس فقط في كتب الشيعة وفي تراث الشيعة، الأُمَّـةُ بكلها بمختلف مذاهبها تروي حديثَ الفئة الباغية، الداعية إلى النار، الداعية إلى النار.

ثم كانوا مَن تآمَرَ على الإمام عليٍ -عَلَيْـهِ السَّــلَامُ- حتى في قتله اغتيالاً عن طريق ابن ملجم، كانوا هم من حرَّكوا الخوارجَ، ولعبوا بهم، وكانوا يؤثِّرون فيهم بأساليبَ ووسائلَ مخادعةٍ، وطرقٍ معيّنة.

كانوا هم من قتلوا المئاتِ من خِيرة أصحابِ رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وفي مقدِّمتهم المؤمنُ العظيمُ، والصحابي الجليل عمَّارٌ بنُ ياسر، عمَّار الذي عبَّر الرسولُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- عن أنه مُلِئ إيماناً، مُلِئ إيماناً، هذا عمَّارٌ المؤمن العظيم، هذا المجاهد العظيم، هذا الصحابيُّ الجليلُ مَن الذي قتله؟ هم أولئكَ الفئةُ الباغية، وكان قتلهم له من أكبر دلائل بغيهم، خروجهم على الإمام علي، محاربتهم للإمام علي هي مؤشرٌ كافٍ، ودلالة واضحة وفاضحة على بغيهم، لكن جعلت إضافةً إلى ذلك هناك علامات أُخرى إضافية، منها قتلهم لعمَّار الذي أخبر الرسول أنها ستقتله الفئة الباغية، مع عمار قتلوا العدد الكبير المئات من الصحابة، هم من استأصلوا كُـلّ من شهد واقعة بدر مع رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- من صحابة رسول الله، كان من ضمن التوجيهات من ضمن التوجيهات والأوامر التي أمر بها يزيدُ في هجوم جيشه على مدينة رسول الله: أن يستأصلوا وأن يقتلوا كُـلَّ من بقي من أصحاب بَدْر، واقعة بدر الكبرى، وغزوة بدر في الجهاد مع رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، هل هذه إلَّا عقدةٌ من الإسْـلَام، وثأرٌ وانتقامٌ من رسول الله، وانتقامٌ من المسلمين، من المؤمنين، من المجاهدين، من الصحابة الأخيار؟!

وكانوا هم الذين قتلوا في صفين المئاتِ من أصحاب رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، من المهاجرين والأنصار، كانوا هم مَن سفكوا دماء هذه الأُمَّـة على نحوٍ رهيبٍ في أقطار شتى، في العراق وفي غير العراق، في اليمن.

كانوا هم من انتهكوا حُرمةَ المقدَّسات الإسْـلَامية، فلم يعترفوا ولم يقدِّروا حرمةَ وقدسيةَ الكعبة المشرَّفة، فهاجموها، ضربوا عليها بالمنجنيق، أحرقوها بالنيران، الكعبة بكل قداستها، بكل حُرمتها انتهكوا هذه الحرمة، ولم يقدِّروا هذه القدسية.

كانوا هم من هاجم المدينةَ المنوَّرة، وكانوا هم من قتلوا الآلافَ من أبناء وسكان هذه المدينة، وقتلوا الكثيرَ منهم، قتلوا العشراتِ على قبر رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- حتى أغرقوه بالدماء.

كانوا هم الذين قتلوا عترةَ رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- وارتكبوا الجريمةَ البشعةَ في كربلاء يومَ عاشوراء، وفعلوا ما فعلوا في تلك المجزرة الرهيبة والفاجعة الكبيرة، كُـلَّ ما يعبِّر عن الوحشية، والإجرام، والإفلاس الإنساني والأَخْـلَاقي كان حاضراً في سلوكياتهم وممارساتهم.

هم الذين ارتكبوا أبشعَ الجرائم بَحَـقِّ هذه الأُمَّـة في كُـلِّ سلوكياتهم: السياسة المالية، الاستئثار بالمال العام، والنهب له، والتوظيف والاستغلال له في الترف وفي شراء الذمم، فنهبوا ثروةَ الأُمَّـة، واستأثروا بالفيء، واتخذوا مالَ الله دُوَلا، وعبادَه خَوَلا.

وهم من اتّجهوا إلى تحريف المفاهيم، وما فعلوه في ذلك هو جنايةٌ كبيرةٌ جِـدًّا على الأُمَّـةِ، لقد عملوا على تغييرِ مفاهيمِ هذا الدين، هم من شكَّلوا لجاناً واصطنعوا البعضَ من علماء السوء بالمال (بمئات الآلاف من الدراهم الفضية، والآلاف من الدنانير الذهبية)؛ لاختلاق أحاديثَ مُفتراةٍ ومكذوبةٍ على رسولِ الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، وكانوا يدفعون ثمناً لبعضِ الأحاديث ثلاثمِئة ألف درهم مقابل حديث يُفترَى على رسول الله، يتضمَّنُ مفهوماً باطلاً ومضلاً خطيراً على هذه الأُمَّـة، فيُقدَّم ليحسب على الإسْـلَام، تحَرّكوا من موقع النفاق لتحريف مفاهيم هذا الدين، وهذا كان أكبرَ خطرٍ على هذه الأُمَّـة، خطر كبير جِـدًّا، وكم هي المفاهيم التي غيَّروها وتُحسَبُ على الإسْـلَام وليست هي من الإسْـلَام، وقدَّموها باسم حديث مختلَق ومفترَى على رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ-، أَو باسم معنىً مزيفٍ لنصٍ قرآني، أَو باسم فتوى من الفتاوى الدينية، أَو ضمن كُتُبٍ تُكتب، كم فعلوا وكم صنعوا من ذلك؟ الشيء الكثير والكثير.

هم من انتهكوا الحُرمة للنساء المسلمات، فارتكبوا جرائمَ الاغتصاب عند اقتحام جيشهم لمدينة رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- استباحوا عرضَ النساء المسلمات، واغتصبوا المئات من النساء، المئات من النساء، حتى المئات من الأبكار، دعك من الثيبات، من الأبكار اللواتي حملن بعد تلك الواقعة؛ نتيجةً لجريمة الاغتصاب، هم الذين سبوا نساءَ أهل اليمن في عصر الإسْـلَام وباعوهن بعد سبيهن في الأسواق، بعدَ جريمة بُسْرٍ وحَمْلَتِه -بأمرٍ من معاوية- على اليمن، فارتكب أبشعَ الجرائم في اليمن.

الرسولُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِــهِ- كثيراً ما حذَّر منهم ومن خطورتهم على الأُمَّـة، حتى أنَّه أوصى الأنصارَ بوصية، لكنهم لم ينفِّذوها، حين قال لهم: (إذا رأيتم معاويةَ على منبري فاقتلوه، إلَّا تفعلوا {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[الأنفال: من الآية73])، ويومَ قدم معاويةُ إلى المدينة وصعد على منبر رسول الله، تذكَّر بعضُهم هذه الوصية، وذكَّر البعضُ بها، لكنهم كانوا قد وصلوا إلى حالةٍ من الواقع السلبي والتأثُّر به، فلم ينفِّذوا هذه الوصيةَ، كم يمكن لنا أن نتحدَّثَ على ضوء ما سطّره التاريخُ عن ذلك الواقع الظلامي الذي صنعه بنو أمية، لا يتسعُ الوقتُ للحديث أكثرَ، نكتفي بهذا المقدار مع التنبيه على نقطتين:

النقطة الأولى: عندما نتحدَّثُ عن بني أميةَ نتحدَّثُ عن أولئك الذين سطَّر التاريخُ جرائمَهم، وطغيانَهم، وظلمهم، ومفاسدهم، من الذين وصلوا إلى موقع السلطة، أَو لم يصلوا في تلك الحقبة التي عاشوا فيها السيطرةَ على هذه الأُمَّـة، مع الاستثناء لحالات قد تكونُ نادرةً، كما هو حالُ عمر بن عبد العزيز الذي اختلف عنهم في كثيرٍ من الأمور.

ثم نحنُ أَيْـضاً نُنَبِّهُ على أنَّ حديثَنا لا يمتدُّ إلى من يُحسَبُ من ذراريهم، من يمتد نَسَبُه إليهم، بيوتاتٌ معينة، مثلاً: عندنا في اليمن بيوتات معروفة في اليمن أصلُها من ذريتهم، لكنها تختلفُ عنهم، فحديثُنا لا يمتدُّ إليهم، الامتدادُ لهم هو ما يشكِّلُ امتداداً سلوكياً، امتدادَ السلوك، امتدادَ النهج، امتدادَ العمل، الموقف الذي عليه كثيرٌ من الأنظمة ومن العملاء والمنافقين الذين يتحَرّكون في أوساط هذه الأُمَّـة، فكانوا امتداداً لهم في الموقف، في السلوك، في المسار، في الطريق الخاطئ، في الانحراف الكبير، فنحن لا نقصُدُ أبداً الإساءةَ إلى تلك البيوتاتِ التي هي جزءٌ من أبناءِ هذا الشعبِ، تعيشُ واقعاً إيجابياً ضمنَ ما عليه واقعُ هذا الشعب.

نكتفي بهذا المقدارِ..

وَنَسْأَلُ اللهَ –سُبْحَانَــهُ وَتَعَالَى- أن يوفِّقَنا وإيّاكم لما يُرضيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَــمَ شُهْدَاءَنا الأبرارَ، وَأَنْ يشفِــيَ جرحانا، وَأَنْ يفــرِّجَ عن أسرانا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بنصرِه.. إِنَّـهُ سَـمِيْـعُ الدُّعَـاء.

وَالسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.