إعادة تشخيص الفساد أولى مراحل العلاج

 

سفيان العماري*

وأنا أطالع كلمةَ الأخ الرئيس مهدي المشاط، لاحظت اجتهادَ الرجل في محاولة إعادة تعريف الفساد من خلال تجربته واطّلاعه على سيلٍ من المعلومات التي تصل إليه كرئيسٍ للجمهورية، رغم قلة سنوات حكمه، إلَّا أنه كما يبدو قد خرج بخلاصة تشخيصية لا بأسَ بها وَاستطاع فهم عمق الفساد كسلوك وليس كظاهرة محصورة على شريحة بعينها من المجتمع، وهو ما حاولت الأنظمةُ السابقة تكريسه في الضمير الجمعي للناس للأسف، في تظليل متعمد استمر منذ قيام النظام الجمهوري قبل نصف قرن، أي منذ تحالف القبيلة والعسكر، وحرص حكام البلاد المتعاقبون حصر الفساد وأسبابه في موظفي القطاع العام والمختلط أحياناً، في محاولة للتغطية على أشكال الفساد الأعم والأشمل والأكثر تدميراً للاقتصاد بل ومنظومة الأخلاق ككل.

ومن هنا أصرَّ الرئيس المشاط على فكرةِ أن الفسادَ سلوكٌ ممكنٌ أن يأخُذَ شكلَ تبديد المال العام أَو التقصير في الأداء أَو الإهمال في تقديم الخدمات أَو التغاضي عن المتابعة لمصالح الناس… إلخ، وقد يمارسه الوزير والغفير وقد يكون متعمداً أَو من دون قصد.

والمعالجةُ لهكذا سلوكيات تأخذ أشكالاً وأساليبَ متعددة وتحتاج إلى تكاتف المجتمع، وقبل كُـلّ هذا وذاك، علينا الاعترافُ بالمرض وحجمه لكي نستطيع علاجه، أي أن نحاسب أنفسنا قبل كُـلّ شيء، من خلال ممارسة النقد الذاتي، ونسأل أنفسنا هل نمارس الفساد بقصد وبغير قصد؟!

ألَا نرى كُـلَّ يوم مظهراً من مظاهر الفساد ونتغاضى عنه، بل وأحياناً نشجعه؟!

من منا لم يذهب لدائرة حكومية ويُطلب منه المال للتسهيلات ولا يقدمه عن طيب خاطر لكي يمرر معاملاته، فلا وقت لديه يضيعه في المهاترات أَو محاولة تقويم الاعوجاج؟! من منا اليوم يرى فساد التجار سواء أصحاب البقالات أَو تجار الاستيراد والجملة وهم يحاولون التكسب من اقتصاد الحرب ومأساة الحصار، ومع ذلك لا يحرك ساكناً أَو يكلف نفسه حتى عناء التبليغ عن حالات التلاعب بالأسعار؟! وليس هذا فقط، بل يحاول نشر روح الإحباط واليأس، ويقول لا فائدة من التبليغ، هم كلهم شركاء الموظف والتاجر، وهو يعلم في قرارة نفسه أن ذلك غير صحيح بل ومستحيل منطقيًّا.

من منا لا يمارس الفسادَ المعلوماتي من خلال تسرعه في نقل معلومات خاطئة، وأحياناً مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمُجَـرّد أنها وافقت هوىً في نفسه؟!

أليس هذا فساداً وإفساداً في الأرض؟! ألا يمارس الإعلامي الفساد وهو ينشُرُ خبراً من مصادر غير موثوقة لكي يحصل على أكبر قدر من المتابعين؟!

ألا يمارسُ السياسي الفسادَ عندما يجير كُـلّ مواقفه السياسية لمصالحه الشخصية وبقصد الابتزاز، بل إن السياسيين استباحوا الأموال القادمة عبر الحدود من الدول الشقيقة والصديقة على أنها هبات وتبرعات، وعندما يترك المشرع البرلماني هذه الثغرات في القانون، أليس فاسداً مع سبق الإصرار والترصد؟!

والدولةُ عندما لا تقومُ بواجبها نحوَ مكافحة كُـلّ هذه المظاهر الفاسدة، تكون مقصِّرةً ونحن كشعب إن لم نقاوم هذا الفساد ومن يمارسه كذلك نصبح مساهمين في انتشاره..

يجبُ أن تكونَ لدينا الشجاعة والمسؤولية لنقول للفاسد أنت فاسد بعينه ولا نخشى أحداً ولا يخوفونا أن فلاناً نافذ أَو فلاناً قريب من فلان أَو أن هذا خط أحمر أَو أسود، لا يوجد خطوط ونحن نمارس لعبة الموت يوميًّا تحت القصف والحصار والتجويع، لم نعد نبالي بشيء أَو نخاف من أحد، لقد أخطأنا كَثيراً في أنفسنا وحق بلدنا، وحان الوقتُ لتغيير واقعنا ومن أسرف على نفسه فالله تواب رحيم إذَا صدقت التوبة وكانت نصوحاً.

تعالوا اليوم لنرسم بالدم والدموع خطًّا فاصلاً بين الماضي والحاضر، ونبدأ من جديد ونتعاون في بناء يمن جديد، ولعلها فرصة تاريخية لن تتكرّر بسهولة مع وجود قيادة شابة نظيفة ومسؤولة وطموحة ومتوثبة لإعادة كتابة التاريخ وتغيير قدرها وقدر اليمن، وقد اختبرنا صبرَهم وبأسهم في مواجهة عدوان لم نشهد له مثيلاً في التاريخ، ومع ذلك وبرغم قلة الإمْكَانات وصغر سنهم وتجربتهم استطاعوا تحقيق المعجزة وصمدوا وتبعثر المعتدون.

أليس هذا كافياً لنا وَدليلاً على إصرارهم على النجاح؟! ألَا يكفينا مثالاً صادقاً على روحية التصميم والتضحية دمُ الشهيد الرئيس الصماد الذي استهدفه الأعداء عندما شعروا بجديته في اجتراح المعجزات؟!

ما زال الطريق طويلاً أمامنا للتعافي، لكن كُـلَّ يوم يمر نزداد يقيناً بقدرتنا على خلق الفرص لاستمرار الحياة، وأن الفساد كسلوك سيظل العقبة الكأداء أمام تقدمنا وتعافينا، وَآن لنا أن نحطم هذه الصخرة من خلال روح المسؤولية تجاه المجتمع، وترك اليأس والإحباط والإيمان بذاتنا وقدراتنا على الانتصار في معركة التنمية وإعادة البناء كما انتصرنا في معركتنا الوجودية مع قوى الشر والعدوان، وما النصرُ إلَّا صبرُ ساعة.

* أمين عام حزب الشعب الديمقراطي حشد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com