تـدويـرُ الذرائع بين إدارتين

 

صلاح الدكاك

ثمَّةَ ثلاثُ يافطات ذرائعية للعدوان على اليمن تُديرُ إحداها الولاياتُ المتحدة على نحوٍ مباشر، وهي يافطةُ (مكافحة الإرهاب ـ القاعدة)، فيما تدير الأُخْـرَيَين من الكواليس، وهما يافطتا (إعَادَة الشرعية) و(الحيلولة دون نفوذ عسكري إيراني على البحرين الأَحْمَـر والعربي، من البر اليمني).

بالنسبة للإدارة الأمريكية السابقة والحالية، فإن الخيارَ الأمثلَ هو تدويرُ اليافطات الثلاث بما يخدم الهدف الكلِّي منها، دون السماح بانتعاش ذريعة على حساب موات الأُخْــرَى، كما تؤكد عملية الإنزال الجوي الأخيرة للمارينز في (يكلا ـ محافظة البيضاء) صبيحة الأحد الفائت.

 بين (ترامب) وسلفه (أوباما) ثمة تباينٌ على مستوى التكتيك، غير أن استراتيجيا العدوان تبقى ذات الاستراتيجيا فبينما لجأ (أوباما) في أكتوبر الفائت، إلى فبركة (رواية استهداف مدمرتين أمريكيتين بنيران حوثية) مما استدعى وفق البنتاغون ـ رداً أمريكياً عسكرياً مباشراً و(محدوداً) طال حينها (منظومة رادار بحرية يمنية)، يلجأ (ترامب) اليوم إلى تنفيذ (إنزال جوي مهدت له الدرونز بقصف عنيف في يكلا ـ البيضاء) بذريعة استهداف (قيادات كبيرة للقاعدة).

إن العجزَ العسكريَّ الذريعَ لتحالف العدوان، في بسط سيطرته على مضيق باب المندب وذو باب والمخا، والضربة الصاروخية القاضية التي سددها الجيش واللجان للسفينة الإمَارَاتية (سويفت) كتتويج لانكسار زحوفات العدوان في أكتوبر الفائت، هي ما استدعى حينها بروزاً أمريكياً مباشراً وغير مواربٍ على مسرح الاشتباك، بطبيعة الحال، وكذلك اليوم مع تباين تكتيكي في شكل هذا البروز لا في مغزاه الاستراتيجي.

إن الهدفَ الأمريكي المرحلي ميدانياً يتمثل في تقطيع أوصال الخارطة اليمنية من جهة البحر، بما يفضي لسيطرة ملاحية كاملة ومريحة على المثلث الساحلي الواصل بين (الأَحْمَـر والعربي) بكامل اليابسة المتاخمة له والمتمثلة في محافظتي تعز والحديدة تحديداً للمراكمة على مكسب السيطرة الناجزة على كامل مياه (البحر العربي وتخومه البرية جنوب اليمن)، وبما أن هدفَه هذا لم يتحقق بعد نحو عامين من العمليات العسكرية البرية والجوية والبحرية، فإنه بحاجة ماسة إلى ترميم حضوره العسكري المتداعي من خلال تدوير اليافطات الذرائعية والبروز ـ تارةً ـ بدعوى خطر مباشر يتهدّدُ قِطَعَه البحرية، وأُخْــرَى بدعوى مكافحة الإرهاب.

لقد لقي نخبةُ كوادر تحالف العدوان السعودي الأمريكي حتفَهم على الجبهة الساحلية، والقليلُ منهم فقط على البر الشرقي لليمن، كما شهدت رمالُ البحر الأَحْمَـر أكبرَ محارق حقيقية للدروع والعتاد الحربي الحديث ومقاتلات الأباتشي التابعة للتحالف على مدى نحو عامين من عدوانه.

إن معركةَ الساحل ـ تأسيساً على ذلك ـ ليست معركةَ (شرعية وانقلاب) بالنسبة لواشنطن، بحيث يمكنُ ترميمُ خسارتها من جانب التحالف بتسوية سياسية في (مسقط أَوْ عمَّان)، وإنما هي معركة وجود تنتظم نتائجها مستقبل الهيمنة الأمريكية على طرق الملاحة البحرية الدولية في أدق مفاصلها.. فإما استمرارُ هيمنة أَوْ انحسار، وثمة خيارٌ ثالثٌ هو تسليمُ واشنطن بأن العالَمَ يتغيّرُ وأنها لم تعد مركز الكرة الأرضية الذي تدور حوله البلدان والأمم كأجرام صغيرة وهامشية بالقصور الذاتي.

إزاء هذه الحقيقة يمكن القول إن كلا الردين العسكريين لإدارتي (أوباما وترامب) عقب الإخفاقات المدوية للتحالف على الجبهة الساحلية، يشيران إلى أن (واشنطن) آيلة لانتهاج مبدأ كبح الانحسار المتفاقم عند الحد الأدنى من المصالح كيدٍ دولية طولى لا كقوّة هيمنة مطلقة كما في السابق.

إن بسالةَ مقاتلي الجيش واللجان وضرباتهم الصاروخية النوعية ترغم أمريكا على التقهقر من موضعها كمطلق هيمنة إلى تماس شراكة قائمة على مشروعية المصالح، فيما لم تعد مفاهيمها الحصرية (للحرب على الإرهاب) قابلة للنفاذ عالمياً بمنأىً عن طائلة مِقَصِّ الرقيب الروسي الصيني الإيراني، في ظل رياح موازين غير مواتية.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com