رِبِّيون أطهار

 

أشجان الجرموزي

بعد غيابٍ طال أمده، واحدودبَ ظهرُه، وأكل الانتظار منسأته، ولج منَ باب منزله تملؤه الجروح الطفيفة التي طالت يديه ورجليه، سألتهُ والدته بلهفة مختنق، ودموع عصية تُكابد النزول، أين كُنت يا حسن؟ أجابها ضاحكا: كنت في اليمن.

رفعت صوتها قليلًا في حنق ظاهر من برودة رده، سألتُكَ أين كنت يا ولدي؟ أجابها: مع الله يا أُمي، كرّرت سؤالها للمرة الثالثة: إن كنت تحبني فعلاً، استحلفك الله أن تطمئن قلبي الوجل في غيبتك، قال يا أمي وجنتي كنتُ في مأرب، فلا داعي للقلق، هدئي من روع قلبك، فمن كان في معية الله لا خوف عليه أبداً.

بين لوعة القلب وحر الترقب، تولدُ إرادَة خفية، تشدُّ عود الصغير وتربط على القلب الطافح بالحنين، تُبرئ ما نكأته ويلات الحرب، لتهاجر عبرها الأرواح المفعمة بالثقة بالله في فضاء الجهاد الرحب، وصدق الله القائل: ((رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)).

الشهيد حسن أحمد عبدالله أبو طالب المكنى -أبو علي- من مواليد الثالث والعشرين من شهر رجب للعام ١٤٢٧، الموافق ٢٨/٨/٢٠٠٥، تميّز سلام الله عليه بهدوئه وعطفه وبره بوالديه، فرغم صغر سنه إلَّا أنه كان متفرداً بأخلاقه ومحافظته على صلاته بين إخوته وأبناء عمومته، كان شديد التعلق بما يسمعه أَو يراه فيما يخصُ المسيرة القرآنية، وكان لخاله دور مهم في توعيته بأهميّة المسيرة القرآنية، والمضي في ركب الجهاد.

مرت الأعوام سريعاً، وأينع الغصن الصغير، غير أن حادثة الفقد -رحيل خاله- التي باغتته في ربيع عمره، قد أثرت في نفسه، فقرّر أن يمتطي صهوة الجهاد مدافعاً وثائراً ومتعطشاً.

إن هذا الحديث ليس عن شاب يافع أَو رجل قد دخل عقده الثاني من العمر، بل إن الحروف هنا تنسج نفسها، وتنثر شذاها، وتحط عبيرها على هؤلاء الربيون الصغار.

ففي العام ٢٠١٧ كانت انطلاقة أبو علي الفعلية، كان وقتذاك لم يتجاوز سنّ الثالثة عشر بعد، إلَّا أنه قام بأخذ دورات البناء، وشارك في عدة دورات عسكرية تحت إصراره المُستمرّ ورفض أهله لتحَرّكه في مثل هكذا سن، لكنهم وأخيرًا رضخوا أمام روحه المكللة بحب الجهاد، فلم يزده التحَرّك إلا أخلاقاً وثقافة واهتماماً أكثر بالصلاة وتطبيقاً للبرنامج اليومي والأسبوعي.

في رحاب العشق الجهادي، وحضرت الواجب الديني المقدس، انطلق المجاهد حسن إلى ميادين الجهاد دون علم أهله بذلك، ظناً منهم أنه يعمل في إحدى المقرات بالعاصمة، غير أن غيابه اللا معهود قد أوجس خيفة في فؤاد والدته، التي حاولت بشتى الذرائع مهاتفته لكن جهازه كان لا يستجيب –مغلق- لم يتمكّن أحد من إيجاده، إلا أن هُناك بقايا من أمل محطم دوماً تتمسك به قلوب الأُمهات، وماهي إلا شهور حتى عاد الغائب المنتظر، عاد لتقر عين والدته برؤيته سليماً معافًى، عاد ومظهره المشعث وبقايا جروح ما زالت ترسم نفسها في أطرافه، بينما أمه تقسم عليه بأن يخبرها أين ذهب؟ ولِمَ تأخر في العودة؟ وبعد محاولات عدة أجابها أنه كان في ساح الوغى، إذ تنقل سلام الله عليه في عدة جبهات على مدى أعوام جهاده، فقد كان فرداً في وحدة الهندسة وكانت أولى قبلاته الجهادية هي الساحل الغربي ومن ثم جبهة نهم والجوف وكانت آخر صولاته في جبهة مأرب التي كان لها النصيب الأكبر بمرابطته فيها، وقد امتاز أبو علي بالسرية التامة لطبيعة عمله، حَيثُ قال أهله لم نعلم بطبيعة عمله إلا بعد استشهاده سلام الله عليه.

في درب الشهادة هامت روح شهيدنا الحسن الذي كان له من اسمه نصيباً كَبيراً، وغدا فؤاد أمه يتبتل في محراب الحمد حتى يضمد جرحه، تتوكأ بالصبر وتتخذ من صوره سبيلاً لمواساتها، ومن ذكرياتهما معول لأتراحها، بينما كان يتبتل ويبتهل في مترسه منزوياً يفضل التقرب إلى الله بقراءة القرآن وكثرة الصلاة والدعاء والتسبيح والاستغفار دوناً عن مجالسة بقية رفاقه.

تقول والدة الشهيد بحنوٍّ وكأن اللحظات عادت من جديد، كان شهيدي باراً رؤوفاً لم يحزنني مرة قط، جُلُّ حديثه قرآني كنت أرى هيئةَ الأولياء الصالحين فيه، ما تناقشنا أَو تجادلنا في أمور الجهاد إلا وكانت له الغلبة لوعيه العميق وثقافته الجمة التي كانت هي المسار الحقيقي الذي تشبع به دوناً عن ملاهي الدنيا وترفها، حتى أنه لم يمتلك هاتفاً مطوراً فكلما كان يحاول جمع مبلغ من المال لشراء هاتف ذكي يضطر لصرفها أَو إنفاقها فقد كان محسناً بامتيَاز سواء لنا أَو للآخرين، حينها سألني ما السبب يا أمي كلما حاولت جمع المال لشراء هاتف لا أبرح حتى أخرجها؟!

أخبرته أن فطرته السليمة هي من تحول بينه وبين هكذا هواتف؛ لأَنَّها تبعد الأغلب عن الطريق إلى الله وهو قد عزم على المضي في تجارته مع الله فلم يعد له سبيل لحرف مسار روحه الجهادية.

وَتكمل ذكرياتها بالقول: لم أكن أطلب منه شيئاً إلا وأعطانا إياه، وإن أعطيته مالاً لشراء أي شيء لا يقبل أخذه ويجبني بنبرة حانية أنا ابنكم وواجب علي أن أعطيكم لا أن أخذ منكم حتى لو طلبتم روحي لن أبخل بها عليكم، ومع تذكر كُـلّ لحظة حانية مع شهيدها التي لم تكن تلك الأعوام القليلة تكفي لترتوي من فيض حنانه وعطائه إلا أنها تحلت بالصبر ورباطة الجأش ونفذت كُـلّ ما طلب منها “إن منّ الله عليه بالشهادة فلا تلبس إلا الأخضر ولا يكون تشييعه إلا زفافاً مهيباً لعريس في أوج فرحته” فكان له ذلك.

لم تمر أحداث الجهاد على هذا الرجل الصغير بشيء لا يذكر، فقد كان قائداً ومعلماً صغيراً وكان له أفراد علمهم كما يعلم نفسه حتى صار جميعهم ليوثاً لا يهابون العدوّ ولا يصل الخوف إليهم، غرس حب المبادرة والإيثار في نفوسهم فصارت الشجاعة كلمة قليلة بحقهم، ففي آخر زيارة لأهله كانت ترى والدته الشهادة بين عينيه ومما زاد من يقينها كثرة حديثه عن الشهادة في تلك الفترة بالتحديد وتوصيته لها بعدم الحزن، وذات يوم ذهب لتسجيل وصيته وكانت تهاتفه ولا يجيب وقد تملك القلق من قلبها عليه ومن ثم أعلن هاتفها عن رسالة قادمة منه تخبرها بأنه في عمل هام ولن يعود إلا في المساء، وكانت تلك آخر زيارة لهم قبيل استشهاده، بعد أن أَدَّى اختباره الذي أجبره مشرفه على تقديمه ومواصلة دراسته رغم اعتراضه، ودع جميع أهله وأوصى والده وأخيه بوالدته والاهتمام بها والتي ترجته أن يكمل دراسته أولاً ومن ثم يجاهد ولكنه أجابها بأن الدراسة تنتظر أما الجهاد فهو فرصة ومنحة إلهية وسيكون شرفاً عظيماً إن حظي بشهادة رب العالمين، ومن نهاية اللقاء كانت بداية استبسال جديد يضاف إلى رصيد جهادي مليء بالإقدام والشجاعة.

إلى مأرب، حَيثُ كانت وجهة شهيدنا الأخيرة، تعددت المواقف البطولية للشهيد الحسن ففي ذات مرة استشهد اثنان من المجاهدين الأبطال في جبهة مديرية مدغل وكان من الصعب جِـدًّا الوصول إلى الجثث لإخراجها فكان للحسن ورفاقه وقفة بطولية لن ينساها التاريخ الجهادي فقاموا بالتسلل رغم خطورة الوضع وقاموا بربط الجثث إليهم وتم إخراجها في مشهد بطولي لا نظير له ولا يسطر هكذا مواقف إلا من كانت لديه روح إيمانية وجهادية عالية وشجاعة عظيمة كوصي النبي الإمام علي سلام الله عليهم أجمعين، وقبيل دُنُوِ الاصطفاء بأيام حدثت معركة قوية في منطقة الكسارة (تبة ٢١) مأرب فطلبت القيادة آنذاك تعزيزات فتقدم الحسن سلام الله عليه ومعه رفاقه رغم طلبهم منه عدم التقدم معهم لكنه أصر إلا الدخول والمشاركة معهم وأن يكون في مقدمتهم وكان له ذلك، استمرت المعارك خمسة أَيَّـام بلياليها بمعاناتها ومآسيها الشديدة؛ لأَنَّهم لم يكن بينهم وبين العدوّ إلا أمتار، فكان له سلام الله دوراً بارزاً في التنكيل بالعدوّ وصده في وحدة الهندسة، واستمرت المعركة حتى أذن الله لهم بالغلبة والنصر وتم السيطرة على التبة وما جاورها في عملية أطلق عليها عملية، “البأس الشديد” على إثر نجاحها ارتقت روح الحسن واثنين من رفاقه سلام الله عليهم في تاريخ ٢٣/ رجب/١٤٤٢ الموافق ٧/٣/٢٠٢١ وارتقى الإخلاصُ والتفاني بعد أن أوصى باتِّباع مسيرة الحق وأعلام الهدى وتحرير كُـلّ شبر في أرض الوطن.

لم يستطع ابن عم الحسن الذي ذهب برفقته للمشفى إبلاغ أهله وبقي إلى مساء اليوم التالي، حَيثُ أنه استعان بالمشرف التربوي ليبلغهم، فقام بإبلاغ أخيه الأكبر الذي بدوره لا يعلم كيف يبلغ والديه فاتفق مع خاله بأخبارهم أنه جريح تمهيداً لهم إلا أن قلب الأم كان يشعر بأن الأمر أكبر من أن يكون فلذة كبدها جريح وتأكّـدت شكوكها حينما حاولوا تثبيطهم عن الذهاب للمشفى لرؤيته حينها أقسمت على أخيها بقول الحقيقة فأخبرها بأن صغيرَها الشجاع قد ارتقى شهيداً، لم يكن وقع الخبر عليهم بالهين لكنها دعت الله بقلب مكلوم مفجوع لفراق قطعة منها أن يربط على قلبها كما ربط على قلب أم موسى ويرزقها الصبر والثبات، وتم تشييعه في موكب جنائزي مهيب إلى روضة الشهداء التابعة لمديرية بني الحارث بالعاصمة صنعاء.

ومن هُنا لم ولن تكن النهاية، فمع ارتقاء شهيد يولد ألف ثائر، فالقضية هي مبدأ ومنهج، هي سيادة واستقلال وحرية وانتصار، هذ وعد إلهي بالغلبة والنصر وإن قلت السواعد، فلأجلها نبذل الأرواح في كُـلّ آن، ونسقي هذه الأرض دماء تفوح عبق رياحينها صموداً واستبسالاً.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com