شعب الله الحي

بقلم: حمود الأهنومي

في الشارع سمعت أحدهم يتهم اليمنيين أنهم خونة ومنافقون وأن الشعب هو أساس كل هذه المشاكل القائمة، ومضى الوقت إلى الأمام قليلا وإذا به يتحدث أن لديه في البيت أسرا نازحة من أقاربه وأصدقائه، فبادرته بالسؤال: هل يوجد في صنعاء مخيم للنازحين، فأجاب: لا، قلت له: لماذا؟ أجاب: لأن ذويهم وأصدقاءهم يستقبلونهم في بيوتهم، قلت له مضيفا: أعرف أنا امرأة ليست موسرة ولكنها تستقبل حتى اليوم في بيتها الصغير والمستأجَر ثلاث أسر، إحدى هذه الأسر ليست سوى جارة سابقة في حارتها. وأضاف هو مؤيدا: هذا صحيح، ووالله لا نقبل من هذه الأسر النازحة أن تساهم معنا في المصاريف بريال واحد، قلت له: هل أنت يمني؟ قال: نعم، قلت فما عدا مما بدا؟ لماذا كنت قبل قليل تذمهم؟ ألم تر أن لليمنيين إيجابيات كثيرة يمكنك التعويل عليها والحديث عنها؟ واتفقنا أخيرا أن في اليمن كنوزا من الأخلاق، وخبايا عزيزة من القيم الرائعة.

لقد استطاع اليمنيون تجاوز ما يقارب الثلاثة الأشهر من الحرب العنيفة عليهم برا وبحرا وجوا وحصارا وإرهابا وتفجيرا وتفخيخا ومجازر رغم أن ما يمرون به اليوم من حروب لم يحدث لها مثيل في التاريخ، ورغم أن ما يرتكبه العدوان السعودي الأمريكي في حقهم – وبأدواته المختلفة في الداخل والخارج وفي ظل تآمر وتواطؤ دولي وتضليل عالمي – كفيل بإلحاق هزيمة نكراء بهم، فلماذا ثبتوا كل هذه المدة، بل ويوما بعد آخر يحققون الانتصارات الكبيرة، وتتوالى الإنجازات العملاقة؟

إن هناك قيما وأخلاقا وعادات وتقاليد يغفل الناس عن دورها في هذا الصمود الأسطوري، وأي باحث لا يغوص في الخلفيات والآداب الاجتماعية والتاريخية لهذا الشعب فإنه لا يستطيع الإجابة على هذا التساؤل. ناهيك عن قيم الجهاد وروحيته العالية التي يتحرك بها المجاهدون على الأرض.

ساهم تكيفُ اليمنيين على الظروف الصعبة في هذا الثبات، فصبروا على الكماليات وعلى كثير من الأساسيات، وبهذا وجّهوا صفعة شديدة في وجه العدوان، وأفشلوا مراهنته على العقاب الجماعي ومجازر الإبادة الجماعية في ضغط المجتمع على المجاهدين وقيادة الثورة ودفعهم للاستسلام، بل على العكس من ذلك فإن تلك المجازر حرّكت الحمية المحمودة والنخوة العربية المشهودة في قلوب كثير من الشباب ليتحركوا بعدها بشكل إيجابي وينطلقوا إلى ساحات الشرف والرجولة بعد أن رأوا هذه العدوان على حقيقته القذرة تستهدف كل المجتمع.وماكانيمكنأنيكونوسيلةقهروغبنوضغطوإضعافيمكنأنيستغلهاالعدوانفيهزيمةاليمنيينتحوّلبسبب عادات وتقاليد اليمنيين وصبرهم وإيمانهم إلىمصدرللصمودوالمقاومةوالصبر

كما شكلت عادات الكرم والحمية والتآصر المجتمعي مصادر رائعة للتكافل والتناصر، فحدث امتصاص غريب وعجيب لظاهرة النازحين بصورة لم يشهد لها العالم مثيلا، وهي معجزة يمانية، تفرد بها أهل اليمن، وكانوا علمها المفرد.

وليس غريبا على هذا الشعب الكريم انتشار ظاهرة (الوايتات) و (الخزانات المائية) التي يكتب عليها (سبيل) فيستقي منها صبيان الحارة ونساؤها الماء، فذلك هو بعض مياسيرهم أراد استغلال هذه الفرصة لينال الأجر والمثوبة من خلال هذه القربة التي يتقرب بها إلى الله، ومع ذلك فإنه يجب أن لا يكون هذا بديلا لواجبات الدولة، بل رديفا ومعينا مؤقتا، وإذا كان المجتمع يقدم في هذا الصدد أفضل السلوكيات الرائعة فإن الحكومة للأسف تقدم أسوأ ما لديها من فساد ولامبالاة، ومن الغريب أن تجد اليمني وهو ينتمي لليمن والحارة رائع الأداء طيب الذكر، ولكنك تجده باعتباره موظفا فاسدا، غير مبال بأوجاع وآلام الناس، وما ذلك إلا للتركة الموبوءة من القيم الفاسدة التي اكتسبها هذا الصنف من الموظفين طوال عقود ماضية.

رأيت أحد مفكري الطائفية الخلايجة (الدكتور النفيسي) يصف اليمنيين بأنهم شعب حي، بعد سلسلة تغريداتحرّض فيها على العدوان والاستمرار فيه، وهو وإن كان كاذبا في تحليلاته ومعلوماته لكنه صدق في هذا الوصف، وقد يصدق الكذوب، وأزعم أنه لولا هذه الحياة المتدفقة في عروق هذا الشعب لكان قد أعلن استسلامه وفشله أمام هذا العدوان العالمي من وقت مبكر.

لأول مرة يحدث أن تحرِّض النساء أبناءهن وبشكل واسع على الالتحاق بثغور الشرف وميادين البطولة للدفاع عن دينه ووطنه، ولأول مرة يستعد الآباء أن يتخلوا عن أبنائهم واحدا بعد آخر شهداء في سبيل الانتصار على القوم الفاجرين وعملائهم المرتزقة والتكفيريين، ولا يستطيع قاصرو الفهم أن يتخيلوا شابا تقلّب عمره الماضي على بساط الترف ورفاهية الخير وفواضل النعيم وحين جدّ جِدُّ هذه الهبة المباركة تخلى عن كل ذلك النعيم وانطلق إلى الله لا يلوي على شيء منه، إن ذلك هو الشعب الحي والولاد والمعطاء، تلك هي الروحية العالية مَن صنعت من هؤلاء البشر ملائكة يمشون مطمئنين على أرض الكفاح يكتبون قصصا ملحمية واقعية تذكِّر بعهود الأمجاد وأيام الله، ولا تكاد تصدَّق لولا أننا نراها على واقع العيان والمشاهدة.

هناك الكثير من القيم والسلوكيات المجتمعية التي يجب أن يسلط الإعلام الضوء عليها، لتعمل الجهات المختصة والإعلام المقاوم على تعزيزها والإشادة بها، وتنظيمها، وتطويرها، والاستزادة منها.

اليمن أيها المعتدون الأغبياء لا تنهزم، لأنها ولادة الرجال، وحاضنة العظماء، ومقبرة المتكبرين والغزاة المعتدين، ولم تهن وتضعف أمام سطوات الأقوياء، لأنها تؤمن بأخلاق وقيم ومبادئ ومُثُل يخلق فيها مصادر الطاقة المقاومة والجبارة والعصية على الانكسار.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com