مبدأُ الحق ومَن يمكنُ أن يقدِّمَه

هنادي محمد

  • دعاءُ مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يُعتبَرُ بمثابة وثيقة إيمَـانية يمكنُ لكل مؤمن ممن يريدُ أن يرتقيَ بإيمَـانه وسمو نفسه وكمال أخلاقه، فهو ليس مُجَـرّد دعاء جامد، وكلمات منظومة، بل هو جرعة روحية شاملة وشافية للروح يتوجّـه بها الإنسان لله -جلّ شأنه- ويقف بين يديه في محطة من أهم المحطات العبادية وهي “الدّعاء”.

في هذه المحاضرة والوقفة الهامة من الشهيد القائد درس في ظلال دعاء مكارم الأخلاق «1»، أشار فيها للعديد من المواضيع الهامة نستعرضها فيما يلي:

 

الهدايةُ لا تتوفر بآليةٍ مبرمجة

«لا بد من الرجوع إلى الله، لا بد من الدعاء، أن نطلب من الله الهداية، أن نطلب من الله التوفيق، أن نطلب من الله الاستقامة، أن يوفقنا للاستقامة، أن نطلب من الله أن يثبت خطانا، أن نطلب من الله أن يسدد أقوالنا. الإنسان لا يستطيع بنفسه، لا يستطيع من خلال الاعتماد على نفسه أن يحقّق لنفسه الهداية، والتوفيق في المجـالات التي ترتبط بحيـاته، وفيما يتعلق بآخرته».

 

أهمُّ غاية يجب أن يسعى الإنسان في الوصول إليها

«أن تطلب من الله أن يبلغ بإيمَـانك أكمل الإيمَـان. لا ترضى بما أنت عليه، لا تقف فقط على ما أنت عليه فتضع لنفسك خطّا لا تتجاوزه في درجات الإيمَـان، وفي مراتب كمال الإيمَـان. من يرضى لنفسه أن يكون له خطّ معين لا يتجاوزه في إيمَـانه فهو من يرضى لنفسه بأن يظل تحت، وأن يظل دون ما ينبغي أن يكون عليه أولياء الله».

 

ميدانُ الإنسان المؤمن “النفـس”

«الإنسان المؤمن هو جندي من جنود الله، وميدان تدريبه، ميدان ترويضه ليكون جندياً فاعلاً في ميادين العمل لله سبحانه وتعالى هي الساحة الإيمَـانية، ساحة النفس، كلما ترسخ الإيمَـان في نفسك كلّما ارتقيت أنت في درجات كمال الإيمَـان، كلما كنت جندياً أكثر فاعلية، وأكثر تأثيراً، وأحسن وأفضل أداء».

 

مهامُّ جندي الله “شامــلة”

«جندي الله مهامه تربوية، مهامه تثقيفية، مهامه جهادية، مهامه شاملة، يحتاج إلى أن يروض نفسه، فإذا ما انطلق في ميادين التثقيف للآخرين، الدعوة للآخرين، إرشادهم، هدايتهم، الحديث عن دين الله بالشكل الذي يرسخ شعوراً بعظمته في نفوسهم يجب أن يكون على مستوى عال في هذا المجال».

 

المستوى المطلوبُ في أداء مهمة المؤمن

«فمهمةُ المؤمن يجب أن ترقى بحيث تصل إلى درجة تستطيع أن تجتاح الباطل وتزهقه من داخل النفوس، ومتى ما انزهق الباطل من داخل النفوس انزهق من واقع الحياة، {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفسهِمْ} (الرعد: من الآية١١) ».

 

الحَقُّ كفيلٌ بإزهاق الباطل بدعاياته

«الجندي المسلح بالإيمَـان إذَا لم يكن إلى درجة أن تتبخر كُـلّ تلك الدعايات، وكل ذلك التضليل – سواء إذَا ما وُجِّه إليه، أَو وجِّه لمن هم في طريقه، لمن هم ميدان عمله – يستطيع أَيْـضاً أن يجعلها كلها لا شيء؛ لأَنَّ هذا هو الواقع، واقع الحق إذَا ما وجد من يستطيع أن ينطق به، إذَا ما وجد من يفهمه، وفي نفس الوقت يجد آذانا مفتحة واعية فَـإنَّه وحده الكفيل بإزهاق الباطل بمختلف أنواعه، ومن أي جهة كان، ومن أي مصدر كان {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} (الإسراء: ٨١) ».

 

الحَقُّ الذي يزهق الباطلَ أمامه هو ما كان كالتالي:

«ذلك الحق الذي يقدم بجاذبيته، بجماله بكماله، بفاعليته وأثره في الحياة هو من يزهق الباطل».

 

صفةُ مَن يمكن أن يقدِّمَ الحق

«هو من يسعى دائماً لأن يطلب من الله أن يبلغ بإيمَـانه أكمل الإيمَـان. عندما تكون متعبداً لله حاول دائماً أن تدعو الله أن يبلغ بإيمَـانك أكمل الإيمَـان، حاول دائماً أن تبحث عن أية جلسة عن أي اجتماع عن أي شيء يكون مساعداً لك على أن يبلغ إيمَـانك أكمل الإيمَـان».

 

طالبُ العلم يجبُ أن لا يكتفيَ مما يسمع

«إذا كنت طالب علم فلا ترضى لنفسك بأن تكتفي بأن تنتهي من الكتاب الفلاني والمجلدات الفلانية، والفن الفلاني وانتهى الموضوع، وكأنك إنما تبحث عن ما يصح أن يقال لك به عالم أَو علامة! حاول أن تطلب دائماً، وأن تسعى دائماً بواسطة الله سبحانه وتعالى أن تطلب منه أن يبلغ بإيمَـانك أكمل الإيمَـان».

والعاقبــةُ للمتَّقيـن.

+++++++++

من مدرسة الإمام زيد وثورته الجهادية يتخرّجُ العُظماء

خديجة المرّي

لقد كانت ثورةُ الإمام زيد -عليه السلام- وحركتُه الجهادية، امتداداً لحركة الإسلام، في القيم والمبادئ والأخلاق، امتداداً لحركة الإيمَـان، امتداداً في المواقف، والتوجيهات العملية، امتداداً فعلاً وقولاً ومشروعاً لثورة جده الإمام الحُسين -عليه السلام-، امتداداً حقيقيًّا لمنهج الله، والرسالة المُحمدية العظيمة، لقد كانت ثورة الإمام زيد -عليه السلام- ثورة في وجه الطغيان، ثورة في وجه الظلم والفساد، ثورة في وجه العمالة والاستكبار، ثورة ضد الطغيان الأموي الذي استعبد الأُمَّــة منذُ ذلك العصر وإلى عصرنا الحاضر، يستعبدها ويستذلها، ويُمارس بحقها كافة أشكال أنواع الظلم والاستهداف.

لقد كانت ثورة الإمام زيد -عليه السلام- ثورة لإنقاذ الأُمَّــة، فالإمام زيد هو رمزاً عظيماً بما تعنيه الكلمة، ومدرسة قرآنية عظيمة، فقد سطر الدروس العظيمة في تاريخ الأُمَّــة، درساً من العزة، والحرية، والكرامة، والمجد، درساً الأُمَّــة بأمس الحاجة إليه، لتستفيد منه العزيمة، والبصيرة، والوعي العالي، في مواجهة التحديات والأخطار التي عصفت بها، في مواجهة قوى الإجرام والعمالة والنفاق إلى يوم القيامة.

نحنُ في العصر الذي ساد فيه وعمّ الطغيان على أمتنا العربية والإسلامية، وشملها ظلم المجرمين وفسادهم، العصر الذي تعيش فيه الأُمَّــة أكبر التحديات، وتُستهدف في دينها ومبادئها، لا بُـدَّ من العودة إلى تلك المدرسة المُحمدية، والثقافة القرآنية، تلك المدرسة التي يتخرج منها أُولئك الأبطال العظماء، الذين حملوا راية الدين عاليةً، حملوا راية الحق والعدل، وانطلقوا بالصدق والإصلاح؛ مِن أجلِ إنقاذ الأُمَّــة من هيمنة الطاغوت والذلة.

إنّها المدرسة التي يتخرج منها العظماء، مدرسة تُربيهم تربية إيمَـانية، مدرسة منها نتعلم العزّة والثبات، نتعلم منها الوعي والبصيرة، نتعلم منها الإخلاص والصدق، نتعلم منها الثبات في مواجهة التحديات، الصمود أمام المُتغيرات، التحَرّك الجاد أمام الطغاة والمستكبرين، مدرسة نتعلم منها التحَرّك؛ مِن أجلِ المبادئ السامية، مدرسة نتعلم منها الاستمرار في مواجهة الطغيان، وكيف نحمل في ضمائرنا عزة الإسلام، نعود لمدرسة الإمام زيد -عليه السلام-، ونحنُ في واقعنا نعيش المأساة نفسها، نعيش أبشع العدوان الذي عرفه التاريخ بأنهُ استهدف ديننا وعزّتنا وحرّيتنا، وكل ما لذَّ وطاب في بلدنا.

نحن نرى اليوم ببصيرتنا ووعينا وإيمَـاننا، كيف تخرج هؤلاء العُظماء في الجبهات والساحات والميدان، نرى كيف بأنهُ لم يدعهم كتاب الله أن يسكتوا لهذا العدوان الغاشم على بلدهم، ووحدوا موقفهم وصفهم “بالوعي والبصيرة” وتصدوا لهذا العدوان بهذه الروح الجهادية والبصيرة التي استمدوها من الإمام زيد -عليه السلام- بهذه الروح الثّورية التي يحملها رجال الله وشعبنا العظيم، سنُحرّر بلدنا من الطاغوت، ومن الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ولا يمكن أن نخضع أو نركع لكل الأعداء، بل سنُقاوم ونتحَرّك بالإيمَـان الصادق، بالثبات، والبصيرة، والجهاد، كما تحَرّك الإمام الثائر زيد بن علي -عليهما السلام-.

من مدرسة وثورة الإمام زيد الجهادية، نرى اليوم الدُفعات العسكرية تتخرج من كافة المُحافظات والمناطق العسكرية، يتخرج هؤلاء الثّوار الأحرار وهم يحملون الروحية والمعنوية التي كان يحملها الإمام زيد -عليه السلام-، فقد تخرج العُظماء وانطلقوا وجاهدوا واستشهدوا، ثم صنعوا نصراً يتغنى به الأحرار، كـشهيد مران مؤسّس المشروع القرآني السيد/ حُسين بن بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه-، الذي سار بنهج جده الإمام زيد وعلي والحُسين، وانتهج بنهجهم وعلى خُطاهم كانت مسيرته القرآنية، وثورته الجهادية، تخرج الرجال الصادقين في شعبنا العظيم أمثال: (طومر) الذي سيشهد لهُ التاريخ بجهاده وكفاحه وتضحيته في سبيل الله، وأبا قاصف الثائر والمخلص المُجاهد، وكثيرون من العُظماء ومنهم شهداء تخرجوا من تلك المدرسة العظيمة، التي ستبقى للأجيال “مدرسة” ليتعلموا منها ويستفيدوا ويتخرجوا منها جيلاً بعد جيل.

فسلام الله على الإمام زيد -عليه السلام- الذي أحرقوا جسده وذروه في نهر الفرات، لكي يمحوا ذكره، ومنهجه، ولكن الله رفعه، فأحيا ذكره من جديد، وفضح أُولئك المُجرمين من “بني أمية، وهشام ويزيد”، وبقي الإمام زيد -عليه السلام- في أوساط الأُمَّــة منهجاً، ومُوقفاً، وحركة، وسيرةٍ ومسيرة، وبقي ثورة يتخرج منها العُظماء، بقي مدرسة ودرساً كَبيراً للأُمَّـة، نستلهم منه الدروس والعبر، بقي مُوقفاً خالداً يؤثر ويحرك ويستنهض الأُمَّــة، بقي حياً فينا، وفي مشاعرنا وضمائرنا، وسنُحي ذكراه، ونُغيظ عداه، ونرفض الذلة والهوان، ونعيش أعزاءً وأحراراً، وسوف نبقى نهتف بشعاره ونُردّد دائماً ونقول: (من أحب الحياة عاش ذليلاً) فصلوات الله عليه وآله الأطهار، وسلام الله عليه من يومنا هذا إلى يوم الدين.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com