قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي المحاضرة الأولى من دروس عهد مالك الأشتر: منهجُ الله وما أمر به فيه الخيرُ للناس ويسعدُون به في حياتهم وتتحقّق به مصالحهم

 

من المهام الأَسَاسية المتعلِّقة بأداء الدولة في النظام الإسلامي: العمل على إصلاح المجتمع

الثمرة الحقيقية للجهود العملية في إدارة شؤون الناس تتحقّق عندما تنطلق على هذا الأَسَاس لتنفيذ أوامر الله وتوجيهاته

الإسلام يرسِّخ النظرة إلى المنصب والمسؤولية العامة والموقع الذي نكون فيه بموقع مسؤولية لإدارة شؤون الناس في أي مستوى من المستويات، أنه وظيفة عبودية، عليك فيها التزامات إيمَـانية، تؤدِّي فيها ما تؤديه كقربة إلى الله

 

أُعُوْذُ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الحَمْدُ لله رَبِّ العالمين، وأَشهَـدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ المَـلِكُ الحَـقُّ المُبِيْن، وأشهَدُ أن سَيِّـدَنا مُحَمَّــدًا عَبْـدُه ورَسُــوْلُه خَاتَمُ النبيين.

اللّهم صَلِّ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ وبارِكْ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ، كما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ على إِبْـرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ إِبْـرَاهِيْمَ إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ.

وارضَ اللَّهُم برِضَاكَ عن أَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ المُنْتَجَبين، وعَنْ سَائِرِ عِبَادِك الصَّالحِين وَالمُجَاهِدِيْنَ.

أيُّهَا الإِخْوَةُ وَالْأَخَـوَاتُ:

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

نبارِكُ لكُلِّ أُمَّتِنا الإسلاميةِ بمناسبة دخولِ هذا الشهر المبارك: شهر ذي الحِجَّـة الحرام، الذي هو من الأشهر المباركة، وفيه تؤدَّى فريضةٌ من فرائض الله الكبرى، وركنٌ من أركان الإسلام، هي فريضة الحج، وأيامه العشر في بعض الروايات أنها هي العشر المقصودة بقوله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- مقسماً في سورة الفجر عندما قال جلَّ شأنه: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ}[الفجر: 1-2]، في بعض الروايات أنها العشر الأولى من شهر ذي الحجّـة.

وفيه أَيْـضاً في العاشر منه الذكرى العظيمة والمهمة لنبيين من أنبياء الله، من صفوة أنبياء الله، هما: خليله إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وابنه نبي الله إسماعيل -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، في القصة التاريخية التي تتضمن درساً وعبرةً عظيمةً وكبيرةً ومهمةً لكل المؤمنين في التسليم لأمر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، والاستجابة العملية لله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- في الاختبار الكبير الذي جرى لهما في قصة الذبح المعروفة.

وفيه أَيْـضاً كانت حجّـة الوداع، التي ودَّع النبي صلوات الله عليه وعلى آله فيها أمته، وقدَّم فيها تعليماتٍ مهمةٍ جِـدًّا لأمته، وفي عودته منها بلَّغ ما أمره الله به من إعلان ولاية أمير المؤمنين عليٍّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وفي ذلك أَيْـضاً كانت النعمة الكبرى في إتمام نعمة الله على عباده في دينهم بكمال الدين، وتمام النعمة. فهي مناسباتٌ متنوعة وعظيمة ومتعددة، وذات أهميّة كبيرة للأُمَّـة، ولمستقبلها إلى قيام الساعة، كُـلّ هذه المناسبات في هذا الشهر المبارك.

وفي إطار هذه المناسبات، وأجواء هذه البركات، رأينا أن نقدِّم دروساً متعلِّقةً بإدارة شؤون الأُمَّــة في الإسلام، وفق هدي الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- وتوجيهاته وتعليماته، بالاستفادة من عهد الإمام عليٍّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لمالكٍ الأشتر حين ولَّاه مصر؛ باعتبَار هذا العهد وثيقة مهمة قدَّمت المهام، والمسؤوليات، والضوابط، والمعايير لإدارة شؤون الأُمَّــة في كُـلّ مواقع المسؤولية، وفي كُـلّ وظائف الدولة، وفي كُـلّ المواقع التي يكون الإنسان فيها مسؤولاً عن أي مجالٍ من المجالات، وبأي مستوى من المستويات، كمسؤول وكموظف في الدولة، وفيما يرتبط بذلك من معايير، ما يرتبط بذلك من معايير وضوابط وفق أمر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- وتوجيهاته، هذه المسألة لها أهميّة كبيرةٌ في الدين الإلهي، ولها علاقةٌ أَسَاسيةٌ بإيمَـاننا بالله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-؛ لأَنَّ مما نؤمن به في عقيدتنا الإيمَـانية بالله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-: أنه القائم بالقسط، كما قال جلَّ شأنه في كتابه المبارك في القرآن الكريم: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ}[آل عمران: من الآية18]، يعني: شهدوا بذلك، شهدوا لله بأنه الواحد الأحد، لا شريك له في الربوبية والألوهية، {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}[آل عمران: من الآية18]، فهو -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- الواحد الذي لا شريك له، ولا إله إلَّا هو، وهو القائم بالقسط، قائمٌ بالقسط في تدبيره لأمور خلقه وعباده، قائمٌ بالقسط في تشريعه لعباده، قائمٌ بالقسط في هدايته لعباده، في التدبير، والتشريع، والهداية، وما يتصل بذلك، هو القائم بالقسط، {قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران: من الآية18]، وتفيد الاستمرار على ذلك على الدوام -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، هو القائم بالقسط في كُـلّ مراحل تاريخ البشرية، وما قبل ذلك، وما بعد ذلك، هو العدل -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، الذي لا يجور في شيءٍ من أحكامه، ولا تشريعاته، ولا هديه.

والقسط مفهومٌ مهم، من أكبر وأهم مصاديقه العدل، وهو يشمل أَيْـضاً إنزال كُـلّ شيءٍ في مكانه، تدبير الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وتشريعه، وهدايته، إدارته لشؤون خلقه بمقتضى الحق والعدل والحكمة، كُـلّ ذلك يتطابق تماماً مع العدل والحكمة، والخير، والحق، والصالح، والمصلحة الحقيقية، والصلاح الحقيقي، هذا التطابق التام مع مقتضى ذلك يعتبر قسطاً، فهذا يعود إلى إيمَـاننا بالله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، أن نؤمن بأنه القائم بالقسط، لا يهمل عباده، لا يتركهم من دون أن يرسم لهم وأن يشرِّع لهم في شؤون حياتهم ما يتحقّق به العدل في واقع حياتهم إن التزموا به، إن ساروا عليه، إن تحَرّكوا على أَسَاسه؛ ولذلك يقول في القرآن الكريم عن رسالته -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-: {لَقَدْ أرسلنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحديد: الآية25]، فرسالة الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- مع كُـلّ رسله، وإلى كُـلّ أنبيائه، كان من أهم غاياتها وأهدافها الرئيسية للبشر (للناس): أن تساعدهم، وأن تهديهم، وأن تبصِّرهم، وتقدِّم لهم ما ينهضون به بمسؤولياتهم الكبيرة في إقامة القسط؛ لأَنَّ إقامة القسط مسؤولية جماعية على الناس، وعلى المؤمنين، هي مسؤولية لا تستقر حياة الناس ولا تصلح حياة الناس إلَّا بإقامتها، البديل عنها هو الظلم، هو الجور، هو انعدام العدل؛ وبالتالي اختلال شؤون الحياة في كُـلّ شيء، فالله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- قدَّم لعباده في منهجه، عندما قال: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ}، قدَّم فيه وبإشرافٍ وإقامة من الرسل أنفسهم، هم أول من يسعون وفي بداية من يسعون لإقامة القسط من خلال كتب الله، وتعليماته، وهديه، وما أرساه من دعائم العدل في ذلك لعباده.

ثم إضافة إلى ذلك يأتي مع منهج الله الحق، الذي تتحقّق من خلاله العدالة؛ لأَنَّ العدل يحتاج إلى منهج يعتمد عليه، وإلى آليات صحيحة تعتمد أَو يُعتَمد عليها لتنفيذ ذلك المنهج الحق، الذي يحقّق العدالة للناس، مع ذلك بقية المتطلبات الأَسَاسية، عندما قال: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}؛ لأَنَّه لا بُـدَّ أَيْـضاً من أن يكون هناك قوة تساند إقامة الحق، وتساعد في التصدي للطغاة والظالمين والمجرمين، هذه مسألة مهمة، بدون منهج الله الحق لا يمكن أن تتحقّق العدالة الحقيقية في واقع الناس.

نحن في هذا الزمن نشاهد ونعيش في واقعنا ما تعانيه البشرية من الظلم، الأرض ملئت ظلماً وجوراً، ونشاهد كيف أنَّ قوى الطاغوت المستكبرة في العالم، وعلى رأسها أمريكا ومعها إسرائيل، ومن معهم من أعوانهم وأنصارهم، بالرغم من أنهم يقدِّمون آليات معينة، ويعتمدون على أساليب معينة، يزعمون أنها تحقّق للبشرية العدالة، إلَّا أننا رأينا كيف أنهم بكل ما معهم من نظريات، وآراء، وآليات، وأساليب، وطرق، إنما ملأوا الدنيا بالجور والظلم، إنما اضطهدوا الشعوب، وأنَّ آلياتهم، ونظمهم، وقوانينهم، وأساليبهم، ووسائلهم لا يمكن الاستناد إليها لتحقيق العدل، ولإقامة العدل، بل ربما تكون هي بنفسها وسيلة من سائل الظلم، وطريقة من طرق الطغيان والإجرام.

نشاهد- مثلاً- في فلسطين، في فلسطين ماذا يحصل؟ تصدر قوانين باسم الكنيست الإسرائيلي، لمصادرة ممتلكات الشعب الفلسطيني، لنهب ممتلكاته، لنهب أراضيه، لتدمير منازل الفلسطينيين، لاغتصاب حقوقهم، وباسم قانون، الآلية آلية جهة معينة محدّدة هي الكنيست، والاسم هو قانون، والطريقة تصويت بالأغلبية، وينتهي الأمر.

أو مثلاً في القضاء الإسرائيلي، قضاء! والعنوان عنوان قضاء، والمسمى حُكْم صَدَر من القضاء، آليات تقدَّم بأنها الآليات التي تكفي لأن تُتخذ بها قرارات، وسياسات، ويبنى على أَسَاسها فيما يعمله الناس مسمى قانون وفق آليات معينة، وبطرق معينة، ولكنه قد يكون وسيلةً بنفسه للظلم، وسيلةً بنفسه للطغيان، وسيلةً بنفسه لارتكاب الجرم بحق الناس.

أمَّا منهج الله الحق فهو يشكِّل الضمانة، الضمانة التي إن أخذ الناس بها تحقّق العدل، ولا يحصل الظلم إلَّا بمخالفتها، إلَّا بالابتعاد عنها، ولأهميّة هذه المسألة كانت من المسؤوليات الأَسَاسية، والالتزامات الإيمَـانية في دين الله على عباد الله المؤمنين، فالله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- قال في القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أنفسكُمْ أَو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النساء: من الآية135]، فإقامة القسط في الحياة، في كُـلّ واقع الحياة، في كُـلّ مواقع المسؤولية، (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته)، الجميع في الواقع الإيمَـاني من ضمن التزاماتهم الإيمَـانية الأَسَاسية هو إقامة القسط، والتزام العدل، حتى على مستوى النفس، أن تنصف من نفسك، أن تقبل لإقامة القسط والعدل حتى على نفسك، {أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، على الغني والفقير، {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا فَاللَّهُ أولى بِهِمَا}[النساء: من الآية135]، في كُـلّ الحالات، في الأمور الكبيرة والأمور الصغيرة، هي مسألة ذات أهميّة كبيرة؛ لأَنَّ من أكبر ما يعاني منه المجتمع البشري بشكلٍ عام، والمسلمون بشكلٍ أخص، هو المعاناة من الظلم، من انتشار الظلم، انتشار الظلم من الحكومات، انتشار الظلم من الدول، انتشار الظلم من المسؤولين، انتشار الظلم في واقع الناس أنفسهم، القوي يظلم الضعيف، حتى في الواقع الاجتماعي يتظالم الناس فيما بينهم، حتى أحياناً على مستوى الأسر، في داخل الأسرة قد يكون هناك ظلم من القوي على الضعيف، من الرجل أحياناً على المرأة والعكس، حالات كثيرة ينتشر فيها الظلم، فإقامة القسط هو مسؤولية مهمة، وفي واقع الدولة، في نظام الإسلام العظيم، في شريعة الله، في منهج الله الحق، تعتبر من أهم مسؤولياتها والدور الرئيسي لها هو إقامة القسط، وفي أهم مصاديق القسط العدل بشكلٍ عام.

فتضمَّنت وثيقة عهد الإمام عليٍّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لمالكٍ الأشتر، تضمَّنت رؤيةً قرآنيةً تعبِّر عن منهج الله الحق فيما يتعلق بإقامة القسط، فيما يتعلق بالسياسات، والتوجيهات، والضوابط، والمعايير التي ينبغي أن يلتزم بها الإنسان في أي موقعٍ كان من مواقع المسؤولية، في أي وظيفةٍ كان من الوظائف في الدولة، وإن شاء الله نتحدث على ضوئها بما يفيدنا، ويفيد الإخوة المسؤولين، والمعنيين… والجميع بحاجة إلى أن يعرف كيف هي الرؤية التي تعبِّر عن القرآن الكريم في ذلك.

الإمام عليٌّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هو كما قال عنه رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله: (عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ)، الإمام عليٌّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قدَّم من خلال القرآن الكريم، من خلال هداية الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، هذا المحتوى في هذه الوثيقة المهمة، وهو مفيدٌ جِـدًّا.

قال -عَلَيْهِ السَّلَامُ-:

 (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ).

الإمام عليٌّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عندما ولَّى مالك بن الحارث الأشتر على مصر في إطار دولة الإسلام آنذاك، كتب له هذا العهد؛ ليكون دستوراً يعتمد عليه في إدارته لشؤون ذلك الإقليم من أقاليم العالم الإسلامي.

وعندما نتأمل في هذه الافتتاحية، نجد أولاً أنه افتتحها بقوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وهذا للأسف ما كان قد أزيح في بعض- وحتى في هذه المراحل- ما أزيح في كثيرٍ من بلدان العالم الإسلامي، وأصبحوا يقلِّدون الغرب في أن يصدروا أي قرار من قراراتهم، وأي وثيقة رسمية بعبارة: [بسم الشعب]، بدلاً من قولهم: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هي التي كان حتى أنبياء الله يصدِّرون كتبهم ووثائقهم بها، حتى فيما ذكره الله عن نبيه سليمان -عَلَيْهِ السَّلَامُ- في كتابه ورسالته إلى سبأ: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[النمل: الآية30]، وهي كذلك العبارة أَو الجملة المهمة التي نحن كمسلمين مأمورون أن نصدِّر بها كُـلّ وثائقنا، وأن نفتتح بها كُـلّ أعمالنا، هذه مسألة مهمة جِـدًّا؛ لأَنَّنا ننطلق في شؤون حياتنا من منطلق الإيمَـان بالله، والاستجابة لله، والطاعة لله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، ووفق توجيهات الله، وأوامر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وهذا يشمل كُـلّ شؤون حياتنا.

منهج الله الحق ليس منهجاً يختص فقط بالتعليمات الروحية لأداء الصلاة، والعبادة في المساجد، بل هو نظامٌ لكل شؤون حياتنا، ويتعلق بجانب المعاملات في حياتنا الكثير من التشريعات الإلهية، والتوجيهات، والتعليمات من الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- القائم بالقسط في عباده، وفيما شرعه لهم.

فأول ما ينبغي أن نلتفت إليه هو هذا؛ حتى لا نقلِّد أعداءنا من الكافرين، الذين قرّروا أن يتجهوا في حياتهم بعيدًا بشكلٍ تام وبشكلٍ منفصلٍ كليًّا عن تعليمات الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- وتوجيهاته؛ لأَنَّهم لا يؤمنون بمنهج الله الحق، فلا ينبغي أبداً أن يُقَلَّدوا، أن يتَّبعوا، أن يتجه الناس وفق طريقتهم التي يعتمدون فيها على فصل شؤون حياتهم عن تعليمات الله، وعن توجيهات الله، وعن تشريعات الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-.

ثم بعد البسملة قوله -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ)، عادةً تأتي التوصيفات لمن هم في موقع ولاية الأمر، من الرؤساء، والملوك، والزعماء، بمجموعة من الألقاب التي تتضمن التضخيم لهم، والثناء عليهم، والتمجيد لهم، والإشادة بهم، والتعبير عن علو مقامهم، وعن عظيم منزلتهم ومكانتهم، وعن طبيعة المسؤولية التي هم فيها، فيقولون: [صاحب الفخامة والسمو والمعالي]… وغير ذلك من الألقاب والأسماء.

نجد هنا أنه أتى بهذا الوصف المهم: (عَبْدُ اللَّهِ)، أمير المؤمنين -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يصف نفسه حتى قبل صفة المسؤولية، الصفة التي تعبِّر عن موقعه في المسؤولية، الصفة الرسمية كانت هي عبارة: (أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ)، هذه عبارة تعبِّر عن الصفة الرسمية له في موقعه في إدارة شؤون الأُمَّــة، في مسؤوليته العليا في إدارة شؤون الأُمَّــة، ولكن قبل ذلك أتى بهذا الوصف: (عَبْدُ اللَّهِ)، وهذه مسألة مهمة، ودرسٌ كبير؛ لأَنَّ الإنسان في أي موقعٍ من مواقع المسؤولية، حتى وإن كان يدير شؤون الأُمَّــة في أعلى مستويات المسؤولية، في أعلى الهرم في إدارة شؤون الأُمَّــة، يجب أن ينطلق من منطلق أنه عبدٌ لله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وأن يؤدِّي وظيفته كوظيفة عبودية، وهذا يعطينا نظرة صحيحة عن المنصب، عن السلطة، عن موقع الإنسان في إدارة شؤون الأُمَّــة، في أي مستوى كان هذا الموقع؛ لأَنَّ الكثير من الناس ينظرون إلى المنصب، وإلى السلطة، أنها موقع ليحظى الإنسان من خلاله بالامتيَازات المادية، والصلاحيات، وأنه موقع يعتبر مغنماً، ومكسباً شخصيًّا، يطمح الإنسان في الوصول إليه؛ ليحقّق لنفسه طموحاته، وآماله، ورغباته المادية والمعنوية.

كثيرٌ من الناس ينظر إلى المنصب بهذه النظرة، ولهذا الكثير من الناس يطمعون في المناصب والوظائف؛ لأَنَّهم ينظرون إليها كمكاسب شخصية، ومن منظار المصلحة الشخصية، وأنها مواقع للاستعلاء، وأنها مواقع يصبح الإنسان فيها صاحب أهميّة كبيرة، وصاحب نفوذ، وصاحب سلطة وصلاحية، يستطيع أن يستغلها ويوظِّفها؛ مِن أجلِ مصالحه الشخصية، وحتى على المستوى المعنوي، أنَّ الإنسان يرى أنه أصبح له أهميّة؛ لأَنَّه أصبح له منصباً معيناً، أَو وظيفة معينة، أَو أصبح في موقعٍ من مواقع المسؤولية، فهو يرى نفسه أنه ذو أهميّة في الناس، وله نفوذه، وله تأثيره، ينظر إليها من هذا المنظار، وينظر إليها أَيْـضاً؛ باعتبَارها كذلك مكسباً يمكن أن يستغله لتحقيق مصالح مادية، ومكاسب مادية، وهي النظرة الخاطئة التي ترسَّخت لدى الكثير من الناس، لدى أغلب الناس، ينظرون إليها على هذا الأَسَاس الخاطئ، وبهذا المفهوم الخاطئ، وبهذه النظرة الخاطئة.

ففي الإسلام، في منهج الإسلام، وفي تربية الإسلام، يرسِّخ الإسلام لدينا النظرة إلى المنصب، إلى المسؤولية العامة، إلى الموقع الذي نكون فيه في موقع مسؤولية لإدارة شؤون الناس، في أي مستوى من المستويات، أنه وظيفة عبودية، عليك فيها التزامات إيمَـانية، تؤدِّي فيها ما تؤديه كقربة إلى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وكعمل صالح، عليك فيه التزامات بضوابط معينة، بمعايير معينة، وأن تكون أَيْـضاً ملتزماً فيما يتعلق بالحلال والحرام… وغير ذلك.

وهذا مهم على المستوى النفسي والتربوي، على المستوى النفسي والتربوي، أنَّ الإنسان في موقع المسؤولية مهما كان منصبه: رئيس، أَو ملك، أَو وزير، أَو مدير… أَو في أي موقع من مواقع المسؤولية، في أي مستوى من مستويات المسؤولية، يجب أن يرسِّخ في نفسه على الدوام أنه عبد، عبدٌ لله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، عليه أن يخضع لله، أن يطيع الله، أن يلتزم بأمر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، عليه- مثلما سيأتي أَيْـضاً من التزامات إيمَـانية- أن يتجه دائماً نحو الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- في السعي لرضوان الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-.

(هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ)، يعني: أمر به مالك، ما تضمنه هذا العهد في عهده إليه حين ولَّاه مصر، ثم بعد ذلك حدّد له المهام الأَسَاسية، في أربع مهام تشمل كُـلّ التفاصيل التي تتعلق بالمهام الأَسَاسية في الدولة في النظام الإسلامي، (حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا).

أول عنوان هو قوله: (جِبَايَةَ خَرَاجِهَا)، يعني: إدارة الموارد المالية، التي سَيُعتَمد عليها في التمويل لإدارة شؤون الأُمَّــة فيما يحقّق المصالح العامة للشعب، للأُمَّـة، للناس، وعلى أَسَاس من الحق والعدل، على أَسَاس من القسط، وهذه مسألة مهمة جِـدًّا، معروفٌ في كُـلّ الدنيا بمختلف نظمها، وقوانينها، وديانات شعوبها، وأفكارهم، أنه لا بُـدَّ من أن يكون هناك تمويل لإدارة شؤون الناس، ونظم شؤونهم، لا بُـدَّ من أن يكون هناك تمويل، وهناك سياسات لمسألة التحصيل المالي، ونُظُم لمسألة جمع المال والتحصيل المالي، وعادةً ما تسن في مختلف البلدان والنظم والأنظمة تسن قوانين معينة، أَو تعتمد رؤية معينة لذلك.

الإسلام له رؤيته، الإسلام له منهجيته في إدارة الموارد المالية، فيما يحقّق أهدافاً عادلة، أهدافاً لمصلحة المجتمع، أهدافاً عظيمة ومقدَّسة، تنسجم مع مبادئ الأُمَّــة الإسلامية وانتمائها للإسلام، وانتمائها للدين الإلهي الحق، الذي يحقّق القسط في واقع حياة الناس، فهي تعالج مشكلة الفوارق الاجتماعية، من خلال تخصيص جزءٍ من المال لرعاية الفقراء، لمساعدة المساكين، لإعانة الغارمين… وما شاكل ذلك، وَأَيْـضاً جزء آخر من المال يتجه لتمويل المهام الأَسَاسية، لرعاية الناس في شأنهم العام، لحماية الأُمَّــة، لتنفيذ بقية المهام التي قال عنها: (وَجِهَادَ عَدُوِّهَا)، هذا يحتاج إلى تمويل، والأمة بحاجة إلى الحماية من أعدائها، الأُمَّــة لها أعداء يستهدفونها في كُـلّ شيء، يسعون إلى السيطرة عليها، يسعون إلى الاستعباد لها، إلى الاحتلال لأوطانها، إلى السيطرة على ثرواتها، إلى القهر لها، وإذلالها، للاستهداف لها في دينها ودنياها، فالأمة تحتاج إلى حماية، ولكي يتحقّق هذا الهدف، يحتاج إلى تمويل، يحتاج إلى مال.

أيضاً في قوله: (وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا)، وقوله: (وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا)، كُـلّ هذه المهام تحتاج إلى تمويل، وستأتي التفاصيل المتعلِّقة بجباية الخراج، أَو ما يقوم مقام هذا التعبير فيما يعنيه إدارة الموارد المالية لتحقيق الأهداف المهمة لصالح الأُمَّــة، وإقامة العدل في واقعها، ورعاية حقوق المستضعفين فيها.

فجباية الخراج واحدٌ من المهام الأَسَاسية كي يكون على أَسَاس صحيح، ينسجم مع مبادئ الأُمَّــة، وعلى أَسَاس القسط والعدل، وكذلك في حمايته فيما بعد عملية التحصيل؛ لأَنَّه سيأتي التفاصيل عن عملية التحصيل المالي، وكيف تدار الموارد المالية على أَسَاس صحيح، وكيف تكون حمايتها فيما بعد؛ لكي تسخَّر، ولكي توظَّف، ولكي تكون عملية صرفها ضمن ما شرعه الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- فيما يخدم المجتمع، ويحقّق مصالحه، ويحمي الأُمَّــة.

قوله -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (وَجِهَادَ عَدُوِّهَا)، هذا من المهام الأَسَاسية للدولة في النظام الإسلامي، جهاد العدوّ، وحماية المجتمع المسلم من كُـلّ أشكال الاستهداف من جانب الأعداء؛ لأَنَّ الأعداء يستهدفون الأُمَّــة عسكريًّا، وأمنيًّا، واقتصاديًّا، وثقافيًّا، وفكرياً… بكل أشكال الاستهداف، فلابدَّ من أن يكون هناك عمل كبير ضمن المسؤوليات والاهتمامات الكبرى والأَسَاسية لحماية الأُمَّــة، لبناء واقعها لكي تكون أُمَّـة قويةً، عزيزةً، تتمتع بالمنعة أمام أعدائها، لا تكون أُمَّـة مستضعفةً، ذليلةً، يطمع فيها أعداؤها، لا تكون فريسةً سهلةً يسعى أعداؤها لاستغلالها، وللافتراس لها، يكون واقعها بنفسه من خلال بنائها على المستوى العسكري، على مستوى القدرات العسكرية، والإمْكَانات العسكرية، وعلى مستوى الروح المعنوية، وعلى مستوى- كذلك- القوة العسكرية فيما يتعلق بالجيش، فيما يتعلق بالتعبئة العامة… فيما يتعلق بكثير من التفاصيل ذات العلاقة التي سيأتي الحديث عنها بشكلٍ تفصيلي.

ما يتعلق أَيْـضاً بحمايتها أمنيًّا، الأُمَّــة تحتاج إلى الحماية الأمنية، العدوّ يستهدفها بالاغتيالات، بالتفجيرات، يستهدفها بكل وسائل الاستهداف، في زمننا هذا تطورت وسائل الاستهداف، بأكثر من أي زمنٍ مضى، فالأمة بحاجة إلى الحماية على المستوى الأمني، بحاجة إلى الحماية على المستوى الثقافي والفكري والإعلامي؛ لأَنَّها مستهدفة في ذلك بالحرب الناعمة، مستهدفة، يسعى العدوّ إلى إضلالها، يسعى العدوّ إلى إفسادها، يسعى العدوّ إلى تدمير قيمها المعنوية؛ حتى يتمكّن من السيطرة عليها؛ لأَنَّ العدوّ يعرف أنَّ من أهم عوامل القوة والمنعة، هو العامل المعنوي، إذَا كانت الأُمَّــة تحمل الإيمَـان، تحمل القيم العظيمة، تحمل المبادئ العظيمة التي تحصِّنها من أعدائها، تجعلها على المستوى المعنوي والعملي في مستوى أن تتحَرّك لمواجهة التحديات والأخطار، والتصدي للأعداء مهما كانت التضحيات، مهما كانت المخاوف، مهما كانت الصعوبات، فالعدوّ يستهدفها، فالأمة تحتاج إلى عمل واسع تحت عنوان الجهاد، الجهاد في سبيل الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- هو أَسَاساً لحماية الأُمَّــة؛ لأَنَّ الجهاد ليس للدفاع عن الله، هو الغني، هو القوي العزيز، ولكنه وسيلة لدفع الشر، لدفع الفساد، لدفع الطغاة والمجرمين، لحماية عباد الله المستضعفين.

(وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا)، من المهام الأَسَاسية التي هي متعلِّقة بأداء الدولة في النظام الإسلامي: العمل على إصلاح المجتمع؛ ليكون المجتمع مجتمعاً صالحاً، هذه من المهام الرئيسية، أن يكون هناك عناية كبيرة بالمجتمع، كباراً وصغاراً؛ لكي يكون مجتمعاً صالحاً، مجتمعاً من خلال التربية الإيمَـانية، من خلال التعليم النافع الصحيح، من خلال العمل الإعلامي، من خلال البرامج العملية الواسعة، يكون مجتمعاً صالحاً، تربى على الإيمَـان، على القيم الفضلى، والقيم العظيمة، على مكارم الأخلاق، على الاستقامة السلوكية والعملية، هذا ما لا بُـدَّ منه لتصلح حياة المجتمع، لكي يكون مجتمعاً بعيدًا عن الرذائل، عن الجرائم، عن المفاسد، التي تشكِّل خطراً عليه، وعلى حياته، وعلى استقراره، وعلى نظامه العام، فلابدَّ من أن يكون هناك اهتمامات واسعة: تتعلق بالتربية الإيمَـانية، تتعلق بالتعليم النافع الصحيح، تتعلق بالبرامج العملية، تتعلق بالنظام نفسه، الذي يكون نظاماً يساعد على صلاح المجتمع، يتصدى لكل أشكال الفساد، لكل أشكال المنكر، لكل أشكال المؤامرات، التي تستهدف المجتمع لإفساده، أَو لتضليله، أَو لنشر الرذيلة فيه، أَو لنشر الجرائم فيه، والمجتمع أَيْـضاً بحاجة إلى البناء والتأهيل، الإسلام يأخذ بعين الاعتبار العناية بالإنسان لبنائه وتأهيله، ليسمو، لتتكامل له إنسانيته، ليؤدِّي دوره في الحياة كمستخلفٍ لله في الأرض على أرقى مستوى، وهذا التأهيل يحتاج إلى مبادئ، إلى قيم، يتربى عليها الإنسان، تترسخ في وجدان الإنسان قناعةً وإيمَـاناً، يحتاج إلى اكتساب مهارات عملية تساعده لكي يكون بهذا المستوى الفاعل في أدائه، وفي النهوض بمسؤولياته، وفي القيام بدوره كخليفةٍ لله في الأرض.

وللإسلام مشروعه الحضاري المتميز، الذي يختلف عن أي حضارةٍ أُخرى؛ لأَنَّها حضارة تأخذ بعين الاعتبار السمو بالإنسان، ليست عمارة مادية بحتة، تبني العمران، وتهدم قيم الإنسان، هي تبني الإنسان، فيبني الحياة على أَسَاس صحيح، وعلى أَسَاس من القسط، وبشكلٍ راقٍ، وإلَّا فإذا لم يلحظ هذا في واقع الإنسان مهما كانت الحضارة على المستوى المادي عملاقة، فهو في واقع حياته سيشقى، يشقى بانتشار الرذائل، بانتشار الجرائم، بانتشار المفاسد، كما يحصل مثلاً في الغرب؛ لأَنَّه لاحظ جانباً واحداً من جوانب الحضارة، وهو الجانب المادي، وأهمل الجانب الآخر.

(وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا)، وهذا يشمل كُـلّ الجوانب الخدمية التي تتعلق بخدمة المجتمع، الخدمية بكلها، والاقتصادية، والنهضوية، والعمرانية، فهي عبارة تشمل جوانب كثيرة، وستأتي الكثير من التفاصيل التي تتعلق بهذه العناوين الأربعة.

فما الذي أمره به؟ بعد أن حدّد له هذه المهام الرئيسية، التي تتفرع عنها بقية التفاصيل، (أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ)، تقوى الله هي الضابط الذي يضبط أداء الإنسان في مسؤوليته، يؤدِّي مسؤوليته في أي موقع من مواقع المسؤولية، على أَسَاس تقوى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وهذا ضابطٌ مُهِـمٌّ جِـدًّا؛ لأَنَّ الإنسان الكثير من الناس عندما يصل إلى منصب معين، وبالذات إذَا كان منصباً كَبيراً، والبعض من الناس لا يحتاج حتى إلى منصب كبير، البعض كما يقولون في المثل الشعبي: [يسكر من زبيبة]، البعض ولو كان منصبه منصباً صغيراً يطغى، يطغى؛ لأَنَّه وصل إلى منصب معين، يتعامل مع الناس بطغيان، وتكبر، وتجبر، ويظلم، ويسيء، وتتغير سلوكياته، ويفقد أُسلُـوب التواضع في معاملته مع الناس، فالإنسان بحاجة إلى أن يرسِّخ في نفسه هذا الضابط المهم جِـدًّا؛ ليضبط أداءه العملي في أي موقع من مواقع المسؤولية على أَسَاسه: تقوى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، أن تستشعر أنك في أي موقعٍ من مواقع المسؤولية: كرئيس، أَو وزير، أَو مدير، أَو مسؤول في أي موقع من مواقع المسؤولية، أنك تخضع لرقابة الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وأنك قبل أن تكون مسؤولاً أمام الناس، أنت مسؤولٌ أمام الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وأنَّ الله يرقبك، يعلم ما تفعل، يعلم بكل تصرفاتك، وأنه سيحاسبك، وسيجازيك، جزءٌ من حسابه وجزائه يأتي في عاجل الدنيا، يعاقبك ببعضٍ من العقوبات في عاجل الدنيا، والجزء الكبير، الجزء الرهيب في عالم الآخرة، ولهذا لتعرف أنك خاضعٌ للمؤاخذة إن انحرفت، إن ظلمت، إن طغيت، إن تجبرت، إن استكبرت، إن انحرفت عن مبادئ الحق والعدل والخير، أنَّ الله سيؤاخذك، لا تتصور أنك قد صرت في حَصَانَة.

البعض وبالذات في بعض النظم، وفي بعض الدول، يكون هناك ما يسمونها بالحصانة لبعض المسؤولين، ولكبار المسؤولين، حصانة من المحاسبة، حصانة من المؤاخذة، لكنهم لن يكونوا في حصانةٍ من الله، ومن حساب الله، الله سيحاسب الإنسان، لا يمكن أن تكون في منعة، تستطيع أن تدفع سخط الله، وغضب الله، وعذاب الله عنك في الدنيا والآخرة، فأنت في موقع المسؤولية في موقع المؤاخذة من الله، أنَّ الله سيعاقبك، سيحاسبك، ستنالك عقوبته مهما كنت تتصور أنك في منعة، في قوة، في عزة؛ لأَنَّك أصبحت في منصب معين، أَو تمتلك سلطةً معينة، فعليك أن تحذر، أن تحذر مما يسبب سخط الله عليك، غضب الله عليك؛ لأَنَّ الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- يعلم بكل أحوالك، بكل تصرفاتك، مهما كان لديك من الحيل، أَو مهما تصورت أنك فيه من منعة؛ لأَنَّك في منصب معين، أَو تمتلك سلطةً معينة.

(أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَإِيْثَارِ طَاعَتِهِ)، أن تعرف أنك في موقع المسؤولية مهما كان هذا الموقع عبد من عباد الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وظيفتك وظيفة عبودية لله جلَّ شأنه، وخدمة لعباده، وإحسان إلى عباده، وعليك أن تكون مطيعاً لله، لا تتصور أنك باسم أنك أصبحت في منصب معين، أَو سلطة معينة، أصبحت فقط مطاعاً، لا تفكر إلَّا في أن يطيعك الآخرون، وتنتظر من الآخرين فقط أن يطيعوك، عليك أن تكون أنت مطيعاً لله، أنت في موقع المسؤولية، أنت في منصب معين، لكي تطيع الله قبل كُـلّ شيء، قبل أن تطيع هوى نفسك، قبل أن تطيع أهواء الآخرين، قبل أن تنتظر من الآخرين فقط أن يطيعوك، وتتصور أنك في الموقع الذي لم تعد فيه مطيعاً لأحد، وإنما تنتظر من الآخرين فقط أن يطيعوك، وأن تُؤْثِر طاعة الله فوق كُـلّ شيء، (إِيْثَارِ طَاعَتِهِ): أن تجعل طاعة الله فوق طاعتك لهوى نفسك ولأهواء الآخرين.

(وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِي لَا يَسْعَدُ أحد إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا، وَلَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا)، أن تكون متَّبعاً لما أمرك الله به في كتابه، المنهجية التي تعتمد عليها في نظامك، في سياساتك، في قراراتك، في مواقفك، في منطلقاتك، أن تكون هي هدى الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، ما أمر به الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، ألَّا تخالف أوامر الله في شيء، ولهذا نحن في بلداننا في العالم الإسلامي يجب أن يكون ما يعتمد عليه الناس في نظامهم من قرارات، من أنظمة، من قوانين، تحت أي مسمى، أن تكون وفق أوامر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، ألَّا يخالفوا أوامر الله في شيء؛ لأَنَّ هذا مقتضى انتمائنا للإسلام، انتمائنا للإيمَـان، إقرارنا بالقرآن، بالرسالة الإلهية، برسل الله وأنبيائه وكتبه، فكذلك البعض قد يتصور أنه في موقع المسؤولية عندما يصبح باسم وزير، أَو محافظ، أَو مسؤول، أَو مدير، في أي موقع من مواقع المسؤولية أصبح فقط يصدر الأوامر وفق ما يريد، وفق مزاجه، وفق أهوائه؛ وبالتالي يرى أنه لا يجوز أن تُخَالَف، أنَّ على الناس أن ينفِّذوها فورًا، ألَّا يخالفوا شيئاً منها، ليس هناك في الإسلام شيءٌ بهذا الشكل، الكل عبيدٌ لله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وفي موقع المسؤولية أن تكون أنت في أي موقع من مواقع المسؤولية متَّبعاً لأوامر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، تسعى أن تنفذها، وأن ينفذها معك الآخرون؛ باعتبَار الجميع عبيداً لله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-.

ثم مع إيمَـان بأن منهج الله، وما أمر الله به هو الذي فيه الخير للناس، هو الذي يسعد به الناس في حياتهم، هو الذي تتحقّق به مصالحهم، نحن نؤمن بأن هدي الله، وأن منهج الله، وأن شرع الله، وأن توجيهات الله، وأن تعليمات الله، هي التي تصلح بها حياة الناس، ولا تستقيم إلَّا بها، أي شيءٍ يخالفها، يعارضها، يُقَدَّم ليكون بديلاً عنها، ليس فيه إلَّا الشقاء، ليس فيه إلَّا إفساد حياة الناس، السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية… وغيرها؛ لأَنَّه {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة: من الآية50]، من هو الأرحم بنا من الله؟ من هو الأحكم حتى يقدِّم نفسه أنه أحكم حتى من الله، والأعلم بمصالح الناس حتى من الله؟ لا أحد، لا أحد؛ ولذلك فأوامر الله، وتوجيهاته، وفرائضه، وشرائعه، وسننه، هي التي تحقّق الخير لنا في حياتنا، وتستقيم بها حياتنا، ونؤدِّي فيها دورنا في بناء حضارةٍ إسلاميةٍ راقيةٍ ومتميزة في الواقع البشري.

(لَا يَسْعَدُ أحد إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا، وَلَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا)، الشقاء يكون إمَّا بجحودها، عندما يأتي من يجحدها بالكامل، لا يؤمن بها، لا يقبل بها، يرفضها رفضاً تاماً، ويعتبرها غير صالحة كنظام للحياة، تدار به شؤون الناس، أَو الإضاعة: يكون مقراً ومعترفاً بها، ولكن يغيِّبها من واقع الحياة.، وهذا يحصل في كثيرٍ من البلدان الإسلامية، ترى في الدستور مادة أَسَاسية: أنَّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأَسَاسي، أَو الرئيسي- أَو بحسب مختلف التعبيرات- للتشريع، ولكن يأتون فيما بعد ليعتمدوا الكثير من القوانين والسياسات والنظم التي تخالف الإسلام، ولا تنسجم بأي حالٍ من الأحوال مع الإسلام، أَو يغيِّبون الكثير من المعايير والضوابط التي لا بُـدَّ منها حتى فيمن يتقلَّدون المسؤولية، فيمن يتحمَّلون المسؤولية، تغيب تلك المواصفات القيمية والأخلاقية، والمؤهلات الدينية والأخلاقية والمعرفية وغيرها، ذات الصلة بإدارة شؤون الناس، فينتج عن هذا الضياع شقاء في واقع الناس، خلل في واقع الحياة، لا تستقيم حياة الناس، تظهر مشاكل كبيرة في واقعهم السياسي، في واقعهم الاقتصادي، في شؤونهم الأمنية والاجتماعية، فالثمرة الحقيقية تتحقّق للجهود العملية في إدارة شؤون الناس عندما تنطلق على هذا الأَسَاس لتنفيذ أوامر الله وتوجيهاته.

(وَأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ)؛ لأَنَّه في سياق العمل على تنفيذ أوامر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، وتوجيهاته، وتعليماته، التي تحقّق القسط في واقع الحياة، سيصطدم الإنسان بالذين يعتبرون أنفسهم متضررين منها، بالمفسدين، بالطامعين، بالمجرمين، بالمستكبرين، الذين يريدون أن ينشروا الفساد بدلاً من الصلاح، الذين يريدون أن يستأثروا، أن ينهبوا، أن يظلموا، أن يطغوا، أن يجعلوا من السلطة وسيلةً لتحقيق ذلك، الإنسان سيصطدم بهم؛ لأَنَّهم يرون في توجيهات الله وفي أوامر الله التي تحقّق القسط، وتقيم العدل، وتصلح واقع المجتمع، أنها متعارضة مع مصالحهم؛ فبالتالي سيتصدون لها، يحاربونها إعلامياً، يسعون إلى تشويهها بالدعايات الكاذبة، يحاربونها عسكريًّا، وأمنيًّا… وبكل الوسائل، فإذا كان الإنسان لا يريد أن يتحَرّك لتنفيذ أوامر الله، وتوجيهات الله، وتعليمات الله، إلَّا في حال كان لن يلقى ولن يواجه أي مشاكل، أَو صعوبات، أَو تحديات، فهو سيتقاعس، والضحية هو المجتمع، الضحية هم الجميع يخسرون، يكون بذلك إتاحة المجال للطغاة، والمجرمين، والمفسدين، والمتسلطين، والعابثين، والسيئين، ليفعلوا ما يحلو لهم، لينتهزوا الفرصة، ويتوصَّلون من مواقع المسؤولية والسلطة إلى أهدافهم السيئة، والضحية هي الأُمَّــة بكلها؛ ولذلك عندما ينطلق الإنسان لا بُـدَّ أن يكون عازماً على التصدي لكل المحاولات التي تسعى إلى منع إقامة منهج الله الحق، تشريعاته، أوامره، تعليماته المباركة، التي تصلح الحياة، ويتحقّق بها القسط.

(وَأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ)، في مشاعر الإنسان، وفي تفكيره، وفي اهتماماته النفسية، وفي- كذلك- أنشطته العملية، وأنشطته الإعلامية، والتوعوية، والتثقيفية، يستخدم كُـلّ الوسائل لإيصال الحق إلى الناس، لإقناع الناس بالحق، لإقامة القسط، لدفع الناس إلى الالتزام بتعليمات الله وتوجيهاته، والاستجابة العملية لها لفضح الأعداء الذين يحاربونها؛ لأَنَّهم يريدون أن يحل بدلاً منها الفساد، والرذائل، والمعاصي، والطغيان، والظلم، والجرائم، والمنكرات، والفواحش، أن يفضحهم، أن يتصدى لهم بكل الوسائل.

(فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ)، الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- عندما تنصره بالتمسك بالحق، بنصرة الحق، بنصرة ما وجَّه إليه، بالتمسك بما أمر به، بتقديم ذلك للناس بكل الوسائل، بفضح من يحاربون عباد الله، يريدون أن يستغلوهم، أن يظلموهم، أن يقهروهم، أن يستعبدوهم، عندما تتحَرّك على هذا الأَسَاس، أنت تحظى بنصر الله، أنت تحظى بمعونة الله، بتأييد الله، بأن يعزك الله؛ لأَنَّ الإنسان قد يتصور أنَّ الأُسلُـوب السياسي هو في الخضوع للطغاة والمستكبرين والمجرمين، المتسلطين على عباد الله، وأن يتماشى معهم في أن يترك لهم المجال في ظلمهم، وطغيانهم، وإجرامهم، واستكبارهم في الأرض، كأُسلُـوب سياسي؛ لتجنب المشاكل، فتحصل الكثير من المشاكل، أكبر المشاكل هي في تسلط الطغاة، وتمكّن المستكبرين والمجرمين، هذه أكبر المشاكل، أمَّا بالسعي لتنفيذ أوامر الله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى-، فالله -سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى- يمنح النصر، وهو من تكفل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزه.

نكتفي بهذا المِقدارِ كمقدمةٍ وافتتاحٍ لهذه الوثيقة المباركة والمهمة.

أَسْأَلُ اللهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَنْ ينفعَنَا بِهَا، وَأَنْ يوفِّقَنا وإيِّاكم لما يُرْضِيه عنا، وأَنْ يرحَمَ شهداءَنا الأبرارَ، وَأَنْ يشفيَ جرحانا، وَأَنْ يفرِّجَ عن أسرانا، وَأَنْ ينصُرَنا بنصره، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاءِ.

وَالسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com