الأجواءُ الروحانيةُ في ميادين الجهاد

 

عبد القوي السباعي

من يتسنى لهُ شرف زيارة المجاهدين من الجيش واللجان الشعبيّة في أي موقعٍ من مواقع الجهاد المقدس وجبهات العزة والكرامة، سيلاحظ العديد من الشواهد الإنسانية العظيمة والمآثر البطولية والإنجازات التاريخية، وقد تعجز ذاكرتهُ عن تسجيل الكثير من المشاهد الأُسطورية التي يجترحها أُولئك المجاهدون الأبرار، ولعلهم سيجعلونك تعيش تفاصيل حياتهم المليئة بالأجواء الروحانية التي قل ما تستحضرها في غير هكذا موقع، ومع غير هكذا نوعية من البشر، روحانيةٌ عجيبة، يسمو بها الفرد ويشعر بها ويتماهى فيها، ولتقريب الرؤية لبعض تلك المشاعر إلى القارئ الكريم يجب أن نفهم ما هي الروحانية، فمصطلح الروحانية وكبعض المصطلحات الدينية المهمّة وذات الدلالة العميقة أصبح هو الآخر رخيصاً يُستَعمَل في كُـلّ شاردةٍ وواردة للظواهر والحالات الاجتماعية والدينية المختلفة كنتيجةٍ حتمية للثقافات المغلوطة في واقع الأُمَّــة، ولكن الروحانية الحقيقيّة هي ظاهرة نادرة، فليس من الشائع أن يكون المرء روحانياً، ولا يمكن بسهولة الإشارة إلى مجتمعٍ معيّن بأنّهُ روحاني أَو يعيش أجواء من الروحانية.

ويمكن القول إن الروحانية هي صفة أَو حقيقة كيان روحي، وليس جسدياً أَو سمة روحانية أَسَاساً كما هي في بعض الأفكار الحياتية، وبما أن الدين هو مجموعة من المعتقدات والطقوس التي توصل الإنسانَ إلى علاقة صحيحة مع الله، فإن الروحانية هي التركيز على الأمور الروحية والعالم الروحي في هذا الدين بدلاً من الأمور المادية أَو الأرضية.

في البداية يجب التفريق بين الروحانية والغيبيّة أَو التصوف، فهذه المصطلحات ليست مترادفة بتاتاً، فالغيبية أَو التصوف قد تعني التصديق بوجود اللامرئي، والتفاعل معه والخوف منه أَو الإيمان بوجوده، مع كُـلّ ما يرتبط هذا من إيمانيات حقيقية أَو غير حقيقية، ومع كُـلّ ما يصاحبهُ من مظاهر تيمُن واستبشار أَو تطيُّر وتشاؤم، وهي حالات مرهونة في كثير من الأساطير الشعبيّة أَو الدينية، فعلى سبيل المثال يحاول البعضُ وصف أنفسهم بالروحانيّة، ولكن السِّمة الغالبة في الواقع هي الارتباط بالغيب والأُسطورة، من دون أن يكون لهذه الأُسطورة تأثير على السعي نحو الفضيلة والقِيَم المثالية لأجل ذاتها، فيمكن بسهولة أن نجد الجموع تبالغ في ممارساتها الدينية وفي نفس اللحظة تعيش وفق أشدّ القيم المادّيّة والأنانيّة، من دون أن تشعر بأنّها تعيش في تناقضٍ صارخ مع المنهج الرباني الذي رسمهُ الله سبحانهُ وتعالى وفق النصوص القرآنية.

ومن ناحية أُخرى، يجب التفريق الحاسم بين الروحانية والعاطفيّة، فالعاطفية هي القابلية للتأثُّر العاطفي ذي المنشأ الديني أَو الاجتماعي، ومن هذه العاطفية تأتي مشاعر الخوف المبالغ فيه من نظرة الآخر، وحبّ المظاهر، والفخامة، وما إلى ذلك، كما أن بعض المتديّنين يربطون بين الروحانية وبلوغ النشوة الروحية أَو فقدان الوعي أَو بعض مظاهر الهستيريا الفردية أَو الجماعية كما تفعل الصوفية، ولكن الروحانية أبعد من أن تكون من هكذا أمور.

الروحانية في الحقيقة أقربُ إلى العقلانيّة منها إلى العاطفيّة، وفي لغة المظاهر هي أقرب إلى الاستكانة والصمت والهدوء والسلوك اليومي الطبيعي منها إلى الرقص والقفز والبكاء ومظاهر الاندفاع الجسدي أَو النفسي، الروحانية تعلُّق بالمثال الأعلى، وهي إيمان بإمْكَانية ووجوب التواصل مع اللامنتهي في قلب المظاهر الطبيعية واليومية، إنّها إيمانٌ بوجود البُعد الآخر والثقة بالاتصال معه في كُـلّ عملٍ عادي يقوم به المؤمن المجاهد في كُـلّ سلوكٍ في كُـلّ حركةٍ وسكون، فالروحانية لها الكثير من الصلة بالسعي نحو العدالة والحرية نحو السمو والحبّ نحو الإيثار والإحسان، ولها صلة وثيقة بالدِّفاع عن القيم المُثلى والفضائل الحميدة والمبادئ النادرة، إنّها إيمانٌ بوجود المطلق حتى لو لم يبقَ إنسان واحد ليتحدّث عنهُ؛ لأنّه موجودٌ بذاته، الروحانيّة هي تفضيل البحث عن الفضيلة الني تؤدي إلى بلوغ الرضوان في الآخرة، على القيم المادّيّة والمباهج الحياتية الزائلة.

وحدهم المجاهدون في سبيل الله يدركون بأن الروحانية لا علاقة لها بالممارسة الدينية من حيث المظهر، فبعض الممارسات الدينية تعبِّر عن روحانية حقيقية وبعضها الآخر قد لا يعبِّر، فالروحانية ظاهرة منفصلة تماماً عن الممارسة الدينية ذات المضمون الشكلي، إنّها تتعلّق بنظام الأولويات الذاتية لدى المجاهد، أي هل الأولوية تتوجّـه نحو المثاليّات والحقائق أم تجاه المظاهر والحياة المرتكزة على المادّيّات والاستهلاك وعدم الشِّبَع؟ إن كانت الحياة القائمة على ممارسة المتعة في كُـلّ لحظة هي الحياة المفضَّلة لدى الإنسان، فبإمْكَانه أن يبكي طوال النهار والليل وهو منبطحٌ أَو ساجدٌ في محرابٍ ما أَو وهو يصغي إلى موعظةٍ عاطفيّة أَو دينية معيّنة، يمكنه أن يفعل كُـلّ ذلك من دون أن يكون قد اقترب قيد أنملةٍ من الروحانيّة الحقيقية التي يستشعر فيها عظم دوره في هذه الحياة.

الروحانية وثيقة الصلة بالعقل فهي التي تستخدم ما ينظّمهُ العقل من قناعات تتعلّق بالعلاقة بين الجزء الملموس من الوجود وذلك البعد غير الملموس، الروحانية هي السلوك بحسب هذا التخطيط العقلي، وبين من خلق الانسجام بين هذيْن البُعديْن في الذات الإنسانيّة للمجاهد في سبيل الله، إنّها تشوّقٌ إلى استشعار الكمال والتناغم في هذه الحياة، وتواصلٌ مع المثال الأعلى عبر الفِعل المتجسدة باستحضار شخصية الرسول الأعظم –صلى الله عليه وآله وسلم– وتراثهُ المتجدد في أعلام الهدى من آل بيتهِ الطاهرين، فالروحانية لديه تنظر إلى الظواهر المتغيّرة فترى الجوهر الثبات، وتنظر إلى ما يبدو ساكناً من الظواهر الاجتماعية والتاريخية والطبيعية، فترى تحوُّلها نحو البُعد غير الملموس وبفعل غير الملموس في حالةٍ ما إن رزقهُ الله الشهادة في سبيله، قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ).

الروحانية تحوُّل المجاهد في سبيل الله وتُعيد خلقه مجدّدًا، إنّها تفتح عقلهُ وقلبهُ على أشياء جديدة وعلى رؤى جديدة لم يكن يعلمها من قبل، إنّها منبع التفاؤل والتصديق بالمعجزات وبالحركات اليومية الصغيرة التي لا تُرى إلّا بعين الرّوح، الروحانية تعيش على الثقة بأنّ ما يُرى ليس ما هو كائن، بل هي تنتظر دائماً ما سيكون.

عبر هذا الانتظار والرؤية لهذه الصيرورة تبدأ الذاتيّة والأنانية بالتلاشي وتصبح المادّة منبعاً للشكر، بحيث تُمتَلَك أَو يُتَخلّى عنها بنفس البساطة والسهولة؛ لأنها لم تعد كائنة لديه، فعبر الروحانية تُرى تحوّلات المادة، ويُعرَف حينها بأنّ هذه التحوّلات تخضع للاملموس في هذه الحياة بحيث أنّها تصبح عبداً طيّعاً لمن لا يطلبها.

المجاهدون وحدهم من ينعمون بالأجواء الروحانية، من يشعرون بها، من يجسدونها، من يدركون أهميّة أن يوجه الإنسان مقاصده بشكلٍ أكبر نحو العبادات الني تعمل على تقوية الصلة بالله سبحانه وتعالى للبلوغ إلى تحقيق رضوانه، تجسيداً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأموالكُمْ وَأنفسكُمْ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، وبالتالي لا ينصرف تفكيره في المقاصد الأُخرى التي قد تختزل الوقت في جوانب حياتية، فتعمل على مساعدته لتحمل كُـلّ مشقةٍ في أرض الجهاد من خلال الاستعداد النفسي والتشبع الفكري والتفرغ العملي لباقي الطاعات والعبادات.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com