أمريكا تواصل خلط الأوراق لإعاقة جهود السلام

بلينكن يعبر عن نوايا واشنطن لفرض تصوراتها على المشاورات واليمنيون يردون بحملة رفض واسعة.

البيت الأبيض يعود لدعايات “إنهاء الحرب” لإرباك المشهد والتغطية على التمسك بالتصعيد.

 

المسيرة | خاص

في محاولةٍ جديدةٍ لخلط الأوراق والتشويش على المشهد التفاوضي القائم، عادت الولاياتُ المتحدةُ للحديث عن “السلام” في اليمن للتغطية على توجّـهها العملي المُستمرّ الذي يدفع نحو التصعيد وإفشال جهود معالجة الملف الإنساني، الأمر الذي يؤكّـد أن واشنطن تسعى للدخول على الخط ومحاولة فرض تصوراتها وروايتها الخاطئة على المشهد، وهو ما ردت عليه صنعاء بحملة واسعة أكّـدت فيها أن الولايات المتحدة ما زالت تقف ضد السلام الفعلي.

وعلى لسان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن الذي يزور المنطقة حَـاليًّا، عادت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الأسبوع إلى رفع دعاية “دعم السلام في اليمن”، حَيثُ زعم بلينكن أن بلاده “تعمل مع السعوديّة لإنهاء الحرب” وهو تصريح غير جديد سبق أن صدر عن واشنطن عدة مرات، لكنه لم يكن في أيٍّ من تلك المرات جادا وحقيقيًّا، بل كان دائماً مُجَـرّد دعاية يهدف من خلالها البيت الأبيض لخلط الأوراق والتغطية على استمرار تعنته ورفضه لجهود السلام الفعلي.

هذه المرة لم تكن مختلفة عن سابقاتها، فانزعَـاج الولايات المتحدة الأمريكية من الجهود التي تبذلها سلطنة عمان مع صنعاء لمعالجة الملف الإنساني والتمهيد للسلام الفعلي، كان واضحًا ومعلنا وملموسا على الأرض، وقد كان بيان الرئيس الأمريكي جو بايدن الأخير حول “استمرار تقديم الدعم العسكري” لدول العدوان، ومحاولته ابتزاز السعوديّة والإمارات بـ”التهديدات القادمة من اليمن” دليلا واضحًا على أن البيت الأبيض يريد إعادة العجلة إلى الوراء.

وعلى الأرض، لم تكف الولايات المتحدة منذ نهاية الهدنة عن تحَرّكاتها العدوانية للالتفاف على قرار منع نهب الثروات الوطنية، بالتوازي مع محاولة توجيه ضغوط على صنعاء لدفعها نحو التراجع عن هذا القرار، بل إنها دعمت ورعت تصعيد الحرب الاقتصادية على الشعب اليمني بالمزيد من الإجراءات والخطوات الإجرامية خلف واجهة حكومة المرتزِقة، ومن آخر تلك الإجراءات قرار رفع سعر الدولار الجمركي التي لا زالت الولايات المتحدة تدفع نحو التمسك به وفرضه.

وأفَادت مصادر إعلامية بأن طائرات أمريكية بدون طيار شنت منتصف هذا الأسبوع غارة على مدينة مأرب، في مؤشر إضافي على تمسك الولايات المتحدة بخيارات وأساليب التصعيد.

وحتى ما ينشر في وسائل الإعلام الأمريكية بخصوص اليمن، لا يتضمن أية مؤشرات على تغير موقف الولايات المتحدة، بل إنه يعكس مخاوفها من تعاظم قوة وتأثير صنعاء، كما أنه ينتقد إصرار البيت الأبيض على مواصلة دعم السعوديّة والإمارات، ورفضه كُـلّ محاولات الكونغرس لوقف هذا الدعم.

وبالتالي فَـإنَّ حديث بلينكن عن “العمل مع السعوديّة لإنهاء الحرب” ليس سوى محاولة لخلط الأوراق، خُصُوصاً في هذا التوقيت الذي برزت فيه بعض المؤشرات الإيجابية على إمْكَانية نجاح جهود الوساطة التي تقودها سلطنة عمان الشقيقة بتجاوب ودعم كبيرين من صنعاء، حَيثُ كان الرئيس المشاط ورئيس الوفد الوطني محمد عبد السلام قد أوضحا أن الوفد العماني أجرى نقاشات إيجابية وجادة وحمل أفكارا بناءة خلال زيارته الأخيرة لصنعاء، بخصوص ترتيبات معالجة الملف الإنساني والتمهيد للحل الشامل.

وبدا واضحًا أن الولايات المتحدة تشعر بقلق كبير من احتمالات إحراز تقدم حقيقي خلال المشاورات الجارية؛ لأَنَّ واشنطن ترى في تنفيذ مطالب الشعب اليمني التي تتمسك بها صنعاء فشلا لمخطّطاتها وتوجّـهاتها التي تتمحور حول مواصلة العدوان والحصار والاستحواذ على ثروات وعائدات البلد، الأمر الذي يجعل عودتها للحديث عن السلام محاولة واضحة للدخول على خط المشاورات الجارية.

ويشير تصريح بلينكن إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تنوي الدفع بالسعوديّة لمواصلة التعنت ورفض تنفيذ مطالب الشعب اليمني وبالتالي قطع الطريق أمام المؤشرات الإيجابية التي ظهرت مؤخّراً، وهو ما سبق أن فعلته واشنطن قبل فترة ليست بالطويلة، حَيثُ أكّـد الرئيس المشاط في وقت سابق أن المبعوث الأمريكي إلى اليمن تيم ليندركينغ أحبط تفاهمات جيدة كان قد التوصل إليها خلال المفاوضات التي أعقبت انتهاء الهدنة.

ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لإخضاع عملية التفاوض الجارية لتصوراتها ورؤيتها الخَاصَّة من خلال تقديم نفسها كراعية للسلام، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، أَو على الأقل يقلص فاعلية أي تقدم قد يتم إحرازه؛ لأَنَّ إصرار واشنطن على مواصلة العدوان والحصار وفرض حالة “اللا حرب واللا سلام” هو توجّـه واضح وثابت ولا توجد أية مؤشرات على أن البيت الأبيض ينوي تغيير هذا الموقف.

هذا أَيْـضاً ما يؤكّـده رد فعل صنعاء التي أطلقت الاثنين، حملة إلكترونية رسمية وشعبيّة واسعة حملت عنوان “أمريكا عدو السلام” أكّـدت فيها على الدور التخريبي المُستمرّ للولايات المتحدة في إعاقة جهود الحل، وهو ما اعتبره مراقبون رفضا واضحًا لأي تدخل أمريكي في عملية التفاوض الجارية.

وكانت صنعاء قد أشَارَت في وقت سابق إلى أن دول العدوان وعلى رأسها السعوديّة معنية بالبحث عن مصالحها بعيدًا عن التوجّـهات الأمريكية في إشارة إلى تعارض إدراك الرياض لضرورة اللجوء إلى الحلول مع إصرار الولايات المتحدة على التصعيد، الأمر الذي يجعل السعوديّة أمام اختبار مهم ومصيري.

ولا توجد مؤشرات واضحة بخصوص ما إذَا كانت السعوديّة مستعدة لاجتياز هذا الاختبار وعدم التأثر بالتوجّـهات الأمريكية، فوزير الخارجية السعوديّ فيصل بن فرحان كان قد تحدث قبل أَيَّـام عن وجود “تقدم” في المشاورات، لكنه أَيْـضاً أكّـد أن هناك “عقبات كبيرة” وأنه لا زال هناك حاجة إلى المزيد من العمل، وهو ما يبقي المجال مفتوحا أمام احتمالات خضوع السعوديّة للرغبات الأمريكية.

وإذا ما اعتبر موقف الأمم المتحدة امتدادا للموقف الأمريكي -كما هو الحال دائما- فَـإنَّ مهمة إحراز تقدم في المشاورات قد تواجه المزيد من العوائق؛ لأَنَّ الولايات المتحدة قد تحاول بطبيعة الحال توظيف دور المنظمة الأممية في مساعيها، إن لم يكن لإفشال الجهود المبذولة، فسيكون لعرقلة ترجمة التفاهمات التي قد تحصل إلى خطوات عملية ثابتة، وقد كانت إحاطة المبعوث الأممي الأخيرة من صنعاء مخيبة للآمال بالنسبة للكثيرين؛ لأَنَّها أوضحت أن الأمم المتحدة لا تزال تتعاطى مع الأمور بنفس الطريقة السلبية التي تكشف عن تواطؤ واضح مع تحالف العدوان.

وهكذا فَـإنَّ المؤشرات السلبية تبقى قائمة إلى حين بروز أدلة إضافية يمكن الاعتماد عليها للحكم بوجود “جدية” من جانب النظام السعوديّ في التوصل إلى حلول، خُصُوصاً في ظل المماطلة والتأخر المتعمد في التجاوب مع مطالب السلام.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com