ما معنى الشهادة؟

 

فارس محمد السخي

قيل إن الإنسان من حَيثُ تكوينه هو مزيج من نزعات ربانية وأُخرى شيطانية، من روح وحمأ، فهو خليط من أسمى السمو وأقصى الانحطاط، أما تأثيرات الدين والعبادة والأعمال الروحية وفعل الخير، فهي لأجل السمو، وردع عناصر الانحطاط، وإضعاف النزعات الشيطانية لصالح النزعات الإلهية.. وأما الشهادة، فهي عمل مفاجئ يحدث تحولاً ربانياً في الجانب الحقير والمنحط من الإنسان إثر عملية توهج واحتراق في نار العشق والإيمان، ليصبح ذلك الإنسان طاقة نورانية إلهية محضة، من هنا، كان الشهيد لا يغسل ولا يكفن، ولا يحاسب يوم القيامة؛ لأَنَّ ذنوبه كانت قبل الشهادة، وهو ضحى بنفسه قبل أن يموت وحضر الآن.

الشهادة تعني الحضور، والإبصار، والإخبار، والشهود، والصدق، والأمانة، والوعي للشخص الذي تتطلع إليه العيون. وهي تعني أخيرًا “القُدوة والنموذج”، فالشهادة في قاموسنا ليست حادثاً دامياً منغصاً، وفي معارفنا ليست موتاً يفرضه العدوّ على المجاهد، بل إن الشهادة اختيار واعٍ يقدم عليه المجاهد بكل طواعية ووعي وإدراك، ويختاره بدافع ذاتي، ثم أن الشهادة تختلف في نظرنا كمسلمين عما هي عليه في تاريخ الأمم من أنها مصير محتوم بالموت للبطل تراجيدياً، الشهادة في قاموسنا درجة، وليست وسيلة بل مقصد، إنها أصالة وتكامل وسمو، إنها مسؤولية كبرى وصعود من أقصر الطرق إلى معارج الإنسانية، إنها ذروة سنام العطاء والكمال الإنساني.

الناس إذَا ما هدّدت عقيدتهم بالانهيار، فَـإنَّهم يدافعون عنها كي يضمنوا استمرارهم واستمرارها، ويحافظون على إيمانهم وعزتهم ومستقبل تاريخهم “بالشهادة”، فالشهادة دعوة لكل الأجيال في كُـلّ العصور، انتزع الحياة وإلا فقدتها.

فقد تعلمنا من الشهداء كيف نحيا إن أردنا العيش، وكيف نموت إن لم نقدر على الحياة، وذلك بتوثيق شهادتهم في محكمة التاريخ، وهي شهادة عمدت بالدم لا بالكلمة، لقد شهدوا جميعاً بأن نظاماً واحداً يحكم تاريخ البشرية ويتحكم به، نظام سخر السياسة والاقتصاد والدين والفن والفكر والفلسفة والأخلاق والذوق والبشرية، ليصنع من ذلك كله قواعد لدولة الظلم والجور والجريمة، مضحياً بالإنسان على مذبح مطامعه، متحكماً بهذا الإنسان وقيمه، يحكم التاريخ بالقسر، جلاد راحت ضحيته آمال الأجيال، وانطفأت في ظله أماني الأمم، وتلونت تحت سياطه جنوب النساء، ونكست لجوره هامات الرجال، فمن أجل أن يرضي رغباته ويعمر حياته، أباد وأجاع واستعبد رجالاً ونساءً، وشيوخاً وأطفالاً، متجرداً من كُـلّ قيمة وعرفٍ بشري. نظام أسود كهذا النظام كان يجب أن ينهار، ولا بد من أن ينهار، ولهذا جئنا نحن وأكملنا المسير في الخط الرسالي الجهادي، فَـإنَّا نحن وعد الله ووعد الآخرة.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com