تهجيرُ مرتزقة العدوان لسكان مديرية الغيل قبل التحرير.. قصصٌ وحكاياتٌ من وجع!

أكثر من 600 منزل دمّــرت بالألغام والقنابل

 

 

المسيرة| محمد ناصر حتروش

ظلت “الغيلُ” أحدَ أبرز مديريات محافظة الجوف في دائرة مغلقة من النسيان للحكومات السابقة، في ما ظل سكانها يعانون الأمرَّين من ويلات الثأر والاقتتال بين مختلف قبائلها من الأشراف والمحابيب وهمدان وآل مسلم وآل عوام وغيرها من القبائل التي ظلت لأعوام طويلة تتصارَعُ وتتقاتل مع بعضها البعض.

ومع بدءِ العدوان على بلادنا في 26 مارس 2015، ازداد الشرخُ كثيراً بين سكان المديرية، فمليشياتُ حزب الإصلاح فضّلت الارتماءَ في حُضن العدوان، فيما بقية الأحرار فضّلوا مساندة الجيش واللجان الشعبيّة والوقوف ضد العدوان الإجرامي على اليمن.

وعملت القبائلُ الموالية لمليشيا حزب الإصلاح على تفجير الوضع الأمني وتأجيج الثأرات القديمة، وتمكّنت بعد ذلك من السيطرة على مديرية الغيل عام 2016، لتبدأ هنا حكايات وقصص أليمة من التهجير وتفجير المنازل والعبث بالممتلكات والمزارع لأسر فضّلت منذ اليوم الأول من العدوان على بلادنا مناهضته ومساندة أبطال الجيش واللجان الشعبيّة، كُـلّ هذا كان يتم بإشراف وتوجيه من قبل العكيمي؛ لذا تم تدمير أكثر من 600 منزل، وتهجير أكثر من 600 أسرة، ناهيك عن نهب المزارع وسلب محتوياتها.

 

ألغام تنسف منازل السرور

ويتحدث المواطن ناصر بن علي يحيى السرور وهو واحد من الذين تم تهجيرهم من المديرية بأسى عن ذلك الواقع، ويقول إن المرتزِقة نهبوا منزله ومنزل شقيقه ومنازل أسرته، واستولوا على كُـلّ محتوياتها، ودمّــروها بحقل من الألغام، مؤكّـداً أن مليشيا الإصلاح من أبناء المنطقة نفذت تلك الأعمال الإجرامية نتيجة لأحقاد طائفية ومذهبية.

ويتذكر السرور كيف كان وضع “الإصلاحيين” في المديرية قبل أن يسيطروا عليها، ويقول إنّ الجيش واللجان الشعبيّة لم ينهبوا منزلاً، بل حصروا كافة ممتلكات خصومهم، وسلّموها للشيخ علي مرشد، شيخ “المحابيب”، وقد استلم مبلغ 100 مليون ريال يمني ومبالغَ سعودية وأعطى كُـلّ ذي حق حقه.

ويتابع سرور حديثه لصحيفة “المسيرة” قائلاً: “بعد أن تم تهجيرنا من منازلنا تواصلنا بالشيخ علي مرشد وطلبنا منه التواصل مع المرتزِقة ليخبرهم بعدم التعرض لمنازلنا وتفجيرها، لكنه سرعان ما رد علينا جوابهم بأنهم لم يستجيبوا له، قائلاً: إنهم يحملون أحقاداً طائفية، جعلتهم يصرون على تدمير منازل مديرية الغيل بكافة شرائحها من أحفاد عمار بن ياسر وأحفاد بلال والأشراف، وجميع هؤلاء دُمِّرت منازلهم وهُجّروا”.

ويواصل السرور حديثه بألم، مُشيراً إلى أن مرتزِقة العدوان من أبناء مديرية الغيل استدعوا لواء “الضاوي” المجند للعدوان ليستوطن في منازل المهجرين.

أما بالنسبة لأعمال بعض المنظمات الإغاثية والتنموية، فيؤكّـد السرور أنها كانت تساند مرتزِقة العدوان، وتوفر لهم الدعم، وأنهم لم يستجيبوا لمناشدات المواطنين بعدم تقديم المعونة والمساعدات لهؤلاء المرتزِقة، بل إنهم كانوا يقدمون المساعدات للواء الضاوي ويصرفون عليه ما يقارب ألف سلة غذائية، ومن هؤلاء المنظمات ما يسمى بالمؤسّسة الوطنية للتنمية والتي غادرت المنطقة بمجرد وصول الجيش واللجان الشعبيّة وتحريرها الشهر الماضي، وامتنعت عن مواصلةِ عملها رغم معرفتها بعودة المهجرين إلى منازلهم.

ويقول ناصر السرور بأن المرتزِقة الذين نهبوا منازلهم ومزارعهم معروفون، وهم شتلان من آل مسلم، وأشخاص من آل عوام، في حين معظم أبناء الغيل الذين فُجّرت منازلهم ونُهبت ممتلكاتهم هم أشخاص من قبل “المحابيب” و”آل مسلم”.

 

4 منازل لأسرة عزان فجّرها المرتزقة

من جهته، يتحدث علي يحيى عزان -أحد المهجرين من أبناء مديرية الغيل- عن الأضرار التي تعرضت لها أسرة عزان حين سيطر المرتزِقة على المديرية.

ويقول عزان لصحيفة “المسيرة” بشجن إن المرتزِقة فجّروا منزلَه ومنزل اثنين من أشقائه، كما فجروا منزل أبيه يحيى عزان.

ويشير عزان إلى أن “المرتزِقة وقبل تفجير المنازل، قاموا بنهب الممتلكات، كالحراثة، والمكينة الصيني، ومولد كهربائي كبير، وجنبيتين، كما دمّــروا مزارع القات وقلعها وقاموا بزراعتها في مزارعهم، موضحاً أن من نهبوا منازلهم ومزارعهم معروفون وهم علي مبخوت شتلان من آل مسلم وعلي عوام وأولاده من آل المحبوبي”.

ولم تقتصر أعمال المرتزِقة على ما تم ذكره بل إن اعتداءهم وصل إلى روضات الشهداء، وهو أمر لا يكاد أحد يصدِّقُه.

ويقول أبو الشهيد محمد الأشموري -أحد أبناء مديرية الغيل- إنه تأكّـد أن مرتزِقة العدوان عبثوا بأضرحة الشهداء، وكسروا الأضرحة، ومزقوا الصور، وهدموا القبور.

ويضيفُ الأشموري لصحيفة “المسيرة” أن “المرتزِقة اقتلعوا الأزهار التي تغطي الأضرحة، وكانوا يرقصون عليها، ويغنون، ويدوسون على الصور”، مُشيراً إلى أن انتهاكات المرتزِقة لم يسلم منها الأحياءُ ولا الشهداء، وأن جرائمهم وانتهاكاتهم هذه كانت السببَ في هزائمهم وهوانهم.

ويطالب الأشموري مؤسّسةَ الشهداء والجهات المختصة بإعادة ترميم الروضة؛ لتعودَ كما كانت عليه في الماضي، موضحاً أن الشهداء يتركون أثراً طيباً على المجتمع حين يرحلون.

 

نهبُ ممتلكات أسرة العبود

ومن مآسي تفجير منازل المواطنين في مديرية الغيل من قبل مرتزِقة العدوان ما حدث لأسرة مسعود العبود، حيث فجّر المرتزِقة أربعة منازل للأسرة.

ويقول المواطن أحمد مسعود العبود، إن المرتزِقة فجروا منزله ومنزل أبيه وأخيه الشهيد وابن عمه.

ويؤكّـد لصحيفة “المسيرة” أن المرتزِقة ساوموهم على تسليم منازلهم، مقابل الرضوخ لهم، مُشيراً إلى أنهم فضّلوا تركَ المنازل على الخضوع، ورحلوا مقاتلين شامخين حتى استعادوا منازلهم وهم شامخون.

ويشير إلى أن المرتزِقة المتورطين بنهب منازلهم هم خالد جسار وعائلته، وقد نهبوا المحلات التجارية و22 أسطوانة غاز، ونهبوا المحلََّ التجاري الذي تبلغ تكلفته أكثرَ من أربعة ملايين ريال يمني.

وعلى الرغم من جراح العبود الغائرة جراء ممارسة المرتزِقة وانتهاكاتهم، إلا أنه يوصل عبر صحيفة “المسيرة” رسالةً لهم، فيقول إن عليهم العودة إلى منازلهم في مديرية الغيل، ولن يعترضهم أحد، أَو يعيب فيهم أحد.

وتعد أسرة الأعور واحدةً من الأسر التي نالها نصيبٌ من التدمير والخراب من قبل مرتزِقة العدوان في مديرية الغيل بالجوف.

ويقول محمد ناصر الأعور إن المرتزِقة فجروا منازلهم وأحرقوها، ونهبوا ممتلكاتهم من سيارات وحراثات ومكائن وغيرها من الممتلكات التي نهبها.

ويؤكّـد الأعور لصحيفة “المسيرة” أنهم كانوا يعيشون قبل العدوان في أُخوة دائمة، يصلون في مسجد واحد، ويخزّنون في مجلس واحد، وكانوا متعايشين على أرقى مستوى، لكن الثقافات الدخيلةَ والفكر الوهّابي الدخيل عمل على تغيير القلوب، حتى امتلأت بالأحقاد الطائفية التي أدت إلى تفجير وتدمير كافة المنازل التي فُجّرت بالألغام والقنابل.

ويؤكّـد الأعور أن المرتزِقة المتورطين في تدمير منازل عائلته هم من قبائل “آل مسلم” و”المحابيب”، موضحاً أن أحد مشايخ تلك القبائل منع حريم أسرة الأعور من زيارة منزلها وقام بطردها.

ويقول الأعور وكله ثقة وإيمان: “نحن لم ندخل منتقمين، وإنما حرّرنا مديريتنا من المجندين للعدوان”، مضيفاً بقوله:”المرتزِقة مثل كروت التعبئة يتم الاستغناءُ عنهم بعد الخدش”، ولهذا يوجه الأعور نصيحة لهم بأن “عليهم العودة إلى منطقة ليتعايشوا بسلام، ويصلون في مسجد واحد، وأن يتوحدوا في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني”.

من جهته، يقول المواطن جار الله بن الأعور لصحيفة “المسيرة” إن مرتزِقة الغيل فجروا منزله ومنزل والده ومنزل ابن عمه.

ويشير إلى أن منزله كان يتكون من ستة أدوار من “اللبن” الذي يجسّد الحضارة اليمنية العريقة “، مُشيراً إلى أن مليشيا الإصلاح أقدمت على تفجير منازل المواطنين “بالغيل”؛ بذريعة أن أبناءها يعتبرون الخزَّانَ البشري “للحوثي”، وتحت مسمياتٍ طائفية كـ”الروافض” و”المجوس”.

ويؤكّـد الأعور أنهم وبعد تحرير المديرية كانوا أرفعَ من تلك النفوس الساقطة التي دمّــرت كُـلّ شيء، حيث قاموا بحماية منازل وممتلكات تلك المليشيا التي هجّرتهم ودمّــرت منازلهم”.

ويقسم الأعور بالله إنهم حينما يشعرون بأن أحد المواطنين الذين تضرروا غاضب ويرغب بالانتقام فإنهم يذهبون إليه ويهدئونه ويأخذون بخاطره، كي يعودَ إلى أخلاق المسيرة القرآنية، مؤكّـداً أن قيادةَ الغيل بالمنطقة تواصلوا مع مليشيا الإصلاح الذين تركوا منازلَهم قبل تحريرها، وطالبوهم بالعودة إلى منازلهم، لكنهم رفضوا؛ “لأنهم متخوفين من ردة فعلنا بعدما رأينا الدمار والخراب الذي لحق بنا منهم”.

ويتحدث محمد عبد الله غليس لصحيفة “المسيرة” من أمام ركام منزله الذي فجّره المرتزِقة ونهبوا ممتلكاته بالكامل، بما فيها المراحيض، ويقول: “رغم جراحنا ونزوحنا إلّا أننا لا زلنا صامدين ولن نتخلى عن كرامتنا ويجب على الأعداء أن يفهموا ذلك”.

وتحدث شقيق الشهيد أبو حسين النمس هو الآخر لصحيفة “المسيرة” من أمام منزله المدمّــر، ويؤكّـد أن الأعداء مهما دمّــروا وفجّروا ونهبوا فإن النصر حليفهم والله ناصرهم، وأن العار لكل من باع وطنه وتحالف مع الغزاة.

وحين وصل أبو محمد الشريف إلى منزله ورآه مدمّــراً أنشد بعض الأبيات الشعرية:

يا دار لو طحتي وهدون مبناش..       تبقي على عهدك وضيفك بشوشة

دام الكرامة تاج راسك ومبداك..         ذكرك مخلد ما تبعتي قروشه

يا حلف شيطاني يجمع له أوباش..     لكن بعون الله نسوقه نعوشه

 

رسائلُ مشتركة

وأمام هذا الوجع الكبير لسكان مديرية الغيل من قبل مرتزِقة العدوان، إلا أن موقفهم واحد، ورسالتهم واحدة، وهي دعوةُ المغرّر بهم للعودة إلى منازلهم والتخلي عن العدوان وأدواته، مؤكّـدين تسليمَهم المطلقَ لأوامر القيادة المتمثل في عدم التعرض لأيٍّ من ممتلكات تلك المليشيا أَو الإضرار بها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com