من بيع إلى بيع بلا ثمن!

 

سند الصيادي

كسابقاته من الأنظمة المهرولة بلا بصيرة إلى أحضان الكيان الصهيوني، انزلق نظامُ مملكة المغرب إلى التطبيع العلني مع هذا الكيان، وليس في جعبته هو الآخر أية تحفظات أَو اشتراطات تتعلق بأصول الصراع العربي الصهيوني أَو تبنيه لرؤية المغرب للتسوية العادلة والمشرفة للقضية الفلسطينية ليقدمها على الطاولة وَيبرّر بها خيانته أمام شعبه وَأمته، بل إنه توقيعٌ على بياض وَتذكيرٌ بمضامين ما قاله الشاعر البردوني، ترقى العار من بيع إلى بيع بلا ثمن، وَبموجب هذا الموقف المغربي المخزي نال الكيانُ الغاصبُ للأرض العربية نصراً معنوياً جديدًا دون خسائر وَدون أية التزامات أَو تنازلات.

هذه التحولات الدرامية في المواقف الظاهرة للأنظمة العربية التي أعلنت تطبيعَها مع العدوّ الإسرائيلي، بدءا من السعودية وَحلفائها في منطقة الخليج وليس انتهاءً بمملكة المغرب، كشفت أصل هذه الأنظمة وَحالة الضعف والهشاشة البينية التي تمرُّ بها مع عزلتها عن شعوبها وَافتقارها لركائز القوة الداخلية، هذا ما يفسره إعلان تطبيعها مع العدوّ بلا ثمن سوى بحثها عن وسائل نجاة للديمومة والبقاء من الخارج ولو على أنقاض القيم الوجودية التي يعتبر التخلي عنها بالمفهوم الإنساني والسياسي انتحارا عمديا وَمغامرات غير محمودة العواقب.

وكما هو حال ردود الفعل العربية والإسلامية تجاه هذه المواقف، مثّل قرارُ النظام المغربي خطيئة سياسية وَطعنة جديدة في خاصرة الأُمَّــة وَخيانة مستمرة لفلسطين والمدينة المقدسة التي كان يرأس شؤونَها هذا النظام، وَتوالت بيانات الإدانة والاستنكار والرفض من أنظمة وَفصائل المقاومة الفلسطينية والعروبية والإسلامية، والتي تنعي في مضمونها ضياع الحمية والنخوة العربية لدى المطبعين قبل أن تنعيَ تأثير ذلك على الحق الفلسطيني والعربي المغتصب.

المثير للسخرية وَالشفقة، أن هذا الابتذال العربي أثار استغراب دولٍ غير إسلامية تعترف بالعدوّ الإسرائيلي وَدفعها في سياق ترحيبها بالتطبيع إلى لفت انتباه المطبعين إلى قضيتهم المركزية، إذ قال نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، الجمعةَ الماضية: إن موسكو لا تملك إلَّا أن ترحب بعملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية، لكنها تعتبر بأن هذا لا يجب أن يكون على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، وأن لا ينسى المطبعون بأن القضية الفلسطينية ما زالت دون حل.

هذه التصريحات الروسية، مثّلت وخزا في ضمائر قطعان الخيانة وَجلدا على ظهورهم المنبطحة على رمال الخزي والعار، كما كانت تذكيرا لهم بالتموضعات التي لطالما كانوا أُولئك يطلون في المؤتمرات والمحافل العربية والدولية من خلالها ويكرّرون فيها مواقفهم الثابتة وَالعنترية من إسرائيل ككيان غاصب وَطارئ وَوقوفهم إلى جانب الشعب الفلسطيني حتى استعادة كافة ترابه وبناء دولته المستقلة، وَتذكيره لأُولئك بأن أبرزَ الملفات الرئيسية في الصراع العربي مع إسرائيل كقيام الدولة الفلسطينية وَملف القدس الذي كانت تدعي المغرب اهتمامَها به، بات يمر بأسوأ حال في تاريخ الصراع، وَهو ما يضاعف من حجم الخيانة وَالكثير من علامات الاستفهام حول حقيقة انتماء هؤلاء للأُمَّـة العربية والإسلامية.

ومن غزة وَبيروت وَدمشق وَصنعاء وَطهران، رسائلُ متجددة وَصوتٌ بات عاليًا بما يكفي لأن يصل صداه إلى مسامع قادة كيان العدوّ الصهيوني: إن كنتم تظنون أن تطبيعَكم مع بعض الأنظمة العربية سيخفي جرائمكم التاريخية بحق العرب والفلسطينيين وَيفلح في تجميل قبح إجرامكم فأنتم واهمون، كما هي لأنظمة الخيانة بأن لن تمنحكم الصهيونية العالمية شرعية افتقدتموها في الداخل، وَلن تبقيكم على كراسيكم بمأمن عن إرادَة الله وَإرادَة الشعوب، وإن غداً لناظره قريب.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com