إضاءاتٌ قرآنية حول غزوة بدر .. بقلم/ أمين المتوكل

 🔴دراسة الظروف وتعدد سبل المواجهة

عندما نقرأ السيرة النبوية الشريفة فَإنَّنا لا بُـدَّ أن نقرأ مرحلتين في هذهِ السيرة حتى تستوضح أمامنا حياة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.

🔸 المرحلة المكية.. وهي المرحلة التي احتوت الدعوة السرية والجهرية بالإسلام وما قابله من ضغوطات وسياسات قمع ومؤاذاة بحق كُـلّ إنسان اعتنق هذا الإسلام.

كان الصبر هو ما تتم به مقابلة هذه التصرفات العدوانية.. فكان المسلمين آنذاك مظلومين ولم يكن لهم موقف آنذاك؛ لأَنَّ الظروف آنذاك لم تكن مستوسقة للقيام بأي تحَرّك مضاد لأكثر من سبب من ضمن ذلك ضعف شوكة المسلمين.

 

🔸 المرحلة المدنية

وفيها اتخذت صورة المعركة منحى ومسار آخر.. وهي التي حدّدتها الآية الكريمة من سورة الحج (أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُوا، وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَى نَصۡرِهِمۡ لَقَدِیرٌ)

ومنها كانت بداية إرهاصات غزوة بدر.

🔴 في أجواء غزوة بدر

🔸القافلة مِن أجلِ ماذا؟

(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحدى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ).

البعضُ فَهِمَ موضوع القافلة بما يتماشى مع هواه في نقده للإسلام كدين وفكر وتاريخ..، إذ أنه وصف اعتراض المسلمين للقافلة عبارة عن أُسلُـوب من أساليب غارات البدو على العير والقوافل وهذا يعتبره نقد في جانب من جوانب الإسلام

لا بد أن نفهم الأمر من ثلاثة نواحٍ:

🔹أن تعرض القافلة هي وسيلة من وسائل الضغط التي تخبر المتآمرين بقوة الإسلام وتتيح له الحرية ببعد أن كان سبيل المواجهة من قريش كان الاضطهاد والظلم والذي ما زال جاثماً كموقف حتى بعد الهجرة

🔹لم يكن التعرض للقافلة؛ مِن أجلِ القافلة بل هي رسالة يمكن من خلالها إيجاد إيحاء للمسلمين بقوة المسلمين؛ لأَنَّ الأجواء التي توحي إلى القوة كان لا بُـدَّ منها وكذلك رسالة أُخرى إلى أعداء الإسلام بأن الإسلام بات في قوة كحرب نفسية

🔹كان هنالك موازين قوى في شبة الجزيرة العربية.. فكان رسول الله صلى الله عليه وآله آنذاك يريد أن للإسلام قوة توازن توازي تلك القوى في شبه الجزيرة العربية.

وكذلك كتخفيف ضغط على الفئات المقهورة المسحوقة التي تخضع للقوى العسكرية والمالية ومنها قريش وذلك بالإيحاء أن قريش ليست القوة الوحيدة التي يمكن الخضوع لها

🔴 معركة بدر

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ، إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِن يَكُن مِّنكُم مِئة يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ، الآن خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِن يَكُن مِّنكُم مِئة صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

هنا للقوة فلسفتها.. ولأن كَثيراً من المسلمين حديثي عهد بالمعارك والحروب وهم من عاشوا ذات يوم ظروف ضاغطة من قهر وإذلال.

كان هنالك مفهوم خاطئ ما زال هو الجاثم على صدور الكثير من الناس إلى يومنا هذا.. فالقوة بالمفهوم المتعارف لهم هي قوة المادة وقوة العضلات وقوة الكثرة والسلاح

ولكن الله تعالى في الآيات أعلاه أراد لهم أن يفهموا بأن القوة ليست في ذلك فقط.. بل أن هنالك جانب آخر وهو الأهم وهو الأكثر قوة مما تم ذكره وهو قوة الإرادَة وقوة الصبر وقوة التحمل وقوة الارتباط بالله

وهذا ما أزاح تلك الذهنية التي عاشت أَيَّـام من الألم والقهر وأن يبتدئوا مرحلة جديدة من الصبر والجهاد الذي يرسم طريق العزة والكرامة.

مثل هذهِ التهيئات العظيمة لا بُـدَّ أن تكون دروس لنا بمعية الله لنا في كُـلّ التحديات التي تواجهها الأُمَّــة

فالآيات أعلاه ذكرت لنا جانب من جوانب التهيئات الإلهية للمؤمنين في مواجهتهم مع أعدائهم.. من نُعاس ومن غيث من السماء لما له وقع في النفوس وكذلك في الجغرافيا وساحة المعركة التي كانت رمال في وادي

وكذلك وجود ملائكة تثبت المؤمنين وكذلك إلقاء الرعب على قلوب المشركين

🔹 من ضعف إلى قوة

قال أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله أثناء التحضير لمعركة بدر (يا رسول الله هذه قريش ما ذلت منذ عزت).

ولكن أراد الله ورسوله أن يحاولوا نقاط الضعف هذهِ إلى قوة واقتدار ويزيح تلك الثكنات الفكرية في قلوب المسلمين وعقولهم التي تؤمن بجبروت القوى المستكبرة وتحويلها إلى قوة تؤمن بقوة الله العزيز.

🔹 آيات تتحدث عن المعركة

(إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ، وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ، وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا، وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

وهذه من ضمن التهيئات الجغرافية العسكرية النفسية المبهرة من قِبل الله تعالى والتي تحتاج إلى مبحث آخر للحديث عنها حول كيف هيأ الله حيثيات المعركة هذهِ في مواقعها وفي نفسيات المسلمين ونفسيات الكفار وكيف هيأ موعدها

وفي هذهِ آيات يجب أن نتوقف عندها لما لها من تأثير نفسي كبير يقويه الارتباط بالله سبحانه وتعالى في إطار التحَرّك في سبيل الله.. فهذه آيات لم تبقى رهينة التاريخ بل لها أن تتجدد كتمكين وتهيئة إلهية لعباده المؤمنين المتحَرّكين في سبيله تعالى.

🔹 انتصار من قِلة

(لَقَدَ نَصَرَكُمْ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) حقيقةٌ تاريخية كحجّـة على كُـلّ التاريخ في خضم التحديات والمخاطر والضغوطات التي يعيشها المؤمنين في كُـلّ مكان وزمان.