ثقب صهيوني في الذهنية العربية

أنس القاضي

مَرّتَ في الأمس الذكرى السنويةُ الخامسة عشرَةَ لغزو العراق عام2003، حَدَثٌ غيّرَ صورةَ المنطقة وموازين القوى لصالح أعداء الشعوب العربية، ولم يتغير الوعيُ العربي بنحو إيْجَـابي، ليقي بلدانه من الغزو والتدخلات العسكرية الغربية، كأنَ غزو العراق تم منذ أُسْبُوْع ولم تتعرَّ بعدُ أَمريكا بجرائمها وأكاذيبها ولا عُرفت أطماعُها، بل لم يهز الوعي العربي النخبوي والشعبي اعترافُ أَمريكا وبريطانيا بأنها لم تجد أسلحة دمار الشامل لافتة الغزو الرئيسية، فهلل المُغفلون للغزو الأطلسي لليبيا بزعم تخليصها من الطاغية القذافي، وهللوا للعُـدْوَان على الـيَـمَـن بزعم تحريرها من “الانقلابيين”، وللمؤامرة على سوريا لدمقرطتها وانقاذها من الأسد، وكان تصدير الديمقراطية للعراق الدكتاتورية عنواناً آخر للغزاة، وها هي الديمقراطية الأَمريكية في العراق والجهود التي صرحت أَمريكا وأكدت التزامها بها تجاه العراقيين، مجسّدةً في داعش التي صرّحت كلينتون بأن أَمريكا صنعتها، يسقي أوباما ما زرعه جورج بوش، ويدفع العربي اليوم ثمن صمته قبل 15 عاماً.

إعترفت أَمريكا وبريطانيا بأن الغزو تم على معلومات خاطئة، وكأنها غلطة مطبعية، فليغفر لهم شعب العراق المذبوح! خلف هذا الاعتراف أخفوا المطامع الاستعمارية وهي المطامع في العُـدْوَان على الـيَـمَـن وسوريا، وسيعترف المعتدون فيما بعد بخطأ العُـدْوَان على الـيَـمَـن ووهْمِ وجود شرعية ووجود إيراني، ولكن بعد أن يحققوا أطماعهم إن انتصروا، هذه الاطماع الاستعمارية التي تجسّدت في ضرب القوة العسكرية العراقية التي كانت قوةً للشعب العراقي ونهب الذهب والنفط والآثار العراقية وتصفية العلماء والأدمغة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ما يأمن للاستعماريين بقاء البلدان مُدمّرة ليس لها قائمة، فلم تشتعل حُمى التوتر الطائفي في المنطقة بهذا الشكل إلا من بعد غزو العراق، كان تجزئة المجتمع على أساس طائفي هي الديمقراطية الأَمريكية التي أتت بها إلَى العراق، ومَا زَالت النارُ الاستعمارية موقدةً، وفي الذكرى الخامسة عشر لغزو العراق، وما زال هذه التمزيق للمجتمعات العربية الخطَرَ الذي يواجه سوريا والـيَـمَـن، بغضّ النظر عن مدى إمكانية نجاحه، وهذا النموذج الاستعماري هوَ المُرادُ تعميمه على بقية الدول العربية جيوشاً ومجتمعاتٍ، التي اكتفت بالتفرُّج على غزو العراق، والتي تكتفي بمشاهدة العُـدْوَان على الـيَـمَـن!

تم غزو العراق من الأساطيل العسكرية الأَمريكية في دول الخليج وبتمويل خليجي، ومَا زَالتَ الأساطيل الأَمريكية في دول الخليج هي الخطر الحقيقي على الأمن القومي العربي بتظافرها مع الوجود الاحتلالي التوسعي الإسرائيلي والذي ظهرت علاقتهم بهِ إلَى السطح، وما زال الصراع في المنطقة صراعاً شعبياً ثورياً وطنياً قومياً ضد المطامع الغربية الأَمريكية والأطلسية والصهيونية، لكن ثقباً في الذهنية العربية عملت عليه إسرائيل عبر أنظمتها العميلة في ميادين السياسة والإعلام والثقافة والقنوات الدينية المتطرفة، وعبر مفاهيم الأقليات في المنظمات المدنية وبالممارسات السلطوية الإجْــرَامية الاستبدادية التي تأخذ شكلاً طائفياً، جعل الأغبياء يُصدقون أن الصراع “سُني شيعي”، فبكت السعودية على “أسد السنة” صدام حسين وهي التي تآمرت عليه وخانته، كما تخون وتخذل العرب “السُّنة” في فلسطين، في حالة قيّمنا واقع السعودية بمقاييسها الطائفية الزائفة، وكان غطاء العُـدْوَان على الـيَـمَـن الذي تتصدّره السعودية زعم حماية الأمن القومي العربي، فيما الخطر على العالم العربي منها بما هي مملكة صنيعة الانجليز تأريخياً تحكمها الدوائر الصهيونية والأَمريكية حالياً.

وتحفة البلاهة أن يخرج المدعو عزت الدوري نائب الرئيس العراقي الأسبق صدام حُسين وعلى قناة العربية، في تسجيل يدعو بهِ إلَى دعم تحالف بني سعود لملاحقة المجوس الإيرانيين في الـيَـمَـن، مستمتعاً ببلاهتهِ، ناسياً أنهُ مطارَدٌ من قبل الأَمريكان التي صنعت ما صنعت بغزو بلاده!.

مَا زَال هذا الثُّقب الصهيوني في الذهنية العربية حاضراً يُعمَلُ على استمراره، لكن حركة الواقع الاجتماعي السياسي العسكري داخل الوطن الواحد وفي العالم العربي ككل تعكس وعياً واقعياً وإن مَا زَال بسيطاً، إلا أن المجتمعات العربية باتت تحس بأن تفسيراتها للصراع وحقيقها بؤسها ليس ما تظن، بل شيء آخر، وهوَ الوجود الاستعماري الأَمريكي الصهيوني السعودي.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com