مرفأ بيروت وجبلُ عطان في صنعاء.. مسرحانِ لجريمة واحدة

 

عبدالله علي صبري

لا يزالُ لبنانُ يعيشُ صدمةَ انفجار بيروت الكبير وتداعياته التي لم تحصرها حدودُ الجغرافيا الطبيعية، فالجيوسياسية اللبنانية عابرة للإقليم، كما هو معروفٌ، ما يجعلنا نقارِبُ الحدثَ المؤلم من زاوية قد تكون مختلفة نوعاً ما، على اعتبار أن فرضيةَ “الفساد والإهمال” باتت تحظى بقبولٍ أكبرَ، مقارنةً بالفرضيات الأُخرى، ومنها فرضيةُ الفعل الخارجي، وهي وإنْ تراجعت بشكلٍ ملحوظٍ في التداول الإعلامي والسياسي، إلا أنَّها ما تزال مطروحة بين يدي “المحقّقين” والخبراء العسكريين على أقل تقدير.

من هذا المنطلق، نحاول الربط بين جريمة تحالف العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، في ما عُرف بقنبلة عطان، قبل أكثرَ من 5 أعوام على بدءِ ما يُسمى بـ”عاصفة الحزم”، وانفجار مرفأ بيروت، إذ تشابهت الجريمتان في الشكل والمضمون على نحوٍ كبير، بل إنَّ النتائج والتداعيات تكاد تكونُ متقاربةً أَيْـضاً.

وقد كانت “إسرائيلُ” حاضرةً في تفجير بيروت ضمن الفرضيات التي لم يستبعدها أَيْـضاً رئيسُ الجمهورية اللبنانية ميشال عون، حين أعلن في مؤتمر صحافي أن الانفجارَ الضخمَ الذي وقع في المرفأ كان “نتيجة إهمال أَو تدخل خارجي بواسطة صاروخ أَو قنبلة”، كاشفاً أنه طلب من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى بيروت في اليوم التالي للانفجار، تزويد لبنان بالصور الجوية للأقمار الصناعية؛ لمعرفة ما إذَا كانت هناك طائرات في الأجواء أَو صواريخ تقف وراء الانفجار.

لقد دلّت التحقيقاتُ بشأن “قنبلة عطان” على أنّ للكيان الصهيوني ضِلعاً في الجريمة الكبرى بحق سكان العاصمة اليمنية صنعاء. وكشف الخبيرُ الأمريكي جون سميث وزميله البريطاني غوردون دوف، في مقال مشترك لهما، أنَّ القنبلةَ غير التقليدية التي وصفاها بالنيوترونية ألقتها طائرةٌ إسرائيلية، لكنها مطلية بألوان سلاح الجو السعودي.

وألمحا إلى أنَّ الغارةَ على جبل عطان قد تكون ناجمةً عن تجربة إسرائيلية لسلاح متطور جديد على أهداف واقعية، لمعرفة مدى تأثيرها، وإمْكَانية استخدام هذا السلاح الفتاك في الحروب القادمة مع لبنان وفلسطين وغيرهما.

وبحسبِ موقع “veterans today”، الذي نشر تحليلاً عن غارة عطان، فإنَّ الانفجارَ ناتجٌ من قنبلة نووية، و”إسرائيل” هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك هذا النوع من الأسلحة.

وما أشبه يوم 4 آب/ أغسطُس 2020 في بيروت بيوم 20 نيسان/ أبريل 2015 في صنعاء! فقد تزلزلت العاصمةُ اليمنيةُ على نحوٍ لم تعرفه من قبلُ؛ بفعل انفجار ضخم إثر غارة جوية لتحالف العدوان، الذي تبيَّن أنه ألقى قنبلةً محرَّمةً دوليًّا على جبل عطان المطل على العاصمة صنعاء من جهة الجنوب، إلا أن كُـلَّ سكان العاصمة المترامية الأطراف سمعوا الانفجار، ورأوا ألسنةَ اللهب التي تصاعدت بشكلٍ مقارِبٍ لآثار القنبلة الأمريكية النووية على هيروشيما اليابانية في أربعينيات القرن الماضي، وهي الصورةُ والحالةُ المرعبة التي شهدتها العاصمةُ اللبنانية بيروت في آب/ أغسطُس الجاري.

عددُ الضحايا كان بالمئات، أما الجرحى فبالآلاف، وكذلك الدمار الذي لحق بمنازل المواطنين والمحلات التجارية. هَوْلُ الصدمةِ هو الآخرُ كان شديداً، وبالدرجة نفسها على اليمنيين واللبنانيين، الأمر الذي يفسِّرُ لماذا كان تعاطُفُ اليمنيين سبَّاقاً وكَبيراً مع أشقائهم في لبنان، فالألمُ كان واحداً في الحالتين. وكما امتصَّ البحرُ في بيروت النسبة الأكبر من آثار الانفجار، كذلك كان الأمرُ مع جبل عطان. ولو أن الهجومَ كان في وسط المدينتين، لكانت الكارثة أكبر بكثير.

سياسيًّا، رأينا كيف سارع قادةُ الدول في الشرق والغرب إلى التضامُنِ مع لبنان، وذرف بعضُهم دموعَ التماسيح، بينما كانت بعض الأبواق الإعلامية تستميت في إلحاق التهمة بحزب الله وتبرئة “إسرائيل”، وشاهدنا كيف أَدَّت تداعيات الانفجار إلى استقالة الحكومة، وسط مطالبات بحَلِّ البرلمان وإقالة رئيس الجمهورية، بالتوازي مع الدعوة إلى تحقيق عاجل ومحاكمة عادلة وناجزة تنتصر لضحايا الكارثة، وللدولة اللبنانية، ولجهازي الأمن والعدل فيها.

في اليمن، وقبل 5 سنوات، حظي تفجيرُ عطان بتغطية دولية كبيرة، ما جعل الحربَ على اليمن وجرائم التحالف بحق المدنيين تحتَ مجهر الرأي العام الدولي. وعليه، أعلنت السعودية، ومعها دولُ التحالف، في اليوم التالي لمذبحة عطان، أي في 21 نيسان/ أبريل 2015، عن انتهاء العمليات العسكرية المسمَّاة بـ”عاصفة الحزم”، بعد 27 يوماً على بدئها، بزعم أنها نجحت في تحقيق أهدافها، غير أنها أعلنت في الوقت ذاته عن تدشين مرحلة دموية جديدة تحت مسمى “إعادة الأمل”. وقد تبيَّن أن إعلانَ التحالف كان موجّهاً إلى الخارج؛ بغيةَ صرف الأنظار عن جريمة هجوم عطان وتداعياتها.

ومن القواسمِ المشتركةِ بين الشعبَين اليمني واللبناني، حالة الصمود والتكاتف المجتمعي في مواجهة التحديات الكبرى، وهذا ما شهدناه حين هرع اللبنانيون للمساعدة في أعمال الإسعاف والإنقاذ، وفي إيواء النازحين، ومباشرة أعمال الترميم والإصلاح، من دون انتظار المَدَد من الخارج، فرسموا على أنقاضِ الألم والركام لوحةَ الأمل الدائم والكبير.

وكذلك يفعل اليمنيون الصامدون الثابتون في مواجَهة العدوان والحصار، وهم يسطّرون ملحمةً تاريخيةً من البطولة والفداء، كما فعل أسلافُهم حين جعلوا أرضَ اليمن مقبرةً للغزاة ونهايةً لأطماع القوى الاستعمارية على مدار التاريخ.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com