الإمامُ الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- وحقيقة ما جرى في كربلاء

 

زينب العياني

من فضائل الإمام الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ-، قولُ جده الرسول -صلى اللهُ عليه وآله وسلم- الخاتم خير رسل الله وخلقه، والدته فاطمة سيدة نساء العالمين، والده سيد النقباء علي المجتبى الذي باهى اللهُ به ملائكته، وهو خامس أهل الكساء.

قال الرسولُ -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحسن وأخيه الحُسَـين: (إن كُـلَّ بني بنتٍ ينتسبون إلى أبيهم، إلا بني فاطمة ينتسبون إليَّ) أَو كما قال، فإن خَفِيَ عن بني أميّة عظمةُ الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- فكيف خفي عنهم أنه ابن بنت نبيهم.

الحقُّ أن بني أمية أكثرُ معرفة من هو أبو عبدالله -عَلَيْــهِ السَّلَامُ-، ومن هم أهل بيته المطهرون من الرجس؛ ولأنهـم يعلمون ما يعني ذلك، فمثله لا يقبل بظلمهم وانتهاكاتهم وتغطرسهم، يأمر بالمعروف وينهى عن الفحشاء والمنكر، فكيف لا يقتلونه وهم أهل للفحشاء والمنكر.

 

دوافع خروجه -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- من مكة:

لما مات معاوية عام 60هـ، كان قد كتب البيعةَ ليزيد لعنه الله، وعندما أخذ الخلافة يزيد المعروف بسكره ومجونه، وتسمّى ذلك الدعي بن الدعي بأمير المؤمنين، فأرسل إلى ولاة أبيه بأن يبايعوه ويطلبوا البيعة له، حيث كان سفيان بن عتبة أحد الذين أرسل إليه بأن يطلب له البيعة من أهل الحجاز وحث عليه أن يطلُبَها من الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- وعبدالله بن الزبير، ثم أرسل سفيان بن عتبة الوليد إلى الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ-، أوصل الوليد كتاب يزيد إلى يد الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ-، قرأ المكتوب -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- فقال: ننظر فأنظرني، ثم قال له: انصرف حتى تأتينا مع الناس.

في هذه الليلة انصرف الإمامُ الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ-، فتوضأ وصلى واستخار الله في أمره، ثم زار قبر جده الرسول -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله-، بعدها خرج أبو عبدالله -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- مع ولده وإخوته وبني أخيه الإمام الحسن -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- وبني عمه نحو مكة، وقضوا هناك أربعة أشهر وقيل خمسة.

بعد ذلك الوقت الذي قضاه بمكة، كانت المكاتيب تهل عليه من العراق يدعونه إلى المجيئ إليهم وإنقاذهم من الطاغية يزيد وهم سيبايعونه وينصرونه، ورد عليه نحوُ ثمان مِئة ألف كتاب من أهل العراقيين ببيعة أربعة وعشرين ألفاً له.

عندما كثرت المكاتيب إلى الإمام الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- من الكوفة، عزم -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- على الخروج إليهم بعد أن أرسل مسلمَ بن عقيل يأخذ منهم البيعة ويهيئ له الأمر، ولَكنهم أُولئك أهل الكوفة أهل الشقاق والنفاق أشباه الرجال ولا رجال لما دقّت ساعة الصفر تخلوا عن بيعتهم واختاروا الدنيا الفانية طمعًا في ما أغراهم به الدعي بن الدعي عبيدالله بن زياد من المال وفتن الدنيا ورهبة من سيفه ووعيده، فتحولوا إلى ذِئابٍ وغدروا بسبط رسول الله -صلوات الله عليه وآله-، ضلوا طريق الحق، فجُرفوا إلى مستنقع الخزي والباطل في الدنيا وقعر جهنم في الأُخرى بلا ريب.

عندما برز الإمام الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- إلى المعركة، وليس معه إلا ما يقارب سبعين رجلًا، خطب بالناس وكان من خطبته -عَلَيْــهِ السَّلَامُ-: “أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي، آمنتم بالرسول محمد -صلى الله عليه وآله- ثم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم؟! أوَلم يبلغْكم ما قال رسولُ الله -صلى الله عليه وآله- لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة؟! فإن كنتم من شكٍّ من هذا أفتشكُّون أني ابن بنت نبيكم؟! فواللهِ ليس بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلته أَو مالٍ لكم استهلكته أَو بقصاص جراحة”، فقال له اللعين ابن الأشعث: أَوَلا تنزل على حكم بني عمك فتحقن بذلك دمك ودم أهلك وأنصارك؟ فأجاب الإمام الحسين -صلوات الله وسلامه عليه-: “لا يا ابن الأشعث، لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد، ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهاتَ منا الذلةُ، يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون، أما والله ما تلبثون بعدها إلا كريثما يُركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى عهدًا عهده إليَّ أبي عن جدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، اللهم احبس عنهم قطر السماء وبركات الأرض وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسًا مرة”.

ضج جسد الإمام الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- بالسهام، ثم استشهد ظامئاً على يد أشقى الأشقياء، وكل الذين شاركوا بقتل أبي عبدالله -صلوات الله عليه-، منهم من مات بأبشع صورة ومنهم من قُتل، وويلهم ويلهم من عذابِ الله، في تعديهم على أطهر حُرماته وأزكاها وأكرمها.

حينما حلّت الفاجعةُ الكبرى بالإمام الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- بعد قتلهم لجميع أقاربه وأنصاره، علمت العقيلة زينب -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- بالمصاب الذي حل بأخيها، خرجت تمشي إلى ساحة المعركة تبحث عن أخيها الحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- بين القتلى، غير عابئة بجيش يزيد اللعين المدجّج بالسلاح.

فإذا بجسد الحسين الطاهر جُثةً بلا رأس، فرفعته إليها وهي جاثية فقالت بصوتٍ مكلوم: (اللهم تقبل منا هذا القربان)، فصُعق الجيش الأموي من كلامها وردة فعلها كانوا ينتظرون من السيدة زينب -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- أنها ستضعف وتنهار برؤية أخيها جثة ملأتها السهام وقُطع منها رأس الحسين الطاهر.

ولكنها كانت صابرة شامخة، وأصبحت نموذجًا للشجاعة وقوة الإيمان، فقد لا يكون هناك قلبٌ اكتوى كقلبها، ولكن عندما يكون الإيمان بالله والثقة به متجذرة في القلب، هنا يتجسد الصبر والقوة..

بعد تلك الحادثة الأليمة بالحسين -عَلَيْــهِ السَّلَامُ- وأقربائه وأنصاره وسبي نساء أهل بيته، لم ينطفئْ ذكر العترة الطاهرة ولم ينقطع نسلُهم، بل أصبحوا بفضل الله ومنّه أقوى، وانتشر صيتهم، وعلم كثيرٌ حقيقةَ حديث الرسول -صلوات الله عليه وآله- فيهم: (أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى).

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com