الرئيسية >> أهم الأخبار >> رحلةٌ نقديةٌ مع أفكار البردوني في “الثقافة والثورة”.. ح2 … الرائي البردوني القارئ للأحداث:

رحلةٌ نقديةٌ مع أفكار البردوني في “الثقافة والثورة”.. ح2 … الرائي البردوني القارئ للأحداث:

في الذكرى العشرين لرحيل شاعر وأديب اليمن الكبير:

 

وببصيرة مدهشة وكأنه يقرأ أحداث اليوم وذلك قبل عشرين عاماً أي عند دخول العراق الكويت، يقول البردوني: “إن اليمن لصيق بمواقع الأحداث وإليه تشير الأصابع وعليه تدور جلسات وعلى اليمن أن يعرف من الآن حتى لا يقول كما قال وزير الدفاع الكويتي: “أخذونا على غرة” وكل مرة يقول قادة كُـلّ شعب عربي هكذا، فإذا استعادت بريطانيا عدن، هل سنقول أصعقتنا المفاجأة؟! وأين المفاجأة؟ والاحتمال على مرأى العين والمسافة على مرمى قذيفة؛ لأَنَّ عدن في جملة السياق الجديد، كما أن شمال الشمال من معالم الخارطة القادمة، فهل الحرب المرتقبة فرجة رياضية نرجح فريقاً على فريق، ونحن من الفريق المستهدف”، ص269! هذا كلام يقوله البردّوني عند دخول العراق إلى الكويت، وللقارئ أن يتأمل فيه وَفْــقاً للأحداث التي تدور في اليمن ايوم وفي شمال الشمال، وفي عدن!

لقد انتحل التصالحيون الذين يدعون إلى مصالحة الملكيين قصيدة للزبيري بعد استشهاده في 31 مارس 65م وادّعو -حسب رأي البردوني- أنهم وجدوها في مخطوطاته، وقد صدقها الجميع ودافع وروج نسبتها إلى الزبيري، عَبدالملك الطيب صاحب كتاب “نكسة الثورة” الذي نشر في الستينيات باسم عبدالله عبدالإله ثم أعيد نشره في التسعينيات باسمه وأحمد جابر عفيف في كتابه “الحركة الوطنية “79م وكذلك أحمد محمد الشامي في كتابه “من الأدب اليمني” 74م لكن الدكتور عَبدالعزيز المقالح في كتابه “الزبيري ضمير اليمن الوطني والثقافي” سكت عن القصيدة فلا أثبتها وللزبيري ولا نفاها، ولكن أكّـد نفيها في كتابات أُخرى”، ص280 والقصيدة هي:

هذا هو السيف والميدان والفرس          واليوم من أمسه الرجعي ينبجس

البدر في الجرف تحميه حماقتكم                   وأنتمو مثلمـــا كنتــم له حــرس

ويشير إلى قول المقالح إلى أن هذه القصيدة كتبها أكثر من واحد، ومن الأسماء التي يشاع أنها كتبت القصيدة في بيت “عبدالله حمران، هم محمد عبده نعمان، علي صبرة، مطهر الإرياني، يحيى علي الشامي وصاحب المنزل”. ولم يلحق المقالح هذه القصيدة بقصائد “نقطة في الظلام” الذي نشر عام 82م.

لم يكن القاضي “عبدالله عبدالوهاب الشماحي” من خَاصَّة سيف الإسلام “عبدالله بن يحيى” وإنما كان في الأربعينيات من خَاصَّة سيف الإسلام “علي” ويبدو أن علاقة سيف الإسلام عبدالله بالأمريكيين هي الرابط من وجهة نظري بين الشماحي وعبدالله فقد سبق وكان الشماحي وسيلة الاتصال مع الأمريكيين من أجل دعم انقلاب سيقوم به الأمير على بن يحيى، فهل الجامع بين هذه الأسماء هي أمريكا، وهل بدأت منذ الأربعينيات تحت ستار العلاقات التجارية، بالبحث عن نفوذ ورجالات يتبعونها هذا جائز، ولعل تخوف الإنجليز من الأمريكان، وتخليهم عن دعم حركة 48م بعد تشجيعها يعود إلى خوفهم من ازدياد النفوذ الأمريكي في الشمال.

أكثر كتب البردوني تستطيع أن تصفها بأنها رحلات في الثقافة والثورة فلا يخلو كتاب للبردوني دون أن يكون فيه أدب وفن وسياسة وتاريخ وفكر، كعادته في استطراداته الممتعة وأحكامه السابقة لزمنها وبعضها فيها تسرع واسترخاء.

 

روايات الأحداث والواقع.. المصطلحات والمفاهيم:

يربط البردوني في قراءاته للوقائع في رواية الرهينة بين الأحداث والواقع ويحاكمها على أَسَاس ما هو واقعي، فاسم حفصة كما يرى ليس من الأسماء التي يسمى بها الهاشميون لهذا يخطئ صاحب الرهينة في عدم استخدام أسماء تناسب العادات والثقافة التي ينتمي إليها الأشخاص، كذلك يخطئ صاحب الرهينة في استخدامه لرهينة كدويدار، في حين أن القصر لم يكن يثق برهائن التمرد لهذا لا يستخدمهم في الخدمة داخل القصور، وهو في هذا يجفف الخيال مشترطاً تماهيه مع حقائق الواقع متناسياً أن الرواية وإن استندت إلى التاريخ والوقائع فَإِنَّها تظل عملاً فنياً متخيلاً، ولعل الخطأ ليس خطأ البردوني فقط، فَإِنَّ المؤلَّفَ ومقدمة المقالح للرواية لا تخلوان من التوظيف السياسي، حتى تكاد أن تتحول إلى بيان سبتمبري في صيغة سردية، ومحتوى أربعيني، أَو شباطي إذَا استخدمنا وصف البردوني لحركة 1948م بأنها انقلاب شباط 1948م.

يستخدم البردوني في كتابه “الثقافة والثورة في اليمن” مصطلح القصيدة العمودية، وهو مصطلح غير دقيق في وصف القصيدة التقليدية؛ لأَنَّ عمود الشعر، نموذجه البحتري وأما تغريب أبي تمام فَإِنَّه يخرج من العمود، وعمود الشعر هي الخصائص التي تداولها قدامة بن جعفر وغيره في وصف الشعر الذي يعتمد على الألفاظ الرصينة والمعاني الشريفة والتشبيه القريب، لهذا فالأصح من وجهة نظري استخدام مصطلح الكلاسيكية الجديدة للقصيدة التقليدية المتطورة في رؤيتها والمستفيدة من التقنيات والأساليب الفنية المعاصرة كشعر البردوني مثلاً، فهو وعلى التزامه بالإيقاع الكلاسيكي، إلا أنه يطوّعُه ويجزّئُه ليستوعبَ في بنيته أساليب وفنون بصرية وتقنيات حداثية، يجعل شعرَه المتأخِرَ حافلاً بالكثير من الأسلوبية الجديدة والأجد إذَا استخدمنا مصطلح الدكتور عبدالعزيز المقالح.

لا أتفق مع البردوني في وصفه لحركة 1948م، بأنها انقلاب؛ لأَنَّها من وجهة نظري أكثر من انقلاب وأقل من ثورة، فميثاقها المقدس، ورجالاتها الذين مثّلوا معظم نبلاء اليمن يجعلها حركة إصلاحية في طريق الثورة، والجمود والتوقف عندها يعدُّ رجعية وتخلفاً، لكن استيعاب مهامها الإصلاحية هو الذي يؤدي من وجهة نظري إلى نجاح التحولات الثورية لسبتمبر وأكتوبر، فالتحولات النوعية لا تأتي طفرات وإنما تتأسس على تحولات إصلاحية تنويرية، القفز عليها يؤدي إلى النكوص وليس إلى التغيير وإلى الاستبداد وليس إلى الديمقراطية.

يستخدم البردوني مصطلح “العمرين” كإشارة منه إلى الخليفة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما، والمتعارف عليه استخدام مصطلح “الشيخين” فإذا كانت في الخلافة انصرفت إلى أبي بكر وعمر، أما مصطلح “العمرين” فهو في ظني مصطلح بردوني.

إن قراءة “البردوني” للشعر الذي نظمه شعراء النصف الأول من القرن العشرين، وخَاصَّة شعراء الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات يسير على طريقة أصحاب الموازنات، من مقارنة المعاني، والنظر إلى صحة الألفاظ ومناسبتها للسياق، ومقارنة التراكيب والاستعارات، ثم إصدار حكم بشعرية هذا وتقليدية ذاك.

يصف البردوني الأمير علي بن يحيى بالمجون واللهو، ويتحدث عن واقعة سجنه من قبل أبيه الإمام؛ بسَببِ سرقة ألف ريال من بيت المال، ثم بعد ذلك في مقالته عن القمندان يتحدث عن الأمير علي قائلاً: “وكان الأمير علي يدور في شوارع صنعاء فيأخذ بيد العاجز، وينهض العاثر، ويصد المتجني على أحد، ويدفع الدية عن القاتل ليقيه القصاص إذَا قبلت ورثة القتيل، وليس له من الإمارة إلا سيماها وملابسها.. وكان يشارك طبقته في السخط على أبيه كما في قوله:

بني وطني إلى كم نحن نشقى           وأنتم في المضاجع راقدونا

وهــذا المستـبــد الغـر يحيـى               عــدو الله يظلمكـــم سنينـــا

لكنه لم يقل لنا كيف باستطاعته دفع الديات والأخذ بيد العاجز، وراتبه لا يتجاوز الثلاثين ريالاً، فإذا علمنا أنه في الأربعينيات وأثناء مفاوضات تجارية بين الإمام يحيى والأمريكان، كان مفاوضاً وقائماً بعمل وزير الخارجية “محمد راغب بك” وأن راغب بك نُحّي فعلاً أَو تكتيكاً من قبل الإمام يحيى حتى يصل في مفاوضاته مع الأمريكان إلى أكبر مكسب ممكن، ثم لم يقل لنا هل قال الأمير علي هذه الأبيات قبل سجنه؛ بسَببِ السرقة أم بعدها!! والراجح أنه قالها بعد سجنه؛ بسَببِ السرقة التي أدين بها، ولولا أنها سرقة من مال عام وليس بحرز كما يشترط الفقهاء عند قطع اليد، لقطع الإمام يده، فالمال العام كما ينقل البردوني عن الفقهاء فيه شبهة شراكة الجميع فيه، بما فيهم السارق، وهذه شبهة تسقط الحد، لكنها تشجع على سرقة المال العام.

ويكتب عن القمندان منتقداً أولئك الذين لا يرون فيه إلا رمزاً من رموز السلطة والإقطاع، وآخرون أبدوه في كتاباتهم ثورياً قبل الثورات ص383، وهو يقرأ القمندان وفق الظروف الموضوعية التي نشأ بها منبهاً إلى محبة القمندان للناس، وكتابته الشعرية التي تتلمس همومهم، ومُشيراً إلى شعره العامي والفصيح منبهاً إلى الانكسارات الموسيقية، معللاً ذلك بأنه شعر غنائي يستقيم وزنه عندما يُغنى. ولعمري فَإِنَّ هذا النهج في الكتابة الموضوعية البعيدة عن الخصومة والاحتفاء المجاني هو ما نفتقده في ساحتنا الثقافية، التي يطغى عليها التعصب بمختلف أشكاله، فيكون واقعنا الثقافي انعكاساً لهذه العصبيات التي لا تجيد القراءة والنقد والتفكير إلا وفق عصبياتنا ومصالحنا الأنانية، التي لا ترجو من كتابتها إلا تمجيد ذاتها وأبويتها ولو ظلت الثقافة اليمنية متعثرة لعقود.

يصف البردوني مكتبة الجامع الكبير، وكيف انتوى الإمام يحيى في عام 1935م بناء مكتبة بالجامع الكبير، تملك من الكتب ما يكفي طلاب الجامع قياساً على دار العلوم، ولم يقدر على ذلك “لازدياد عدد الطلاب في الجامع كُـلّ عام ولا يريد الإمام تجاوز الضروري”، ص440، ثم يسرد أسماء بعض الكتب التي أهديت من الإمام يحيى إلى الجامع، ومن ولده الأمير عبدالله، وطريقة الاستعارة من الجامع بوضع رهن يساوي ضعفي ثمن الكتاب، على عكس الاستعارة من مكتبة دار العلوم التي فتحت عام 1925م.

ومن وصفه للمكتبة يشعر القارئ أن البردوني كان على اطلاع بمحتويات المكتبة وإن لم يكن جميعها على عكس رأى الأُستاذ أحمد محمد الشامي في كتابه “من الأدب اليمني” حين نفى أن يكون البردوني على معرفة بمحتويات مكتبة الجامع الكبير، فهل أراد البردوني في كتابه هذا أن يرد على ما ذكره الشامي في كتابه “من الأدب اليمني” الذي طُبع عام 1974م سواء في موضوع المكتبة أَو موضوعات أُخرى تتعلق بالشعراء وبرجالات 1948م، وبأدباء النصف الأول من القرن العشرين، وبالزبيري خَاصَّة، هذا ملحوظ من محتويات الكتاب. سواء في تأكيده غير المباشر لما ذكره في كتابه “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه” أَو كان باستفاضته أَو إضافاته.

يوثق عبارة لعبدالرحمن فخري الذي يصفه بأنه من الوجوه الجديدة في تأسيس اتّحاد الأدباء، والعبارة مأخوذة من محاضرة لعبدالرحمن فخري عام 74م تؤكّـد على استقلال الاتّحاد عن السلطتين وقتها، لكنها تشير إلى ريادة عَبدالرحمن فخري يمنياً في التعامل مع الأدب باستقلالية عن الوظيفة السياسية أَو ما كان وقتها يسمى بالأدب الملتزم وهي عبارته التي قال فيها: “إن الوظيفة أَو الوظيفة الأدب لا هو من الأدب ولا هو من السياسة”، ص457.

ينتقد البردوني صوت عبدالرحمن فخري القوي؛ لأَنَّه من وجهة نظره “يصرف الانتباه من الشعر إلى صوت الشاعر، فلا بد أن يلي عبدالرحمن شاعر متفوق شعرياً وإن كان دونه صوتياً” في إشارة منه إلى أن صوت عَبدالرحمن فخري أقوى من شعره، في حين أن من يستمع إلى فخري وهو يؤدي شعره يجد ذلك الصوت الذي يتماهى مع الدلالة الشعرية بأداء يتمثل الدلالات المتنوعة للنص، وهو ما يجعل عبدالرحمن فخري متميزاً ومختلفاً في قصيدة التفعيلة والنثر.

يرى البردوني أن “حسن العمري” كان بين سلطتين “رئاسة المجلس الجمهوري التي ترى انتهاء مهمته، وبين سلطة مشيخية تريد نصبَه فزّاعةً في وجه المثقفين وفي وجه رئيس المجلس”، ص 509، لكن الأحداث والمذكرات التي نُشرت في العقد الأول من الألفية الثالثة أثبتت أن التخلصَ من العمري كان مطلبَ المشايخ الذين لا يستبعدُ تدبيرَهم لتلك الطريقة غير الأخلاقية من أجل التخلص منه، وذلك عن طريق إقناعه بالسفر إلى مصر، وقد قام بدور إقناعه واستغلال حالته النفسية حسين المسوري، الذي كان في هيئة الأركان آنذاك، وكانت علاقته مع المشايخ والسعودية في الخفاء ومع الإرياني والعمري في الظاهر.

إن القول بأن “البردوني” ضحية الانحياز لموقفٍ نقدي في السياسة؛ بسَببِ التغافل عن الاهتمام به أَو بذكراه، كما يرى “ماجد المذحجي”، قولٌ يمكن نقدُه من زاويةٍ أُخرى، وهو أن الاحتفاء غير الرسمي وشبه الرسمي بالبردوني هو أَيْـضاً نتاج انحياز لموقف نقدي من السياسة شعرياً ونقدياً.

أعتقد أن الاحتفاء شبه الرسمي والنخبوي والشعبي هو الأكثر فاعلية وأبقى في التخليد.

وتحت عنوان “التأسيس والتطوير في تجارب اليمن الواحد” يدعو البردوني في بداية التسعينيات إلى وجوب العمل السياسي المشترك بما يسبق بسنوات إلى تلك الصيغ التي بدأت بالظهور بعد 1997م” قائلاً: “إن بين الأحزاب من القواسم المشتركة أكثر من نقاط الخلاف”، ص511. “إذن فما يمنع تآزر التنظيمات بعد أن ملكت حرية العلنية؟! إن أهمّ أسباب التحالف هو الخروج من العصبية التنظيمية، إلى التعصب للوطن ومن الثقافة القديمة إلى الثقافة المتطورة والجديدة التي ستؤسسها التجارب الآتية وهذا يستدعي محو أوراق الستينيات والسبعينيات وما تلاها”، هذه وجهة نظر البردوني إزاء العمل السياسي المشترك، والذي يتأسس على محو أوراق الماضي، في حين أن المكاشفة والمراجعة النقدية والاعتراف بالخصوصيات الثقافية والأيديولوجية هو من وجهة نظري المدخل الحقيقي لأي عمل سياسي مشترك، وسأستعير لغة البردوني عند حديثه عن قوة النظام السياسي عندما يؤسس على قوة الثقافة، كذلك كُـلّ أشكال التحالفات، إذَا لم تؤسس على قوة الثقافة وخصوصيتها وتعددها فلا يمكن للتحالفات السياسية أن تكون قوية، وإنما ستستمر آنية، تجمعها الجروح وتفرقها الجروح.

يقول البردوني حول طمأنة الإخوان المسلمين ليلتحقوا بالقواسم المشتركة في بداية التسعينيات حين كانوا وقتَها حزبَ السلطة في مناوأة قوى اليسار، يقول: “فما يمنعُ تنظيماتِنا أن تتحالَفَ مع جماعة الإخوان الذين تحالف زملاؤهم مع حزب الوفد بمصر والتقوا مع سائر الأحزاب في الأردن برلمانياً.

يمكن طمأنة الإخوان بأنهم يتحالفون مع مسلمين يقولون: ربنا الله، وبيتنا هذا الوطن”، ص511.

الغريب أن البردوني لم يلتفت وقتَها إلى طمأنة قوى اليسار من الإخوان المسلمين، كأن يقول مثلاً كان على الإخوان أن يطمئنوا قوى اليسار بأن بيتَنا الوطن وربنا الله، في وقت كان اليسار بحاجة أشد إلى من يطمئنه ويشعره بالأمان والعيش المشترك.

كنا قد ذكرنا سابقاً ما أورده البردوني من نقد الأمير علي لأبيه في أبيات شعرية يصور فيها ظلم الإمامة، وها هو البردوني يورد بيتاً آخر ص550 للأمير علي يمدح فيها أباه الإمامَ بقوله:

العيد يومٌ واحد                وأنت عيدٌ كُـلّ يوم

والجمع بين نقليات البردوني يجعلني أرجِّحُ أن نقدَ الأمير علي لأبيه لم يكن من أجل الشعب، وإنما من أجل حبسِه؛ بسَببِ السرقة سابقةِ الذكر.

وفي كتابه من أول قصيدة إلى آخر طلقة – دراسة شعر الزبيري ط1 دار الحداثة 1993م يتجاهل البردّوني ما ذكره في كتابه الذي نُشر في السبعينيات “رحلة في الأدب اليمني…” حين قال وهو محق -أن قصيدة “مصرع ضمير” التي نشرت في ديوان للزبيري في حياته هي “للمعلمي” ثم يؤكّـد ذلك الشامي في كتابه “من الأدب اليمني”، مدافعاً عن سهوِ الزبيري، ومعززاً كلامه بمقدمة للمعلمي في بداية الكتاب يوضح فيها المعلمي الأبيات الثمان التي أضافها الزبيري للقصيدة، وتغييره للعنوان من “من في ضلوعك يا ضمير” إلى “مصرع ضمير” فلماذا تراجع البردوني في كتابه “من أول قصيدة إلى آخر طلقة”، ص12 عما قرّره في الرحلة وأصبح حقيقة مسلما بها.

ينتقد البردوني موقفَ “الزبيري” حين كان برفقة علي الوزير في السعودية، ومدحه للملك عبدالعزيز آل سعود بقوله:

قلبُ الجزيرة في يمينك يخفقُ             وسَنَى العروبة في جبينك يشرقُ

فيقولُ هل هذه القصيدة قربانٌ وطنيٌّ أَو تملٌّقٌ يقودُ إلى تملك ص13، خَاصَّةً واليمن كانت خارجةً من حرب أربع سنوات مع السعودية، التي قضمت الأرض واشترت الناس، والعجيب –والتعليق لي- أن موقف المنضوين إلى حزب “الاتّحاد اليمني” الذي تحول قبل استشهاد الزبيري إلى “حزب الله”، الغريب أن موقف رجالات هذا الحزب إزاء قضم السعودية للأراضي، وشرائها للذمم أمر أكثر من عادي والوطن يتحول إلى مُـجَـرّد “حفنة تراب”.

يشير البردوني في هذا الكتاب ص35 إلى أن الزبيري التحق بدار العلوم عام 1940م لكنه لم يتخرج منه رسمياً، لكنه لم يذكر لنا أن السبب، هو أن دار العلوم يقبل الحاصلين على البكالوريا، الصادرة عن المدارس الحديثة، وتعليم الزبيري كتعليم صديقه، النعمان الذي التحق بدار العلوم كمستمع –هو تعليم تقليدي، على يد مشايخ العلم.

إن وجود الخصوصية المكانية في الشعر ليس سمة فنية يمكن أخذها عيباً ونقيسه على شعر الزبيري، وهو ما استمر البردوني متمسكاً به منذ بداية السبعينيات في كتابه الرحلة وحتى كتابه “من أول قصيدة” في 1993م. والشامي في نقده لهذا الطرح، كان على صواب وإن كان في نفس الوقت جارحاً، فالشعر لا يتميز بخصوصية المكان أَو عموميته، هذه معانٍ ودلالاتٌ تأتي في سياق الشعر أَو لا تأتي المهم أن يكون الشعر كخلق لُغوي وفني موجود.

لم تكن مدائح الزبيري في الإمامين” يحيى وأحمد” -والتي أسماها في ديوانه بالوثنيات ولم ينشُرْ منها في الديوان سوى بضع مقطوعات- لم تكن هذه المدائح الشعرية أقوى مما قاله من مدائحَ في “محمد علي جناح” وعبدالوهاب عزام ومديح السيف عبدالله، كما يرى ذلك البردوني، وإنما هي من وجهة نظري من قصائده الأقوى فنياً ضمن تجربة الزبيري الشعرية، رغم ما فيها من تأثُّرٍ وتناصٍّ مباشرٍ مع قصائد شوقي والمتنبي وأبو تمام وعلي الجارم وغيرهم وإن كان البردوني يرى الزبيري وعلي الجارم يتشاركان في الامتداد من السلف القريب.

يرى الدكتورُ عباس السوسوة -أُستاذ اللسانيات في جامعة تعز- أن” أهمّ ما في الكتاب أنه ينظر إلى الزبيري العظيم على أنه بشرٌ عادي لا هو بالمَلَك ولا هو بالشيطان” وذلك في مقالة له في صحيفة الثورة بعنوان ملاحظات على كتاب البردوني: من أول قصيدة إلى آخر طلقة” العدد 10523 بتاريخ 3/9/1993م.

ومن الملاحظات التي نتفقُ فيها مع الدكتور عباس السوسوة، ملاحظته عن ترتيب فصول الكتاب فلو رتّبها بطريقة توالي الموضوعات المتعلقة ببعضها لكان أفضلَ، ثم يسير الدكتور السوسوة في بقية مقالته متتبعاً أخطأ البردوني سواءً تعلقت بالتواريخ أَو اللغة، أَو الأَعلام، أَو دلالات سياقية، يمكن للقارئ أن يفهم منها عكس ما فهمه الدكتور عباس إذَا أحسن الظن، والدكتور عباس يسير في نهجه ذلك على طريقة الأديب “أحمد محمد الشامي” في كتابه سابق الذكر “من الأدب اليمني”، فأما طريقةُ ترتيب الموضوعات فهي من وجهة نظري تسري على الكثير من مؤلفات البردوني، التي ينشرها كمقالات في الصحف، ثم يعودُ إلى تجميعِها في كتاب، ويبدو أن من يملي عليهم لا يلاحظون أهميّةَ التوالي في الموضوعات، وهي مسألةٌ شكليةٌ تخدُمُ دلالاتِ الكتاب والقارئ.

أختتم مقالتي هذه عن البردوني بما قاله “فرحان الصالح” على غِلافِ كتاب الثقافة والثورة في اليمن حين قال: “البردوني يحملُ مصباحَ ديوجين ليله نهارٌ لنا، وصقيعُنا يحولُه إلى دفءٍ، ومرجعيةُ البردوني في “الثقافة والثورة” قد لا تحملُ تغريباً ظللنا فيه ردحاً من الزمن، بل تحمل لنا مصابيحَ من الوعي، حيثُ المرآة تتبدل دائماً، وكأننا نرى أنفسنا للمرة الأولى”..

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com