الرئيسية >> أهم الأخبار >> اليمن شريكٌ بالقوة في وظيفتين خليجيتين

اليمن شريكٌ بالقوة في وظيفتين خليجيتين

د. وفيق إبراهيم*

الدولةُ اليمنيّةُ في صنعاء تزدادُ قوةً مقابلَ خسارة «الدولة الوهميّة اليمنيّة» في السعودية لآخر إمكاناتها، وهي إمكاناتٌ كانت تستمدُّها من العدوان السعودي ـ الإماراتي على اليمن المستمر منذ سنين خمس.

أما الأسبابُ فباتت واضحةً وهي أن تراجع العدوان الخارجي وحلفه اليمني الداخلي، ليس لخسارة مواقعَ أَو معارك، بل لفقدان وظائف استراتيجية لا تزال تشكّل حتى الآن الأسباب الأساسية للاهتمام الغربي بجزيرة العرب والخليج.

للإيضاح فإن بلدانَ الخليج تبيعُ نفطاً وتشتري كُــلّ شيء تقريباً باستثناء البلح، ما أنتج معادلة تقوم على أن الغرب يُنقِّب عن النفط بواسطة شركاته التي تعالجه وتصدره إلى العالم الغربي وبعض البلدان الآسيوية والأفريقية المستهلكة، ما أنتج علاقة عميقة بين نظام اقتصادي غربي وسلطات خليجية تأسست على سطو غربي متجذّر ثنائي الحركة: النفط من الخليج وتصدير البضائع الغربية وكل الأنواع إلى الخليج، فتطوّر هذه العلاقة بين الطرفين إلى نظام حماية متكامل المواصفات والشروط مع دفع البدل والإتاوات والضحية بالطبع هم سكانُ جزيرة العرب.

لكن الاستثناء على هذه القاعدة كان اليمن. فالسعودية بذلت إمكاناتٍ كبيرةً منذ ثلاثينيات القرن الماضي لمنعِه من الاستقرارَين السياسي والاجتماعي، وحرمانِه من إمكانية استثمار موارده الاقتصادية. وهذا واضح في السياسات السعودية التي لا تزال مستمرّة في اليمن منذ سبعة عقود وأكثر.

الأمر الذي يكشف أن العدوان السعودي الإماراتي الحالي المدعوم عربياً وغريباً وإسرائيلياً عليه هو استمرار للسياسات السعودية التأريخية ضد هذا البلد بدعم غربي مفتوح.

أما أسبابُ هذه العدوانيّة السعودية التأريخيّة، المتواصلة، فهو رفض آل سعود ليمنٍ مستقرّ فيه غلبة سكانيّة ويستطيع العيش من موارد غير نفطيّة متحكّماً برأس جزيرة العرب، ولديه علاقات نسب وانتماء مع معظم القبائل في السعودية وعُمان، وأهله مولعون بحب المعرفة والعلم والإحساس العميق بوحدة النسب مع الجوار في المنطقة العربية.

لذلك فالعدوان السعودي الحالي على اليمن، يحمل هذه العدوانية المذكورة، مضافة إليها محاولة منع اليمن من التعاون مع السياسات العربية والإقليمية المعادية للنفوذ الأمريكي وبالتالي السعودي ـ الإسرائيلي.

لمزيد من التوضيح فإن الهجوم السعودي ـ الإماراتي بدأ بالدخول إلى اليمن منذ 2014 مستهدفاً السيطرة على كامل بقاعه وسط حملة إعلامية، بأن أسبوعين فقط كافيان لإسقاط الدولة في صنعاء، وهذا كلامٌ موثقٌ قاله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، زاعماً أن قواتِه تريدُ تحريرَ اليمن من أهله.

الآن وبعد خمس سنوات يطأطِئُ بنُ سلمانَ رأسَه من دون توضيح أسباب تراجع قواته المدعومة بالمرتزقة والسلاح والحصار وكل شيء تقريباً.

هذا مقابل صورة معاكسة، ليمن أصلي قاتل العدوان باحترافيّة تأريخيّة في إطار خطة يتواصل صعودها لتحقيق الهدف الكامل وهو تحرير البلاد من العدوان. وهذا يؤدي تلقائياً إلى ولادة دور إقليمي لليمن بدأ يتشكّل منذ الآن.

كيف تتبلور جهادية اليمن نحو التحرّر وتطوير الدور؟

عرفت العقلية التأريخية اليمنية أن إمكاناتِ العدوان على بلادها كبيرةٌ جداً بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق فطبقت مفهوم حرب «الغوار الشعبية» بتراجع متعمّد أمام السعوديين والإماراتيين حتى صدَّق هؤلاء أنهم قاب قوسين أَو أدنى من السيطرة على كُــلّ اليمن، وتبين أن دولة صنعاء تراجعت لتفكيك زخم المهاجمين وذلك بتراجع متعمّد ما أدّى إلى انتشارهم على مساحات يمنية واسعة فضعفوا.

هذا ما جرى بالعدوان الذي وزّع جيوشه على مئات آلاف الكيلومترات المربعة لضمان الاستمرار في سيطرتهم عليها.

لكنها حوّلت بذلك مواقعها إلى أهداف لقوات دولة صنعاء التي تجيد فنون الكرّ والفرّ، ما مكّنها من استنزاف حيوية جيوش العدوان وتحالفاتهم البحرية والجوية وحوّلتهم أهدافاً يصطادها المجاهدون بفنون قتال تأريخية.

إن هذا الاستيعاب للقوات الغازية، منح مجاهدي اليمن فرصة من الانتقال إلى المرحلة الثانية التي أثارت دهشة المراقبين العسكريين في العالم، فكيف يمكن لبلد متواضع الإمكانات ومحاصَر ويحتلّ العدوان قسماً كبيراً منه أن ينتقل من الدفاع والقتال في الداخل إلى اختراق الحدود السعودية المواجهة لأعالي صعدة الجبلية والسيطرة على أراضٍ سعودية، متسبباً بذعر سعودي يطلق أصوات استغاثة طلباً لنجدة من تغطياته الغربية والإقليمية والإسرائيلية.

لم يكتف المجاهدون بهذا القدر فأرسلوا صواريخ باليستية وطائرات مسيرة نحو أهداف نفطية واقتصادية وعسكرية أصابت أهدافها في مناطق مختلفة، وأحدثت رعباً داخلياً وخارجياً.

إن الطريقة التدريجية في قتال غير متكافئ بسبب الدعم الغربي المفتوح للسعودية جعل من الأسلحة العابرة للأجواء وسيلة لوضع الوظيفة النفطية السعودية في موقع صعب، بدليل أنه أصبح بإمكان انصار الله عرقلة إنتاج النفط كلما شعروا بالحاجة إلى إفهام آل سعود أن وجودهم الاحتلالي في اليمن أصبح على مشارف الهاوية، ما يعني أن عليهم الرحيل بسرعة.

يتبين إذاً أن أنصارَ الله فرضوا بقوة مُسَيّراتِهم الجوية، دوراً أساسياً لهم في النفط وبالقوة، لكنهم لم يكتفوا بهذه الوظيفة الشديدة الأهميّة، ملحقين بها وظيفة أخرى، وهي حقهم بالمشاركة في أمن الملاحة في رأس الخليج عند حدود السعودية مع الكويت والعراق وحتى حدوده مع بحر عدن مروراً بمضيق هرمز وصولاً إلى باب المندب، فإذا كان الأمريكيون يناشدون دول الغرب والشرق للمشاركة في أمن ملاحة مزعوم أفلا يحق لأهل الخليج والبحر الأحمر المشاركة في هذا الكرنفال؟

ضمن هذه المعادلة، يجب إدراج قصف المجاهدين اليمنيين لمدينة الدمَّام في الشمال الشرقي للسعودية مقابل الخليج، وقصف عرض عسكري في عدن المطلة بدورها على بحرها المرتبط بالخليج، فمن كانت لديه القدرة على إرسال صواريخ لمسافات تتجاوز 1200 كيلومتر وتصيب أهدافها بدقة، هو شريك بقوته العسكرية في أمن الملاحة، إنما على الطريقة اليمنية، وهذا يضع السعودية وحلفاءها في زاوية ضيقة لا فرار منها، فإما الانسحاب من اليمن على طريقة فرار المهزومين أَو تقليص عائداتها من النفط واختراق حدودها وإرباك الملاحة في الخليج.

فماذا تختار؟ ربما يصنع أنصار الله مفاجآتٍ جديدةً فانتظروها.. وعندها لن ينفعَ الندَمُ السعودي.

* كاتب لبناني