“حكومة” محاصصة بين المرتزقة: فصل جديد من الصراع ومحاولة “تجميل” للسعودية

– الأمم المتحدة تشارك الرياض في محاولة الهروب من واقع المعركة الرئيسية

– فشل إعلامي في التغطية على الانقسام الداخلي المستمر وإقرار رسمي بضعف السلطة الجديدة

 

المسيرة | ضرار الطيب

تم إعلانُ تشكيلة “حكومة” المحاصصة الجديدة بين أطراف المرتزِقة، مساءَ أمس الأول، بعد عام من “الاتّفاق” على تشكيلها، لكن وبالرغم من الضجيج الإعلامي الذي حاول إظهارَ هذه الخطوة كـ”إنجاز”، ما زال الواقع الذي تعيشه السعودية -الوصية على الاتّفاق- وأطراف المرتزِقة يؤكّـد على أن ما حدث لم يكن أكثرَ من افتتاح فصل جديد من مسرحية مستمرة منذ سنوات، ولم تعبر هالةُ “التفاؤل” المصطنعة حول حكومة المرتزِقة الجديدة إلا عن استمرار إفلاس النظام السعودي ونزوعِه للهروب من فشله في المعركة الرئيسية، وهو ما ينسحب أَيْـضاً على موقف الأمم المتحدة الذي تماشى بشكل فاضح مع الرياض في محاولة الهرب هذه، وحاول تجميل صورتها على حساب الواقع الذي يدينهما معاً.

حكومة المرتزِقة الجديدة شملت 24 حقيبة تم تقاسمُها بين أطراف المرتزِقة، وأبرزها حزب الإصلاح ومليشيات “الانتقالي” اللذان يشكلان قطبَي الصراع الذي أفضى إلى ما يسمى “اتّفاق الرياض” والذي تدير السعودية من خلاله هذا الصراع وتتحكم بمجرياته ونتائجه، بما في ذلك عملية تشكيل الحكومة الجديدة التي لم يجد حتى المحسوبون على أطراف المرتزِقة مهرباً من الإقرار بأن السفير السعودي “محمد آل جابر” هو من شكّلها.

إعلامياً، حرص النظامُ السعودي وحلفاؤه إقليميا ودوليًّا على صُنع هالة “فرائحية” حول حكومة المرتزِقة الجديدة واعتبارها خطوةً “إيجابيةً”، لكن غُبار هذه الحفلة انقشع ليبدو المشهدُ على الواقع مناقِضًا تماماً للدعايات، فمن حَيثُ مسار الصراع بين طرفي المرتزِقة، ما زالت كُـلُّ المؤشرات تدل على استمراره، بل إن هناك ترجيحاتٍ لاندلاع جولات قادمة المواجهات المسلحة خلال الفترات القادمة.

حزب الإصلاح، وإلى جانب ما تمثله “الحكومة الجديدة” من سقوطٍ لدعاياته العسكرية والسياسية التي ظلت تردّد شعارات “اجتثاث الانتقالي” واستعادة عدن طيلة الفترة الماضية، لم يبدُ راضيًا عن القسمة الجديدة؛ لأَنَّه لم يكن يريد أية قسمة على الإطلاق؛ ولذا لم تكن وسائلُ إعلامه متحمسةً بشكل كبير للأمر، سواء قبل الإعلان عن “الحكومة” الجديدة أَو بعده، وتبنت منصاته وناشطوه خطاباً ينفي اكتمالَ تنفيذ “الشق العسكري” من “الاتّفاق” في أبين وفي عدن، (على عكس ما أعلنه السفير السعودي)، والواقع أن الوضع الميداني لا يزال بالفعل أقربَ إلى ما كان عليه باستثناء تغييرات مؤقتة كتوقف المواجهات.

أما مليشيات الانتقالي -وهي الأُخرى يمثل اشتراكُها في حكومة المرتزِقة الجديدة سقوطا مدويا لدعايات “الانفصال” واجتثاث الإخوان- بدت سعيدةً بـ”اعتراف” الإصلاح بها كسلطة، لكن الأمر ما زال بعيدًا عن انتهاء الصراع بينهما، ومن ضمن مؤشرات ذلك، مسارعتُها إلى الإعلان عن “إنهاء تنفيذ الشق العسكري من اتّفاق الرياض” على الرغم من المعلومات التي تشير إلى أنها لم تنسحب فعلياً من كثير من المناطق وسلمت المعسكرات لقوات أُخرى موالية لها، وهو ما يعتبر محاولةً لقطع الطريق أمام الإصلاح للاعتراض أَو للعودة إلى عدن تحت مظلة “الاتّفاق”، الأمر الذي يشير إلى تمسك واضح بخارطة الصراع.

وقالت مصادر إعلامية، أمس: إن قوات حزب الإصلاح مُنعت من دخول مدينة زنجبار لإعادة التموضع بحسب “الاتّفاق” بعد أن رفضت مليشيا الانتقالي الخروجَ من المدينة وأصرت على تسليمها لقوات ما يسمى “الحزام الأمني” التابعة لها بدلاً عن قوات حزب الإصلاح، الأمر الذي اعتبرته وسائلُ إعلام الأخير “انقلاباً”.

هكذا بدا الوضعُ على الواقع مناقضاً تماماً للجو “الفرائحي” الذي حاولت وسائل الإعلام المدعومة سعودياً صنعَه، الأمر الذي أضيف تلقائياً إلى العديد من التجارب السابقة التي برهنت على أن الصراع بين طرفي المرتزِقة يعود دائماً بفصول جديدة مهما كانت “الجهود” التي تدّعي السعودية بذلها لإيقافه، بل إن موقع السعودية كراعية للاتّفاق هو أمر يجعل عودةَ اشتعال الصراع أكيدةً كما يرى عضو وفد صنعاء الوطني، عبد الملك العجري، الذي كتب معلقاً: “تعلمنا أن أي اتّفاق يرعاه السعوديون يكون بمثابة تهيئة وترتيبٍ لجولة جديدة من الصراع أشد وأنكى وعلى أطراف الاتّفاق أن تكون جاهزة ومستعدةً وأظنها كذلك.. الاتّفاقات التي تخرج من الرياض عادة اتّفاقات مفخخة، عناصرُ التفجير فيها أكثرُ من عناصر الإطفاء والتوفيق والأيّام بيننا”.

لم تتوقف محاولاتُ السعودية للترويج لخطوة تشكيل حكومة المرتزِقة على “الهالة” الإعلامية الزائفة، إذ عمدت إلى حيلة أُخرى لاستمالة الشارع الغاضب في المحافظات المحتلّة، حَيثُ انخفض سعر صرف العملات الأجنبية قليلًا أمام الريال اليمني، أمس، وهي حيلة سبق أن تم استخدامها أكثر من مرة في إطار “الدعاية” لكن تدهور العُملة كان دائماً يعود، مثل الصراع بين المرتزِقة، علاوة على أن هذه الحيلة تكشف حقيقة دور السعودية ومرتزِقتها في الحرب الاقتصادية على الشعب اليمني، وتؤكّـد على أن تدهور العملة يتم بإشراف سعودي.

لم تفلح هذه الحيلة أَيْـضاً أمام ردود فعل جمهور المرتزِقة نفسه الذي واجه الإعلانَ عن تشكيل “حكومة جديدة” بالمطالب نفسها التي تهرّبت منها الحكومة القديمة، وخُصُوصاً في الجانبين المعيشي والأمني، الأمر الذي دفع بالمرتزِق معين عبد الملك (رئيس الحكومة الجديدة والسابقة لأدوات العدوان) إلى الإقرار بأن “الحكومة الجديدة لا تملك حلولاً سحرية”، وهو ما يوضح حقيقةَ “المسرحية” التي يتم لعبها.

 

محاولة سعودية – أممية للهروب من الواقع الرئيسي

هذه المسرحية، وكالعادة، تضمنت أدواراً على المستوى الدولي، لكنها لا تختلفُ عن الأدوار المحلية في التعبير عن مدى خواء السيناريو ورداءة الإخراج، ومن ذلك موقف الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص إلى اليمن، مارتن غريفيث، والذي هرع لتهنئة حكومة المرتزِقة الجديدة بمناسبة تشكيلها، واصفاً السعودية بـ”وسيط سلام” وزاعماً أن هذه “خطوة محورية نحو حَـلٍّ سياسي دائم”.

موقفٌ يجدد فضحَ التواطؤ الأممي مع النظام السعودي في محاولات تلميع صورته عبر ما يسمى “اتّفاق الرياض”، فالسعودية نفسُها وأطرافُ المرتزِقة تقولُ: إن “الاتّفاق” وتشكيل الحكومة الجديدة خطوةٌ لتعزيز جهود الحرب ضد “صنعاء”، وبالتالي لا علاقة لها بأي حَـلٍّ شامل أَو جزئي، واعتبار السعودية “وسيَط سلام” بين بيدقين في معسكرها مغالطة مكشوفة للتغطية على كون الرياض تقود عدوانًا واضحًا على اليمن منذ ست سنوات، وهذا العدوان هو المشكلة الرئيسية التي يجب أن ترتبط بها كُـلُّ توصيفات “الحرب” و”السلام” في اليمن.

بدا واضحًا منذ البداية أن ما يسمى “اتّفاق الرياض” جاء كمحاولةٍ لتحسين صورة السعودية أمام العالم (إلى جانب كونه وسيلة رسمية لإدارة الصراع) بعد أن ساءت سُمعةُ المملكة إلى حَــدٍّ كبير؛ بسَببِ جرائمها البشعة ومأزقها السياسي والعسكري في اليمن، وترى السعودية في هذا “الاتّفاق” فرصةً للالتفاف على مطالب والتزامات السلام الحقيقي في البلاد، وانسجامُ الأمم المتحدة معها في هذا المسار (إلى جانب كونه تواطؤاً فاضحاً) يعكسُ أَيْـضاً رغبة أمميةً في الهروب من نفس الالتزامات التي أعادت صنعاء مؤخّراً تذكير الأمم المتحدة بها بلهجة شديدة بخصوص ملف الحصار.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com